حيدر فاخر في القاهرة.. طلسم رافديني يمشي على أقدام معاصرة

فنان تشكيلي عراقي يعيد صياغة الفلسفة الإنسانية بالرموز
الأربعاء 2026/07/15
بصمة فنان لا ينتمي إلا إلى نفسه

يخوض الفنان التشكيلي العراقي حيدر فاخر اختبارا بصريا جديدا يضع فيه الإنسان الرافديني المعاصر وجها لوجه مع أزمة العصر الحالية. ومن خلال لوحاته التي تمحو الملامح لترتقي بالفرد إلى صيغة الجمع، يمزج فاخر بين وقار النحت السومري القديم والرموز الاستهلاكية الحديثة، محولا اللوحة إلى مساحة للتفكير الفلسفي ومقاومة الغياب.

في قاعة “كلك آرت غاليري” بالقاهرة، وقف الفنان العراقي حيدر فاخر أمام لوحاته وهو يرى لأول مرة كيف ينظر جمهور عربي آخر إلى طلسمه البصري. لم تكن مشاركته في مهرجان القاهرة التشكيلي مجرد محطة عرض، بل كانت اختبارا لمدى قدرة تجربة نمت في بغداد وواسط على أن تتكلم لغة يفهمها المكان والزمان معا.

حيدر فاخر من مواليد بغداد 1987. بدأ مبكرا، فحصل على دبلوم الرسم من معهد الفنون الجميلة عام 2007، ثم أكمل البكالوريوس في كلية الفنون الجميلة عام 2012، ونال الماجستير في الرسم سنة 2017. بين هذه السنوات لم يكن يدرس التقنية فقط، بل كان يحفر في سؤال واحد: كيف يمكن للإنسان المعاصر أن يقف أمام مرآة التاريخ دون أن يتحول إلى نسخة؟

الإجابة جاءت في بنية بصرية صارمة. في لوحاته لا تجد وجها كاملا، فالعيون تُمحى، الأنسجة الوجهية تُغطى بسطوح مظللة أو معتمة. هذا المحو ليس هروباً من التشخيص، بل ترقية له. يتحول الفرد إلى الإنسان بصيغة الجمع، إلى كائن طقسي لا ينتمي إلى زمن بعينه.

الأجساد طويلة، الأعناق مستطالة، الوقفة ثابتة، هناك إحالة مباشرة إلى النحت الرافديني القديم، لكن بلا استنساخ. هو يأخذ روح الوقار الأيقوني ويعيد صياغتها بفرشاة تعرف أن العالم تغير.

الثوب عند حيدر ليس قماشا، هو نص فكري، يغلف الشخصيات بخطوط أفقية متعرجة، بحروف مطلسمة، بعزائم تشبه ما كان يُكتب على التمائم. الأزياء تتحول إلى دروع عقائدية، إلى غطاء ساتر يحمي الجسد من الانكشاف ويكشفه في الوقت ذاته.

أعمال حيدر فاخر هي انعكاس لضمير فنان عاش في بغداد ورأى كيف يمكن للحرف أن يتحول إلى طاقة خفية

هذا التوتر بين الستر والإعلان هو أحد مفاتيح قراءة أعماله. ومنذ البدايات المبكرة حرص على أن يبني معجما رمزيا خاصا به. العكازات المقلوبة والأعمدة الحمراء تتكرر كعلامات عمودية حادة، تشبه المرساة البحرية أو صليبا هائما. هي ليست أدوات عجز، بل خطوط تعليق للغيب، وتوازن هندسي يواجه الكتلة البشرية.

إلى جانبها تظهر آثار ومنحوتات سومرية، تمثال ذو عينين واسعتين، مصاحف على مفرش، تمثال برونزي داخل قفص. يضع الحجر القديم وجها لوجه مع الإنسان المعاصر. الحوار لا يتم بالكلمات، بل بالمجاورة.

ثم تأتي الصدمة المقصودة: علبة كوكاكولا في يد، سبحة ملونة في يد أخرى، زجاجة مشروب غازي على طاولة، الثوب المكتوب يجاور السلعة، والسبحة تجاور الهيكل العظمي لسمكة على طبق، هذه المفارقة ليست سخرية، بل تشخيص.

يقول إننا نعيش بين الطقس والاستهلاك، بين الذاكرة واليومي. ربطة عنق صغيرة مزركشة وسط مساحة حمراء ملتهبة تكسر الوقار وتعلن أن هناك نبضا بشريا تحت الطبقات الرمزية، اللون عنده محسوب كالمعادلة. يميل إلى خلفيات مسطحة معزولة: أصفر خردلي، رمادي، أخضر زيتوني، أحمر صريح. يقابلها دائما حار مقابل بارد. العكازات الفاقعة والبرتقالي الناري يصطدمان بهدوء البيج والرمادي والأخضر المائي. والفرشاة لا تخفي أثرها.

الضربات العريضة والعجينة اللونية تعوضان غياب التفاصيل الدقيقة، وتمنحان السطح حركة تعوض سكون الوجوه.

هذا كله لم يأت من فراغ، في عام 2017 قدم عرضا مفاهيميا بعنوان “ثوب آدم” ضمن مهرجان تركيب للفنون المعاصرة في بغداد. ارتدى ثوبه ووشحه بالرسم، وخطط بالأسود شكل آدم مع كف مرفوعة في الأعلى، كان الكف شاهدا ورافضا في آن واحد، يسجل ما يفعله الأحفاد بالوطن. الفكرة كانت غير مطروقة في المشهد العراقي: تحويل الجسد إلى لوحة، واللوحة إلى شهادة.

بعدها بعامين، في عام 2019، أقام معرضه الشخصي الأول “طلسم” في قاعة حوار، الاسم وحده كان برنامجا. الطلسم ليس سحرا، هو تكثيف للمعنى في علامة، وفي العام نفسه حصل على جائزة عشتار التقديرية للشباب.

إعادة تصوير للواقع والأسطورة
إعادة تصوير للواقع والأسطورة

وفي عام 2022 عاد إلى جائزة عشتار وحصل على جائزة التحكيم الخاصة. وفي عام 2023 نال الجائزة الثانية للشباب من وزارة الثقافة العراقية.

هذه الجوائز لم تصنعه، لكنها أكدت أن هناك من يقرأ لغته، حيث شارك في معارض مشتركة كثيرة رسمت خريطة حركة مسيرته: “أربع خطوات” في دار الأزياء العراقية عام 2018، “سوالف” في وزارة الثقافة العراقية، “حكايات” عام 2018، ومعرض مع فناني السليمانية، ومعرض في عمان عام 2019، ومشاركة في مهرجان الفن الدولي للشباب بطوكيو عام 2020 في قاعة الحوار.

كما حضر مهرجان الواسطي، ومهرجان المركز الثقافي الفرنسي عام 2011، ومهرجان وزارة الشباب في تركيا عام 2009، ومهرجان الرسم في سوريا عام 2008، وسمبوزيوم للرسم والفنون الشعبية في إيران عام 2016.

أقام معرضه الثاني “كلاسيكو” ضمن مهرجان تركيب، والثالث في كليم آرتسبيس ببيروت.

وفي عام 2025 استضافه غاليري “الأورفلي للفنون” في العاصمة الأردنية عمّان، ضمن معرض مشترك تحت عنوان “تذكار”، قدمه مع الفنان وسام جزي، كأول مشاركة لهما كثنائي في عمّان بعد لبنان.

اليوم هو أستاذ في كلية الفنون الجميلة بمحافظة واسط، وعضو في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ونقابة الفنانين العراقيين، ورغم أنه يحمل مؤهلات أكاديمية واضحة، إلا أنه يرفض أن يُحبس داخلها.

فنان عراقي لا يرسم تاريخا ميتا، إنه يرسم تاريخا يتنفس، وإنسانا بلا ملامح حتى نرى أنفسنا فيه

يقول إن الفنان لا ينتمي إلا لنفسه، وإن الفكرة والتقنية عنده جناحان لا يطير العمل بأحدهما فقط. التجريد عنده ليس رفضاً للواقع، بل إعادة كتابة له. منذ بدايات القرن العشرين كان التجريد هربا من المحاكاة، لكن حيدر يعيده إلى أصله الروحي. يستلهم الفن الإسلامي في توظيفه للهندسة والحرف، لكنه لا يكتب ليُقرأ. الحرف عنده موسيقى بصرية. يطوعه ليضيء اللوحة بدفق حركي، ليمنحها استرسالا وإبهارا. المربع والمثلث والخط المنكسر والمنعطف كلها ليست زخرفة، هي تعاويذ بصرية. حين يتجول المتلقي في لوحة كبيرة الحجم، يجد مساحات باردة قريبة من الأبيض والأوكر متروكة عن قصد، كاستراحة للعين، حتى لا تختنق من كثافة الحار.

الحجم الكبير للوحات ليس استعراضا، هو دعوة للتجوال. يريدك أن تدخل، أن تضيع قليلاً، أن تعثر على طلسمك الخاص داخل الكتل المتداخلة. لا يخاف من أن تترك العمل وتعود إليه، لأن البناء العام متماسك بما يكفي ليحتمل الغياب والعودة.

في القاهرة قدم نفسه بهذه اللغة، لم يذهب ليعرض عراقيا بمعنى الفلكلور السياحي، بل ذهب ليعرض إنسانا رافدينيا يعيش أزمة العصر، إنسان البحث عن هوية المكان والزمان عنده لا يعني الحنين، بل يعني إعادة تعريف النظم المعرفية والشكلية بما يخدم الإنسان. يستلهم الحضارات العريقة، الإسلامية وغيرها، لا ليمجدها كمتحف، بل ليسألها: ماذا تقولين لنا الآن؟

يرى أن تاريخ العراق وفلكلوره ليس ملكا للعراقيين وحدهم، بل جزء من تاريخ الإنسانية. من حقه أن يفتخر به، ومن واجبه أن يترجمه، لا ينقل الأحداث التاريخية كما هي، بل يستخرج جمالياتها ويقدمها بنظرة حديثة. الشاخص السومري لا يعود تمثالاً، يعود سؤالاً.

السمكة العظمية لا تعود طعاما، تعود رمزا للنماء والذاكرة والبقايا، وأعماله ليست تعبيرا عن الذات فقط، هي انعكاس لضمير، ضمير فنان عاش في بغداد، ودرس فيها، وعلّم في واسط، ورأى كيف يمكن للحرف أن يتحول إلى طاقة خفية.

الطاقات التي يقصدها ليست غيبية، هي طاقة الإبداع الكامنة في العلامة، في الرقم، في الشكل الهندسي. هذه العناصر قادرة على تخطي المألوف، لأنها تخاطب ما قبل اللغة.

 القماش نص فكري يغلف الشخصيات بخطوط أفقية متعرجة
 القماش نص فكري يغلف الشخصيات بخطوط أفقية متعرجة

مشاركته في القاهرة جاءت تتويجا لمسيرة بدأت من الرسم الأكاديمي ووصلت إلى منظومة بصرية متكاملة، لم تعد اللوحة عنده إطارا تزيينيا، بل مساحة تفكير فلسفي. يعيد إنتاج الموروث الرافديني بلغة معاصرة تنبض بالرمز والسر، لكنها لا تغلق الباب. يترك للمتلقي أن يكمل.

من المتوقع أن يفتح هذا الحضور في مصر بابا أوسع لخروجه خارج البلاد. ليس لأن المعرض مهرجان كبير، بل لأن التجربة نفسها قابلة للسفر. هي لا تحتاج إلى مترجم، تحتاج إلى عين. عين تقرأ الخط كحركة، واللون كصوت، والفراغ كصمت.

ويمكن القول إن حيدر فاخر لا يرسم تاريخا ميتا، إنه يرسم تاريخا يتنفس، ويرسم إنسانا بلا ملامح حتى نرى أنفسنا فيه. يرسم ثوبا مكتوبا حتى نتذكر أننا نصوص تمشي، ويرسم عكازا مقلوبا حتى نفهم أن الطقس لا يزال قائما، حتى في زمن الكوكاكولا.

القاهرة رأت هذا كله، ورأت فنانا عراقيا لا يطلب التصفيق، بل يطلب التأمل. وهذا وحده يكفي ليكون للمشاركة معنى يتجاوز التاريخ إلى ما بعده.

9