حنظلة يصرخ ملء السماء: "لا تجعلوني عبرة مدى الزمن"

شخصية حنظلة ستظل أبدية ومرتبطة بالقضية الفلسطينية، مادام هناك احتلال واستبداد وظلم وتهجير وتقتيل.
الاثنين 2025/12/22
متى سيصرخ فينا حنظلة؟

أجل، ستحتفظ ذاكرة التاريخ بواحدة من أقوى أساليب الاحتجاجات وأشكال التمرد والعتاب واللوم، التي أطلقها حنظلة منذ عقود من الزمن في وجه العالم، الذي ظل عاجزا عن الاعتراف بدولة فلسطين حرة مستقلة، فكانت صرخة مدوية تعبيرا عن الخذلان واللامبالاة، وكانت إعلانا مكشوفا عن اليأس والقنوط الباعث على القرف، الأمر الذي دفع به إلى أن يولي ظهره للجميع، مع عقد يديه إلى الخلف.

كان ذلك تعبيرا منه عن سخطه وتذمره وخيبات أمله وعدم رضاه عما آل إليه الوضع العالمي والعربي من تهاون ومماطلة تجاه القضية الفلسطينية التي طال أمد إيجاد حل لها، ليبقى الاحتلال بأبشع مظاهره جاثما على الشعب الفلسطيني، مغتصبا الأرض والزرع، متماديا في طغيانه واستبداده، مستقويا في التدمير والتقتيل والتخريب، دون رادع أو مراعاة أو إذعان لقرارات المحافل الدولية، والمساعي التي سرعان ما تتبدد من أجل إطالة أمد الحرب والاستنزاف.

بمرور العقود والسنين، حنظلة الذي أبى ألا يكبر، سيظل ذاك الطفل ابن العاشرة من عمره أيقونة فلسطينية، وواحدا من أبرز الشخصيات التي تؤثث “ريبيرتوار” الرسام الكبير ناجي العلي، حيث تمخض إلهامه ليفرج عنه سنة 1969، أي عقب مرور سنتين على الحرب العربية – الإسرائيلية في العام 1967.

خرج حنظلة إلى الوجود كطفل لاجئ وقد أكمل عقده الأول، وهو مستوى السن الذي اضطر فيه ناجي العلي وأسرته إلى مغادرة منزلهم عام 1948، حيث نزح رفقة أسرته إلى جنوب لبنان، وعاش في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين.

بسخريته العارمة، كان ناجي العلي معتمدا في رسوماته الكاريكاتورية على شخصية حنظلة كتوقيع، يضفي على أعماله لمسة فنية لها وقعها ودلالاتها التاريخية، إذ شكلت منحى تصاعديا في التعبير عن أشكال ساخرة للاحتجاج، فأضحت بموجب ذلك شخصية حنظلة رمزا للهوية الفلسطينية، التي حاول العديد من الرسامين بعد رحيل ناجي العلي أن يحذوا حذوه، إلا أن حنظلة الأصيل يأبى التقليد، ليبقى متفردا ووفيا لصاحبه، رافضا أن يكون نسخة مكررة ومشوهة دون مشروعية تاريخية، ودون عمق هوياتي.

حنظلة الذي أبى ألا يكبر، سيظل ذاك الطفل ابن العاشرة من عمره أيقونة فلسطينية، وواحدا من أبرز الشخصيات التي تؤثث “ريبيرتوار” الرسام الكبير ناجي العلي

وعلى مدى السنين والعقود كانت شخصية حنظلة حاضرة في محافل معارض الرسوم والفن التشكيلي في معظم بلدان المعمورة، وتناقلتها الأجيال المتعاقبة، مجسدة إياها في بعض الأعمال الإبداعية والحركات التعبيرية الاحتجاجية، كأسلوب للرفض والتمرد وعدم الرضا، فضلا عن كونها شكلت أداة تجسير بين الأجيال في بعدها النضالي وصيرورة وتيرة لفت الانتباه، حين يتطلب الأمر توجيه صرخة احتجاج من أجل استرجاع الحقوق والمكتسبات.

ولعل ذاكرة التاريخ ومجرياته، منذ نهاية ستينات القرن الماضي، ستحتفظ بشخصية حنظلة لتجعلها حاضرة في الوجدان العربي، رغم أن بعض الانطباعات كانت تراهن على أن شخصية حنظلة ستختفي برحيل صاحبها: ناجي العلي، فكانت الإجابة المشروعة بقاء ذاك الطفل الذي رفض أن يكبر، ليكون شاهد عيان على ما يتوالى من  تطورات وهمجية وتقتيل وتهجير أمام أعين العالم، وليبقى موليا ظهره إلى الوجهة الأخرى، تاركا للذاكرة التاريخية دورها في توثيق ما يحصل وما يتكشف من عجز وتهاون.

وفي سياق ما يطرح من تساؤلات حول شخصية حنظلة الخالدة، يسائل البعض وتيرة الزمن بعمق فلسفي: من قتل من؟ هل ناجي العلي هو الذي قتل حنظلة بمجرد رحيله، إذ إن توظيفه كتوقيع لرسوماته لم يعد ممكنا، أم أن حنظلة هو الذي قتل ناجي العلي؟ باعتباره قد جر عليه الكثير من الغضب من قبل جهات لم ترق لها الرسومات الساخرة، التي كانت شخصية حنظلة تشكل المحور الأساس لبصمتها التاريخية والوجدانية، لتبقى ذاكرة التاريخ كما أسلفت وحدها من تمتلك مفاتيح الحقيقة، لتكشف للعلن أن شخصية حنظلة ستظل أبدية ومرتبطة بالقضية الفلسطينية، مادام هناك احتلال واستبداد وظلم وتهجير وتقتيل.

ومنذ سنة 1969 التي شكلت المولد والمنشأ لشخصية حنظلة، لم يتوان في توجيه الاحتجاج والعتاب واللوم للعالم، موليا ظهره عاقدا يديه إلى الخلف، شاهدا من بعيد على كل التفاصيل المرتبطة بتطورات القضية الفلسطينية، فرغم هذا الصمود البطولي والتحدي الصارخ لحنظلة المتجسد في قوة الشعب الفلسطيني، فقد يتبدى للمتتبع أن حنظلة في نهاية المطاف سيلتفت إلى العالم بوجه فلسطيني حر مكشوف، ويفك وثاق يديه المعقودتين إلى الخلف منذ ولادته سنة 1969، وسيعلنها صرخة مدوية، ليصيح ملء السماء: “لا تجعلوني عبرة مدى الزمن”.

9