حسن بن عثمان لـ"العرب": أشعر بأنّني مختار

الكاتب التونسي يروي حكايته المثيرة مع "العشرية السوداء" في تونس.
الأربعاء 2026/04/29
أكتبُ لأتشافى من أجل البقاء وكرامة العيش

سواء في حضوره على الشاشة أو في ما يكتب أو في حواراته الصحفية لا يتوقف الكاتب التونسي حسن بن عثمان عن سخريته الواعية اللاذعة التي تحرّك الراكد من الأفكار والتصورات وما تكلّس من رؤى. في هذا الحوار مع "العرب" بمناسبة صدور كتابه "حكايتي مع العشريّة السّوداء"، يفتح الأديب التونسي أبواب تجربته الكتابية والإنسانية، مستعيدًا زمن "العشرية السوداء" بوصفه لحظة كثيفة في الذاكرة الوطنية. بين السخرية والجرأة، يتأمل علاقة الهامش بالمركز، وحدود الحرية، ودور الكتابة في مساءلة الواقع وتفكيك سردياته، ضمن رؤية تجمع بين الأدبي والسياسي.

حسن بن عثمان أديب تونسيّ (من مواليد 12 فبراير 1959)، يكتب من تخوم الواقع الملتهب، حيث تتجاور السّيرة مع التّاريخ، وتتماهى الذّات مع الجماعة في سرد لا يعترف بالحدود الصّارمة بين الأجناس الأدبيّة. لغته فصيحة مشبعة بروح الدّارجة، ونبرته ساخرة لاذعة، تتغذّى من مفارقات الحياة اليوميّة ومن احتكاك مباشر بالسّلطة، بحكم مساره في الصّحافة والمؤسّسات الثقافيّة والإعلاميّة.

في كتابه الجديد “حكايتي مع العشريّة السّوداء”، يقدّمُ نصًّا هجينًا، أقرب إلى “حكاية” ذاتيّة – جماعيّة، يستعيدُ فيها زمنا تونسيّا كثيفا، لا بوصفه ماضيا منغلقا، بل باعتباره جرحا حيّا ومختبرا للمعنى، حيثُ يتحوّل الهامش إلى مرآة كاشفة للمركز، ويغدو الواقع نفسه مادّة تتفوّق على الخيال.

الذّاكرة مسكن الخيال، وبن عثمان حاول في حكايته، كما يقول، أن يرتب أثاث المسكن ومن يسكن فيه

في هذا الحوار مع “العرب”، يكشفُ حسن بن عثمان عن كتابة مأخوذة بسحر “المركز” بقدر ما تفضحه؛ فهو لا يعلن حربا عليه، بل يتسلّل إليه، يكتب بلغته، ويحوّله إلى مسرح للأوهام الجماعيّة والاحتفالات الوطنيّة الملتبسة.

الكتابة والخيال

العرب: في كتابك الصّادر عند منشورات نحن لصاحبتها زينب بن عثمان، تحت عنوان “حكايتي مع العشريّة السّوداء”، تؤكّد أنّ “الهامش يفضح المركز”. هل تكتب من أجل إزاحة المركز أم من أجل تصدّعه من الداخل؟

حسن بن عثمان: أنا أكتب بالعربية الفصحى بقدر استطاعتي للنحو والصرف والرسم في اللغة العربية الفصحى… وأنا شهوتي هي المركز وأحاول الكتابة بلغة المركز، وأحاول دائما أن يكون المركز مركزا للأحلام والأوهام وما يحدث في الواقع. أنا مع المركز إذا جمع المركز المجرمين في حفلة وطنية وتلك الصور في تلك المناسبات. فالمركز هو الآخر مناسبة من المناسبات التي نسعى لأن تتمركز مثلا.

العرب: يبدو “الأنا” لديك شاهداً وفاعلاً وناجياً في آن. هل نحن أمام سيرة ذاتيّة أم أمام تمثيل للذّات داخل التّاريخ، مع العلم أنّك تحدّد جنس نصّك وتقرّ بأنّه “رواية”؟

حسن بن عثمان: لم أحدّد جنس مولودي، حدّدته البلديّة أو دار النّشر، لأسباب رسميّة تجاريّة سلطويّة تتجاوزني. كتابي سمّيته حكاية، وأضفتُ إليه ياء التّعريف، أمّا دار النّشر فلها حسابات مع لجان القراءة في وزارة الثّقافة وفاتورة النّشر. وتلك مسائل ليست من مشاغلي في الحقيقة. أمّا مسألة النجاة، فهي من اهتماماتي المباشرة، وكما تعرف، يا صاحبي، فإنّ صاحبنا المشترك الشّاعر أولاد أحمد، يقول في شعره: “أنّ من ينجو مصابْ”؛ فنحن إذن من النّاجين المصابين بحبّ البلاد، بما يليق بالشّهداء الأموات والأحياء. في بلاد ترابها سخون ويحرسها الأولياء والصّالحون.

الهامش يتحوّل إلى مرآة كاشفة للمركز، والواقع يغدو مادّة تتفوّق على الخيال
الهامش يتحوّل إلى مرآة كاشفة للمركز، والواقع يغدو مادّة تتفوّق على الخيال

العرب: بين الأنا والشّعب، هناك تذبذب يكاد يكون دوّارا. من الّذي يتكلّمُ فعلا في نصّك؟

حسن بن عثمان: من يتكلّمُ في نصّي هو المكتوب على الجبين، الّذي لازم تشوفه العين. وأنا، كما تعرف، يا صاحبي الشّاعر، أشتغلُ في مجال العيون.

العرب: تقول أنّك تكتب “حكاية بلا خيال”. أليست الذّاكرة في حدّ ذاتها شكلا من أشكال التّخييـل المنظَّم؟

حسن بن عثمان: نعم، صحيح، الذّاكرة هي مسكن الخيال، وأنا في هذه الحكاية حاولتُ أن أقوم بعمليّة ترتيب لأثاث المسكن ومن يسكن فيه، ولم أختلق شخصيّات كما العادة في الكتابة الأدبيّة التّخييليّة. الخيال حاضر وهو مسكون بالأطياف الّتي أتذكّرها وليس مأهولا بشخصيّات افتراضيّة أنحتها من الخيال. ومع ذلك فإنّها تبدو كأنّها من خيال الواقع وليست من خيالي. وفي أغلب الأحيان فإنّ الواقع يفوق الخيال، فالواقعُ يحدث فيه الإبداع، في زمن العواصف، أما في الخيال فنادرا ما يحدث الإبداع، إلاّ لمن أتى الإبداع بقلب سليم، وكان في ملتقى العواصف.

◄ السّخرية بالنّسبة إلى حسن بن عثمان أسلوب عيش وأسلوب كتابة تعلمها، كما يقول، من المفارقات والمشاقّات

العشرية السوداء

 العرب: نصّك يرفض السّرديّة الكبرى الرّسميّة للثّورة. هل هو موقف أدبيّ أم فعل سياسيّ؟

حسن بن عثمان: ليس هناك سرديّة كبرى رسميّة للثّورة التّونسيّة، وليس هناك سرديّة صغرى، هناك أمزجة تدور حول حكاية الثّورة التّونسية الفريدة من نوعها في الثّورات. الثّورة التّونسيّة لم تنجب سرديّتها بعدُ ولا حكايتها، وما كُتِبَ حول الثّورة كلّه يدخلُ في باب الصّراع السّياسي حول الأحداث وأحقيّة وراثة السّلطة والحكم، أمّا الحكاية الكبرى فقد حاولتُ أن أرسم خطوطها الطّويلة والعريضة في حكايتي مع العشريّة السّوداء، وخصوصا أن أُلاحق طيفها الرّوحي الّذي طاف بنا، من الهامش إلى المركز إلى الهامش، فأنا كنتُ في المعمعة وأعرفُ الحكاية عن قرب وعن كثب، ولقد خرجتُ من المعمعة الثّورية بالحكاية الّتي نحنُ بصددها، وتلك مسألة خارقة للعادة بالنّسبة إلي على الأقلّ، ومقترح جدّي لتدوين الحكاية التّونسية في بداية ثورتها المتواصلة لتبلغ الكرامة البشريّة في الحكايات والثّورات.

 العرب: تبدو العشريّة السّوداء أقلّ فترة زمنيّة وأكثر جرحاً ممتدّا. هل تكتب من أجل الشّفاء أم من أجل إبقاء الجرح مفتوحاً؟

حسن بن عثمان: أكتبُ لأتشافى من أجل البقاء وكرامة العيش، والعشريّة السوداء كانت تحدث فيها أمور مثيرة للأحاسيس وللأفكار وللخيال وللفوضى، وأنا كنت من أبناء اللّيل وأعيشُ في سواده ولياليه البيضاء والحمراء والبنفسجيّة على مقربة من العشريّة السّوداء، كانت عشريّة سوداء رائعة لم تؤدّ بنا إلى الجنون الجماعي المشترك، كانت عشريّة خطيرة جدّا ولها اندفاعات انتحاريّة وكانت فوضاها تخلقنا من جديد.

حسن بن عثمان: أنا، لعلمك، مغرم بالعشريّة السوداء غراما شديدا ولذلك كتبتُ عنها حكايتي… وأعتبرُ أن سوادها مجرّد ظلام عابر كان ضروريّا وحتميّا من أجل أن تستعيد البلاد الرّؤية والبصر والبصيرة، لما حدث لها في الماضي والحاضر وما تتوقّعه للمستقبل.

علاقة المثقف بالسلطة

العرب: مسارك في الصّحافة والمؤسّسات الثّقافيّة والإعلاميّة يكشفُ عن قرب نقدي من السّلطة. هل يمكن الكتابة بحريّة من داخلها؟

حسن بن عثمان: الحرية لا وجود لها إلاّ مع القيود ومنازلة السّلطة في عقر دارها، حين نعرفُ دارها ودوّارها، والأحرار هم من يتعرّفون على القيود ويتمرّسون على فكّها، من أجل توسيع القيود والحدود، والسّلطة هي قيود وعهود والتزامات وإكراهات، والكتابة الّتي تطمحُ لأن تكون سلطة هي وحدها من يعرف حدود السّلطة، ووحدها الكتابةُ من يوسّعُ في تلك الحدود أو من يضيّقها، فالكتابة هي عقل يعقل الأشياء ويضع لها العقال مرّة ومرّة يفكّ عنها العقال والقيود.

العرب: سخريتك من الخطاب الرّسمي لاذعة. هل الفكاهة لديك وسيلة بقاء أم أداة مقاومة؟

حسن بن عثمان: السّخرية بالنّسبة إلي هي أسلوب عيش وهي أسلوب كتابة، لم أولد ساخرا بل تعلّمتُ السّخرية من المفارقات والمشاقّات والعبوس الّذي لا محلّ له من الإعراب، وبما أنّ حياتنا البشريّة كلّها مفارقات ومشقّات، فإنّ السّخرية تليقُ بالحياة وبالخطاب الرّسمي والخطاب الثّوري والخطاب الفوضويّ وكلّ أنواع الخطابة والخُطّاب على الباب. أمّا السّخرية حين تُصبحُ فكاهة فذلك معناه أنّ السّخرية صارت ناضجة ويمكن تذوّقها مثل الفواكه، تذوقها دون الإكثار منها حتّى لا تُسَبِّبَ الإسهال.

حكاية خارج التجنيس
حكاية خارج التجنيس

العرب: تصف عالما قد تصبح فيه الثّقافة شريكة للسّلطة. هل يمكن للكاتب أن يبقى بريئا؟

حسن بن عثمان: الكاتب بريء حتى تثبت إدانته. أمّا شراكة الثّقافة للسّلطة فتلك مسألة من خيال المثقّفين. السّلطة لا تحبّ من يشاركها في فراش السّلطة، وتحبّ الثّقافة والرّهافة في التّعامل مع السّلطة والنّظام القائم الحاكم. أمّا الشّراكة فتحدثُ في الشّركات الأهليّة أو غير الأهليّة، إذا التزم المتشاركون في الوفاء بالعقود والعهود، مثلا.

الكلمة إلهيّة المنشأ

العرب: رحل الشاعران أولاد أحمد ومحمّد الغزّي والروائي حسونة المصباحي. تبدو السّاحة الأدبيّة التّونسيّة في أتعس حالاتها اليوم. ما رأيك؟

حسن بن عثمان: إلى أين رحلوا؟ لم يرحلوا ولن يرحلوا… هم دائما معنا… أمّا السّائحة الأدبيّة التّونسيّة فهي دائما تشعرُ بالتّعاسة لأنّها دائما تتحسّرُ على من رحلوا وعلى الماضي… ثمّ، أنا أشعرُ بأنّ أولاد أحمد ومحمد الغزّي وحسونة المصباحي والطاهر الهمّامي وأحمد حاذق العرف والهاشمي غشّام… كأنّهم معي وأنا أتحاور معك عزيزي الشّاعر أيمن حسن. ولعلمك فقد شاورتهم قبل إجابتك عن سؤالك، وجميعهم بلّغوني أن أنقل إليك سلامهم.

العرب: لو خُيّرتَ البدء من جديد، ما الخيارات الّتي ستتّخذها؟ لو خُيّرتَ بين تجسيد نفسك أو إعادة تجسيدها في كلمة، أو شجرة، أو حيوان، فأيّ منها ستكون في كلّ مرّة؟ وأخيرًا، لو تُرجم نصّ أو كتاب واحد فقط من نصوصك إلى لغات أخرى، إلى الفرنسيّة مثلًا، فأيُّها ستختار ولماذا؟

حسن بن عثمان: ثقافتنا الشّعبية والإيمانيّة تتمحور حول أنّ “الخِيرَةَ فيما اختاره الله”، ولذلك فأنا أشعرُ بأنّني مختار مثل شعب الله المختار، وأقوم بمهمّة مختارة تليق بالتاريخ والجغرافيا، في لغة أحاول إتقانها، ولا أرغبُ في هذا الهزيع الأخير من العمر إلاّ في حسن الختام، أما الكلمة فهي إلهيّة المنشأ، والله هو الكلمة حسب السيّد المسيح عليه الصّلاة والسلام، ونحن كلّنا كلمات ونقاط وحروف وفواصل، منها الصّالح ومن الطالح، ويعلّمنا الدّين الإسلامي ألّا نزكّي أنفسنا، لأنّ النّفس أمّارة بالسّوء، وأنا أحبّ الإنسان وأحبّ الحيوان، ولا أفاضلُ بين خلق الله تعالى، أما التّرجمات للّغات فقد حدث لي ذلك مع اللّغة الفرنسيّة، وتلك حادثة تستحقّ بذاتها كتابة رواية أو حكاية في كتاب.

شراكة الثّقافة للسّلطة مسألة من خيال المثقّفين
شراكة الثّقافة للسّلطة مسألة من خيال المثقّفين

8