حديث المرافئ: حين يرسو أدب خليفة الفاخري في تشكيلات إيهاب الفارسي
لا تبدو المرافئ في تجربة الفنان الليبي إيهاب الفارسي مجرد حيز جغرافي أو أعيان ساكنة، بل هي كائنات حية تمتلك ذاكرة وأنفاسا؛ رواة بلغاء يتقنون سرد الحكايات عبر ندوب الخشب، وتآكل المعدن، واهتراء الأبنية البيضاء المعانقة لشطآن المتوسط منذ مئات السنين.
في معرضه “مرافئ الريح” المقام هذا الأسبوع في بيت نويجي بطرابلس عبر منظمة المرسم لتعزيز الثقافة والفنون، لم نكن بصدد تأمل لوحات فحسب، بل كنا في حضرة استنطاق بصري لرواية الخشب وصدأ الزمن وقصصه المتعددة.
لقد تحولت المادة الصماء بين يدي الفارسي إلى لغة بصرية تفيض بالبهجة، وترتقي بالذائقة المجتمعية عبر مقترحات جمالية نضرة؛ حيث اختياراته في التكوينات والزوايا، واستحضاره للألوان في تجاور بصري يخترق الوجدان بنعومة ورقة كالنسمات الباردة في وقت الهجير، تضفي متعة روحية قبل أن تكون بصرية، وتصحح الكثير من تصوراتنا عن الكائن البشري ومدى قدرته على الإبداع والعطاء.
خاض إيهاب الفارسي في مراحل سابقة تجربة “الرؤية المجهرية”، حيث كان يغوص برؤيته قبل فرشاته في أدق تفاصيل الأنسجة، والجدران المتهالكة، بل وحتى أنسجة الجسم وخلاياه. كانت تلك الفضاءات السرمدية الممتدة بين الأرض والسماء، والبرك الزرقاء وسيولة الألوان، بمثابة البدايات لنشأة الأمكنة التي تقبع في دواخلنا قبل أن نُسقطها على الأسطح.
بينما كان الفاخري يحلم بأن يتحرر من ركام الخِرَب، يبدي الفارسي عنادا في تمسكه بالانتماء إلى المدرسة التجريدية
كل هذا منح الفنان قدرة فائقة على التحسس البصري للملامس. واليوم، نراه يتخذ خطوة إلى الوراء في المشاهدة لكنها في حقيقتها خطوة إلى الأمام في تحقيق الرؤية الثاقبة؛ حيث يؤثث فضاءاته التجريدية بأشيائه المرسومة من الذاكرة. هنا تتكشف الأشكال الكلية؛ قوارب راسية في مرافئ بنغازي القديمة، تنبض بحياة خفية رغم خروج الكثير منها عن الخدمة.
ففي هذه المرافئ تصبح الرطوبة والشمس والملوحة هي أدوات النحت الحقيقية لمفرداته. لم تعد عوامل التعرية هنا قوة هدم، بل هي شريك إبداعي في البناء؛ يصقل ويقشر ويلون، بينما يضيف تلاطم الأمواج للقطع الطافية ألواناً رمادية باهتة بفعل الملوحة متلألئة من البلل، فتتحور الأشكال إلى هيئات جديدة لم نعهدها، رغم ألفتها المحببة. يتجول بكل خفة في مناطق التعبيرية التجريدية للفنان الأميركي – الأرمني غوركي وملامح سريالية على استحياء لتضاريس فن الخامة عند الفنان الإسباني أنطونيو تابيس.
ثمة لقاء سيميائي مذهل يحدث في هذا العمل بين جيلين من رحم مدينة بنغازي؛ جيل الأديب الراحل خليفة الفاخري وجيل إيهاب الفارسي. تلك الوشيحة التي تربط قصة الفاخري الشهيرة “يبيع الريح للمراكب” بمعرض الفارسي “مرافئ الريح”، هي ثيمة الانعتاق من القوالب الجاهزة.
فبينما كان الفاخري يحلم بأن يكون طائرا ليتحرر من ركام الخِرَب، يبدي الفارسي عنادا فنيا في تمسكه بالانتماء إلى المدرسة التجريدية، مبتعدا عن التراث المكرر الذي يستجدي البيع. كلاهما يصنع كيانا مستقلا يثري الذاكرة الجمعية للمدينة المتصالحة مع البحر منذ آلاف السنين.
إن انتقال الفنان من الواقعية التشريحية إلى التجريد يمثل نوعا من الغربة الفنية المبهجة بالتخلي عن الاتقان في التمثيل الواقعي للأشياء والعمل المتأني في اللوحة إلى الارتجال والتلقائية في الطرح عبر شاعرية اللون وملامس الأسطح المنبعثة من السلوك البشري الرفيع. إنها الغربة التي وصفها الفاخري بقوله “وكان ذلك بداية غربة من نوع آخر!”. هنا، تصبح القوارب والعربات وعمال البحر كائنات مأنسنة، ممتلئة بمشاعر الحنين والاغتراب والألفة. توحي ضربات الفرشاة السريعة بحالة من الصخب والعنف في المحيط، رغم السكون الكامن في أعماقها، وكأنها قطع منفلتة من صناديق ذكريات المدينة.
في هذه المرحلة يترك إيهاب شراعه يشرب الريح ليبدأ رحلة طويلة أخرى نحو آفاق جديدة، وكأنه يجسد كلمات الفاخري الأخيرة: “تركت شراعي يشرب الريح ذات ليلة، بدأت رحلة طويلة أخرى إلى أقصى الآفاق، حاملا معي رائحة الصنوبر العتيقة، وجرابا من الذكريات”.
في “مرافئ الريح” يشرّع إيهاب الفارسي نوافذنا على فضاءات ليست للرسو، بل للتأمل. لقد علمنا أن الصدأ ذاكرة، والملوحة نص مكتوب بصبر ومكابدة. لم يرسم الفارسي قوارب فحسب، بل رسم “إصرارنا” وعنادنا بأن نكون طيورا محلقة في سماوات بلا أسقف، متمسكين بأشرعة أحلامنا القديمة، حتى وإن قيل لنا بلسان الفاخري: إننا “نبيع الريح للمراكب الغارقة”.
في لوحات مثل قوارب وانعكاس أسطح الماء وقوارب ملونة، يقترب الفنان من “تفسخ الخشب” لدرجة يغيب معها شكل القارب التقليدي كومة من الألوان الزرقاء والحمراء والصفراء منعكسة بشكل مختلط في سطح مياه ساكنة أكثر قتامة، ولا تتبقى إلا لوحة تجريدية. هنا، الصدأ ليس تشوها، بل هو طبقات من الزمن يفككها الفنان ليعيد تركيبها تعبيرياً بصورة تستدعي صدى عميقا في دواخلنا.
تصبح الرطوبة والشمس والملوحة والجرأة والعنفوان لضربات الفرشاة والثقة والشجاعة في اختيار وتقديم الألوان وتكويناته ومحسناته التشكيلية الأخرى هي المفردات التي تشكل جملة الحديث في لوحاته.
يذكر أن إيهاب الفارسي من مواليد بنغازي عام 1979، حاصل على ليسانس آداب تخطيط تربوي وإدارة تعليمية، وماجستير إدارة تعليمية في الأكاديمية الليبية بنغازي، وليسانس لغة فرنسية جامعة بنغازي. التحق بالمرسم الحر بجامعة بنغازي تحت إشراف الأستاذ الفنان محمد نجيب، وكان أول معرض شخصي له عام 2004 في قاعة المكتبة المركزية، وله مشاركات دولية في تونس وتحديدا في مهرجان إيلاف المتوسط الذي أقيم بمدينة سوسة عام 2015، ومشاركة في مصر عام 2017 في مهرجان سفراء الفن العربي الذي انعقد في مدينة طابا. وله معارض فردية عديدة منها معرض بعنوان “زرقة النسمات” أقيم في القصر التركي (القشلة) عام 2019، ومعرض “مرافئ الريح” في بنغازي عام 2025 و”مرافئ الريح” المنعقد حاليا في بيت نويجي بطرابلس.