ثماني عشرة فنانة صنعن مجد المرأة التونسية
ليس فاخر الرّويسي من أولئك الذين يكتبون لأنّ الكتابة مهنة، ولا من أولئك الذين يبحثون لأنّ البحث وظيفة. هو، قبل كلّ شيء، باحث حرّ، أخذ على عاتقه أن يذهب إلى حيث لا يذهب المؤرّخ عادة، وأن يفتّش في الأرشيف والصحافة القديمة والشهادات والوثائق عن وجوه وأصوات وحكايات تكاد تضيع من الذاكرة التونسية. وقد اختار في كتبه السابقة شخصيات وموضوعات متفرّدة من التاريخ السياسي والاجتماعي والفني التونسي، فكان هاجسه الدائم واحد: أن يعيد إلى الذاكرة ما أسقطه منها النسيان. وهذا ما نكشفه أكثر في حواره مع "العرب".
فاخر الرّويسي من مواليد جيل الاستقلال والحرّية. نشأ في عائلة ارتبط اسمها بالكفاح الوطني، ودرس بالمعهد الصادقي، ثم واصل دراسته في باريس في مجال الإشهار والنشر والعلاقات العامة. لكنّ مساره لم ينته إلى عالم الإعلان، بل قاده دافع من شغف خاص بتونس وذاكرتها، إلى الكتابة والبحث في تاريخ المجتمع التونسي الحديث، بعيدا عن الأطر الأكاديمية التقليدية.
في كتابه الجديد "نجمات تونس في الطّرب والمسرح والسّينما 1900-1956"، يعود فاخر الرّويسي إلى ستة عقود من تاريخ تونس، لا ليؤرّخ للفنّ وحده، وإنّما ليعيد اكتشاف تونس من خلال نسائها اللواتي غنّين ومثّلن ورقصن وظهرن على الشاشة، وتحدّين، كلّ واحدة بطريقتها، ما كان يحيط بالمرأة من قيود اجتماعية وثقافية. والكتاب، الذي يوثّق سيرة ثماني عشرة فنانة، يستند إلى بحث أرشيفي واسع شمل الصحف القديمة والكتب والشهادات والأرشيف الوطني ومركز الموسيقى العربية والمتوسطية "النجمة الزهراء" وغيرها من المصادر.
ولعلّ أجمل ما في هذا الكتاب أنّه لا ينظر إلى تلك الفنانات بوصفهنّ أسماء من الماضي، بل بوصفهنّ نساء صنعن شيئا من تونس التي نعرفها اليوم. فبين المسرح والطرب والسينما، وبين الوثيقة والذاكرة، تظهر حكاية أخرى لتونس: حكاية المرأة وهي تدخل الفضاء العام، وحكاية الفن وهو يتحوّل من فرجة إلى ذاكرة، وحكاية مجتمع يتغيّر وهو لا يزال يصارع أثقال العادات والنظرات والأحكام المسبقة.
نجمات غيّرن التاريخ
ولأنّ الكتابة عن النجمات هي، في جانب منها، كتابة عن صاحبها نفسه، كان لا بدّ أن نسأل فاخر الرّويسي عن الرحلة التي قادته إليهنّ، وعن الذي وجده بين الأوراق القديمة، وعن الذي بقي منه بعد أن أغلق الكتاب.
تسأله "العرب" بداية كيف ولدت فكرة هذا الكتاب؟ وما الّذي دفعه إلى العودة إلى تونس الفنّية بين 1900 و1956، والبحث في ذاكرة نجماتها؟ ليجيبنا "يندرج هذا الكتاب ضمن مشروع أعمّ يستهدف التعريف برموز وشخوص الفن التونسي خلال القرن العشرين ممن ساهموا في تأسيس وتعزيز الهوية الثقافية التونسية والمحافظة عليها، وهو حلقة من سلسلة من الدراسات التي نشرتها وسعيت من خلالها إلى إزالة الغبار عن سيرة ومسيرة عدد من الرواد ممن أثروا المدوّنة الفنّية التونسية من جانب؛ ومن جانب آخر تتقاطع هذه الدراسة مع مؤلّفاتي السّابقة: ‘العميد فتحي زهير‘ (2016)، و‘فتحية خيري فن وشجن‘ (2018) و‘مشاهير المطربين التونسيين اليهود‘ (2022)".
كما يتقاطع كتابه الجديد مع العديد من الدراسات التي نشرتها له الجرائد والمجلات المختلفة وكذلك تدخلاته المختلفة في الندوات العلمية التي عُقدت في مناسبات متعددة ومن بينها: "الشعر التونسي من أواخر القرن 19 إلى اليوم- لمحة عن المسيرة المتنوّعة للفنّان التونسي محسن الرايس"، "أعلام من جزيرة الأحلام وبدايات المسرح"، "ناريمان المطربة السّاحرة"، "بلحسن العبدلّي شاعر الأغنية التونسية"، "بين الهادي الجويني وصليحة، من الأغنية الحضرية إلى الأغنية البدوية"، "توفيق العبدلّي رائد مسرحي مات كمدا"، "جدليّة العلاقة بين مدينة تونس والجهات في الموسيقى بين الأمس واليوم"، "المرأة التونسية في المسرح والغناء في النّصف الأوّل من القرن العشرين مقاربة بروسبوغرافية"، "منصور المجدوب الزّيتوني الفنّان"، "الوجه النّسائي للجمعية الرّشيدية: شافية رشدي"، أعلام من جزيرة الأحلام وبدايات المسرح التونسي"، وغيرها من المقالات والمداخلات والدراسات.
"نجمات تونس في الطرب والمسرح والسّنيما 1900-1956" يحتوي على 427 صفحة، تولّى تقديمه رائد الحركة التجريبية وحركة الطّليعة الأدبيّة، كبير الكتاب المسرحييّن العرب الأستاذ عزّالدّين المدني. وطبع بمطابع الشركة التونسية لفنون الطبع.
يتابع الرويسي "لقد سعيت من خلال هذه الإسهامات وإصداري الأخير إلى التذكير بتراثنا وموروثنا الثقافي وإنصاف تونسيات نذرن حياتهنّ للفنون، وإبراز مدى شغفهن وتعلّقهن بالثقافة بكلّ أشكالها ومظاهرها وتعبيراتها ومعانيها، محاولا الكشف عن تضحياتهن وعذاباتهن، سابحا ضد تيّار التهميش والتناسي. وكذلك هيمنة السّرد الذكوري على التوثيق في الموسيقى والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والحرف والصّناعات التقليدية وغيرها من الفنون الإبداعية والجمالية."
لكل فنانة دورها البارز
ويواصل في حديثه لـ"العرب": "رغم محاولة عدد من الباحثين والصّحفيين وبعض المؤسسات والجمعيات النسويّة المهتمّة بالشأن الثقافي، التعريف بدور عدد من الرُوّاد في مجالات مختلفة، ومن الجدير بالملاحظة أنّي عثرت على مخطوط لعلي الجندوبي عنوانه ‘نبذة عن حياة المطربات بتونس‘ محفوظ بأرشيف المعهد الرّشيدي، فقمت بتحقيقه وأضفته ملحقا بكتابي هذا. وفي ذلك محاولة منيّ لتلافي التغييب والتهميش المتعمد في كثير من الأحيان لعدد كبير من الرّائدات من فنّاناتنا طوال عقود في السّردية التاريخية والفنية الرّسمية."
بين الوثيقة والحكاية، وبين ما حفظته الصحافة وما أهمله النسيان، نسأل الرويسي ماذا اكتشف أثناء هذا البحث الطويل؟ وهل هناك نجمة من نجمات تونس غيّرت صورتها في ذهنه بعد أن اقترب من سيرتها؟
يقول الباحث "ما شدّني وجلب اهتمامي واحترامي لهؤلاء النّسوة هو رمزيّتهن الوطنية الثقافية الحداثية، وما يمثلنه بصفتهن رافدا من روافد بناء ونحت الشخصية النسائية التونسية في بدايات القرن العشرين. تلك النسوة اللاتي حفّزن المرأة على اقتحام عدّة مجالات فنية وهيّأنها لكسر القيود والتحرّر والانعتاق."
ويضيف "تُعبر سيرة ومسيرة 18 رائدة وأيقونة تونسية مدى انبهارهنّ بمثيلاتهنّ الغربيات والمشرقيات، ومدى تفاعلهنّ مع الفنون الواردة والقادمة من ضفّتي البحر الأبيض المتوسّط، والدّور البارز الذي لعبته كل شخصية نسوية في المجتمع التونسي وأهمية المواقع الرّيادية التي احتلتها بوصفها واجهة أمامية في حياتنا الثقافية، في مرحلة مفصلية من تاريخ بلادنا، أي من نهاية القرن 19 وإطلالة القرن العشرين إلى سنوات الاستقلال الأولى. وهي مرحلة في اعتقادي حسّاسة ساهمت فيها الشخصيات والمنظمات والجمعيات ورموز الحركة الوطنية في بلورة الشخصية التونسية وفي ترسيخ عقلية ومنظومة فكرية حداثية جديدة شاملة، حمّالة لهويتنا وذاتيتنا المتفتحة على الحضارات متخذة من الثقافة قاطرة. ومن الفنون بكل تجلياتها وتفرعاتها واجهة ومنطلقا لمقاومة الذلّ والهوان والفقر والجهد والركود."
◄ الكتاب لا ينظر إلى أولائك الفنانات بوصفهنّ أسماء من الماضي، بل بوصفهنّ نساء صنعن شيئا من تونس التي نعرفها اليوم
يتابع "في الحقيقة، لا أخفي سرّا حين أُؤكّد أنّني انبهرتُ... كلّما غصتُ في ثنايا ومنعطفات وأسرار حياتهن ومسيراتهن الشخصية من خلال الوثائق والمصادر النادرة والأطوار التي مررن بها والمطبّات الاجتماعية التي اعترضتهن. ذهلتُ، نعم، ذهلتُ باكتشاف مدى معاناتهن وصبرهن على الضّيم وإصرارهنّ على تحدّي الرّكود والتحجّر والجهل."
التاريخ هو التاريخ
الإهداء مغري وجميل في نفس الوقت: "إلى كلّ تونسيّة زرعت الأمل وآمنت بأنّ الفنّ رسالة حبّ وحريّة... إلى رائدات تونس اللّاتي عبّدن دروب الفنون بإرادة وجرأة وعزيمة... إلى نجمات أضأن ليالينا... ووشّمن ذاكرة تونس..." تسأل "ألعرب" فاخر الرويسي هل كان يكتب تاريخ الطرب والمسرح والسّينما في تونس، أم كان يكتب، من خلال هؤلاء النساء، تاريخا آخر لتونس: تاريخ المرأة والحرّية والحداثة وتحوّلات المجتمع؟
يقول "نعم إهدائي وجّهته إلى كلّ تونسية تعمل على المحافظة على المكاسب، تؤمن بالحرية والمساواة وتتطلّع إلى مواصلة النضال لتحقيق الحرية والمساواة. إنّ التاريخ هو التاريخ، ولا يمكن لأحد أن يغيّره. كلّ ما في الأمر أنّ كلّا منّا ينظر إليه من زاويته وما يتوفّر لديه من معلومات رسمية متداولة. هناك الشجرة التي تحجب الغاب. وهناك أبواب إن تركناها موصدة ومغلقة، فهي تحجب كل ما هو وراءها."
ويتابع "من ناحيتي، ومن موقعي بصفتي باحثا حرّا، لا أتقيّد بقوالب جامعية جاهزة. لذلك فإنّي حرّ. أجتهد لاكتشاف المخفي والولوج إلى ما حجبته الشجرة. إلى المغمور المنسي وأحاول أن أنظر من ثقوب الأبواب لأكتشف المستور والمغيّب والأشياء البسيطة والجزئيات التي تصنع الشخصية، والحدث، والتاريخ مجموعة أحداث مترابطة الأركان، له جدليته، ونظامه المترابط المتكامل. لا يمكن تجزئته أو فصل أحداثه".
بعد أن عاش طويلا مع هؤلاء النجمات، نسأله أيّ صوت أو وجه أو حكاية بقيت معه أكثر من غيرها؟ وهل هناك شخصية كانت يتمنّى لو امتلك عنها من الوثائق ما يكفي ليكتب عنها كتابا كاملا؟ يعلّق الرويسي "لقد اخترت شخصيات وهبها الله مقومات التألق والنجاح وهيّأهن لخوض مغامرة التصدي للرّداءة والتخلف والتردّي والعقليات المتحجّرة. ومنحهن ملكة الخلق والإبداع، والإصلاح، فأثبتن طيلة مشوارهن براعتهن وإصرارهن لفرض الذات وتحقيق نجاحات وشهرة تليق بهن. لذلك اخترتهن عناوين لنجاحات كبرى حققنها."
ويضيف "عائشة بنت شُكّ العُصبان، والأمّ بية، ومحرزية حَب المْلُوكْ، وبهيجة، ورشيدة لطف، ونسرية فراز، وحبيبة مسيكة، وهايدي شمامة، وفضيلة خيتمي، وفليفلة الشامية، ووسيلة صبري، وشافية رشدي، وفتحية خيري، ووداد، وحسيبة رشدي، والزّهرة فائزة، ودلندة عبدو، وجميلة العرابي، أيقونات آمنّ بالحرية وشغفن بالفنّ. فصبرن على الأذى، وضحّيْنَ وناضلن في سبيله، ذقن الويلات لتحقيق طموحاتهن، ومررن بفترات مرّة، موجعة، حالكة وقاتمة ورغم ذلك لم تُدقّ عظامهنّ، ولم ينكسرن، بل كسرن القيود التي كبّلهن بها المجتمع الذكوري الذي أمعن في إقصائهن وعمل على حرمانهن من القيام بدورهنّ الحضاري النبيل. هنّ رائدات بالنسبة إلي. تتميّز كلّ منهنّ في مجالها. ولا أُفضِّل واحدةً على أخرى."
كتاب الرويسي كما كتبَتْه الوثائق والذاكرة، هو أيضا محاولة لمقاومة النسيان. تسأله "العرب" مَن هي، في رأيك، النجمة التي تستحقّ أن تستعيد تونس اليوم اسمها ووجهها وصوتها؟ ليجيبنا "أعتقد أنّي بعد أن أمطت اللثام عن مسيرة أكثر من 40 شخصية نسائية، الواجب يدعوني إلى اقتفاء أثر عدد من الفنّانين الذكور الذين شملهم هم أيضا النسيان وغيبوا عن المشهد، وعن الذاكرة ولم ينالوا حظّهم في التّعريف بأعمالهم ونضالاتهم وإسهاماتهم، كالفكاهيين مثلا. أعمل الآن على جمع وثائق ومراجع ومصادر تخصّ هذا المجال المغيّب والمنسي."
أخيرا، تسأل "العرب" فاخر الرويسي إذا كان عليه أن يعيد كل شيء من البداية، فما الاختيارات التي سيقوم بها؟ وإذا كان عليه أن يتجسّد في كلمة، وفي شجرة، وفي حيوان، فماذا سيختار؟ وإذا كان نصّ واحد فقط من نصوصه سيُترجم إلى لغة أخرى، الفرنسيّة على سبيل المثال، فأيّ نصّ يتمنّى أن يخوض هذه الرحلة؟
يقول "في إحدى أغانيه يقول الجويني: ‘إلّي تعدّى وفات، زعمة يرجع؟‘ لا يمكن لي العودة إلى الوراء. وأؤكد أنّي متصالح مع تاريخي المتواضع ومع ماضيّ، بسلبياته وإيجابياته."
ويضيف "لا يقدر أحد أن يحجب عنّا جمال الطبيعة. وليس بإمكان الإنسان، مهما كان موقعه أن يؤثّر على سحر الكلمة أو يمسّ من وقعها وتأثيرها على الإنسان. سأكون سعيدا لو تترجم كتبي إلى لغات أخرى. كلمة حرّية تستهويني، وتحلّق بي عاليا، وتجعلني أعانق الطموحات والأحلام. بينما أخيّر النخيل في الأشجار، لما ترمز إليه من شموخ وثبات وأنفة. وفي الحيوانات، الأقرب إلى قلبي الكلاب، لوفائها... والخيل لنبلها وجمالها."