ثقة الليبيين بمفوضية الانتخابات رأس مال لا يمكن التفريط به

دعوات إعادة هيكلة المفوضية خطر يهدد آخر مؤسسات الدولة الموحدة.
السبت 2025/11/15
المفوضية مكسب لكل الليبيين

تبرز المفوضية الوطنية العليا للانتخابات كآخر مؤسسة تحظى بثقة الليبيين، وسط صراع سياسي مستمر بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. وإعادة هيكلتها الآن قد تسيّسها وتعرقل العملية الانتخابية، ما يجعل استقرارها واستقلاليتها محورياً لضمان انتخابات نزيهة وشفافة.

طرابلس - تسعى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والهيئتان التشريعيتان المتنافستان في البلاد إلى إعادة هيكلة السلطة الانتخابية، في خطوة تنطوي على خطر تسييس واحدة من آخر المؤسسات التي ما تزال تحظى بثقة الليبيين.

ومع محاولة ليبيا شق الطريق نحو عملية انتخابية طال انتظارها، تبرز المفوضية الوطنية العليا للانتخابات كواحدة من المؤسسات القليلة التي لا تزال تتمتع بثقة عامة واعتراف واسع، محلياً ودولياً، بفضل مهنيتها واستقلاليتها. وفي حين سقطت معظم مؤسسات الدولة في دوامة الاستقطاب والانقسام المؤسساتي، نجحت المفوضية في الحفاظ على حياديتها وطابعها الفني وانضباطها.

ولهذا تحديداً تثير الدعوات المفاجئة لإعادة هيكلة مجلس إدارة المفوضية—التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وتدعمها كلٌّ من مجلس النواب في شرق ليبيا والمجلس الأعلى للدولة في غربها—أسئلة جدية: لماذا الآن؟ وما الدافع الحقيقي وراء هذا التوقيت؟ والأهم، ما التكلفة؟.

ومنذ تأسيسها في يناير 2012 بموجب القانون رقم 3 لسنة 2012، أشرفت المفوضية على حملات تسجيل الناخبين، ونظّمت الانتخابات البرلمانية وانتخابات هيئة صياغة الدستور والانتخابات البلدية، وحافظت على سمعة فنية قوية محلياً وخارجياً من دون اتهامات بالانحياز أو القصور الفني.

وينظر إليها على نطاق واسع باعتبارها آخر مؤسسة “سيادية” فاعلة تعمل بكفاءة وتحظى بقبول جميع الأطراف السياسية. وعلى سبيل المثال، نجحت المفوضية في تسجيل 2,865,937 ناخباً عام 2012 و1,509,128 ناخباً عام 2014، وحُسب لها نجاح الإشراف على الانتخابات خلال تلك السنوات. ومؤخراً، في أغسطس الماضي، نظّمت المفوضية انتخابات في ستة وعشرين بلدية، وبلغت نسبة الإقبال الأولية 71 في المئة. وأكدت التزامها بإعلان النتائج بشفافية، حيث صدّقت في 10 سبتمبر على نتائج أربعة وثلاثين مجلساً بلدياً، ما عزز شرعية الحكم المحلي.

وحازت المفوضية ثقة قوية ودعماً ثابتاً من شركاء دوليين، بينهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، باعتبارها مؤسسة محورية في تعزيز المسار الديمقراطي في ليبيا. وساهم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بأكثر من 10 ملايين يورو ضمن مشروع “الدعم للانتخابات في ليبيا” التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مما ساعد المفوضية على تعزيز قدراتها الفنية والتشغيلية.

وقدمت المملكة المتحدة دعماً إضافياً بحوالي 341 ألف دولار لتعزيز جاهزية المفوضية للانتخابات الوطنية. كما ساهمت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بنحو 13.3 مليون دولار عبر برنامجها لدعم الانتخابات والأنشطة التشريعية في ليبيا، بهدف ضمان عمليات انتخابية نزيهة وشاملة وشفافة في مختلف أنحاء البلاد. وتعكس هذه الاستثمارات مجتمعةً الثقة الدولية الواسعة في مهنية المفوضية واستقلاليتها.

♦ إصلاح مجلس إدارة مفوضية الانتخابات بصفقات سياسية قد يجلب الصراع السياسي إلى بنيتها الداخلية.

وبحسب الإطار القانوني للمفوضية (القانون رقم 8 لسنة 2013)، يتكوّن مجلس إدارتها من ستة أعضاء متفرغين إضافة إلى رئيس المفوضية. وحالياً، هناك ثلاثة مقاعد شاغرة، إلا أن وجود أربعة أعضاء يحقق النصاب القانوني نظراً لاحتساب صوت الرئيس بصوتين. وتُتخذ قرارات المفوضية منذ فترة طويلة بهذا النصاب.

وتنقسم السلطة في ليبيا فعلياً بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. فقد تأسس مجلس النواب عام 2014 عبر انتخابات وطنية ليحلّ محل المؤتمر الوطني العام وفق الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2011، ويقع مقره في طبرق ويمثّل الهيئة التشريعية المعترف بها دولياً.

وأما المجلس الأعلى للدولة فتم تأسيسه عام 2016 بموجب الاتفاق السياسي الليبي (اتفاق الصخيرات) الموقع عام 2015، ويتكوّن أساساً من أعضاء المؤتمر الوطني العام المنحلّ، ويُفترض أن يكون هيئة استشارية لمجلس النواب، لكنه في الواقع يتحالف مع حكومة طرابلس.

وقد دعت بعثة الأمم المتحدة، في خريطتها الأخيرة، إلى إعادة هيكلة كاملة لمجلس إدارة المفوضية، بما في ذلك تعيين رئيس جديد لها. والسبب المعلن هو “تصحيح الوضع القانوني” وتعزيز “الشفافية والمصداقية”. لكن إعادة الهيكلة عبر صفقة سياسية بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة قد تجرّد المفوضية من حياديتها. فإصلاح مجلس إدارتها بصفقات سياسية قد يجلب الصراع السياسي إلى بنيتها الداخلية، إذ سيجري اختيار الرئيس والأعضاء وفق محاصصة مناطقية بدلاً من الكفاءة والمهنية.

وبذلك يصبح كل عضو ممثلاً لمصالح منطقته، ما يخلق أجندات متضاربة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى انقسام المفوضية كما انقسمت غيرها من المؤسسات السيادية في ليبيا. وفي حال حدوث ذلك، ستخسر البلاد آخر مؤسسة ما تزال تحظى بالثقة العامة.

وترى الباحث تعاني المغربي في تقرير نشره معهد واشنطن إن استبدال قيادة المفوضية الآن يعني إعادة ضبط نظام يعمل بالفعل. والنتيجة شبه المؤكدة هي المزيد من التأخير وتعقيد البيروقراطية. فأي مجلس إدارة جديد أو رئيس جديد سيحتاج وقتاً لفهم الوضع الحالي وبناء العلاقات والتكيف مع المشهدين الفني والسياسي. وفي تلك الأثناء، ستتوقف التحضيرات للانتخابات، وقد تتحول جهود أشهر إلى سنوات.

وتواجه بعثة الأمم المتحدة صعوبة دائمة في تجاوز حقيقة أن أصحاب السلطة في ليبيا—بمن فيهم أعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة—يرفضون أي صيغة قد تحرمهم من الامتيازات والموارد التي يستفيدون منها.

ومن دون دعم ثابت من مجلس الأمن والأطراف الإقليمية، تجد البعثة نفسها مضطرة للضغط في ملفات أقل خلافية. وصار إصلاح المفوضية شرطاً سياسياً يستخدمه أعضاء مجلسي النواب والدولة للمماطلة والبقاء في مناصبهم بحجة عدم توافر شروط الإصلاح. إن العقبة الحقيقية أمام الانتخابات في ليبيا ليست المفوضية، بل الجمود السياسي المستمر بين الهيئتين التشريعيتين المتنافستين حول القوانين الانتخابية وشروط الترشح وتسلسل الاستحقاقات.

وهذه ليست من مسؤوليات المفوضية، بل نتيجة الشلل السياسي وفشل المبادرات الأممية المتكررة. فإصلاح المفوضية ليس المشكلة الأساسية التي تمنع إجراء الانتخابات، إذ إن أي مفوضية—بغض النظر عن تشكيلها—بحاجة إلى قواعد واضحة وهيكل انتخابي وعدد الدوائر وترتيبات الأمن قبل تصميم بطاقات الاقتراع وآليات الفرز.

وتملك المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بوضعها الحالي، القدرة الفنية والثقة الشعبية لإدارة انتخابات نزيهة وذات مصداقية. وفي بلد أنهكته الانقسامات، لا تستطيع ليبيا المخاطرة بمؤسسة ما تزال تحظى بثقة الجمهور. فالمفوضية ليست عقبة أمام الانتخابات—بل قد تكون الأمل الأخير لتحقيقها.

3