بينيديكت لوتيليي لـ"العرب": الأدب العربي في حاجة ماسة للشعر في مواجهة الفوضى

من النابلسي إلى أدونيس.. باحثة فرنسية تفكّك الصور النمطية عن الثقافة العربية
الاثنين 2026/02/02
بالنسبة إلي يُمثّل أدونيس شخصيةً فكريةً ذات مكانةٍ عالمية

يقف بعض المثقفين والأكاديميين والكتاب الغربيين اليوم صدّا منيعا ضد الخطابات المتطرفة وسياسات الإلغاء التي تواجهها شعوب الشرق، ومن أهمها الشعوب العربية، التي توضع غالبا في سلال مشوهة تنفي عنها حتى صفة الإنسانية، وتجردها من كل منجز ثقافي أو فني أو أدبي. الباحثة والكاتبة الفرنسية بينيديكت لوتيليي من بين هؤلاء، ممن اختاروا أن تمثل مشاريعهم الثقافية جسرا بين الشعوب لا أدوات قطيعة وصدام، وهو ما طرحته في إضاءاتها المتعددة على اللغة العربية وأهم مبدعيها ومفكريها. "العرب" كان لها معها هذا الحوار حول أبرز عناصر مشروعها.

ناقشت الأستاذة بينيديكت لوتيليي ملفّ التّأهيل الجامعي الّذي سيمكّنها من الإشراف على الأبحاث المعمّقة في اختصاص الأدب المقارن والدّراسات العربيّة، وذلك يوم الجمعة الثلاثين من يناير 2026 في جامعة باريس 8 حول عمل كامل تحت عنوان: “التّفكير في الاستمرارية/غير المسبوق: طبيعة القصيدة وثقافتها. ترجمة الغيريّات الحيّة”.

ما يمنح الاهتمام البالغ بتجربة لوتيليي هو وقوفها بصلابة ضد عالم الاستقطابات وإلغاء الآخر الذي بتنا نعيش فيه، حيث منحت الأكاديمية والكاتبة الفرنسية صوتها لصالح التعدد والانفتاح مثلا على الثقافة العربية وتحريرها من النظرات النمطية والرؤى المسبقة التي تواجهها خاصة في الغرب، وهو ما تصدت له بقراءاتها لأهم التجارب الأدبية والفكرية العربية، ما يجعل من مشروعها الأكاديمي والأدبي والثقافي مساحة لربط علاقة أكثر توازنا مع الآخر، وتجاوز خطابات الهيمنة والاستعلاء والتشويه.

وبينيديكت لوتيليي أستاذة محاضرة متخصصة في الأدب المقارن، الترجمة، الأدب العربي المعاصر، والعلاقة بين الشعر والعلوم، وبشكل أوسع، قضايا العولمة والآخرية.

الباحثة تفكك الصور النمطية وتستكشف وجهات نظر أخرى لإبراز المعرفة حول العالم العربي التي غالبًا ما تُهمَل

نشرت لوتيليي كتاب “أدونيادا” (2021) مع منشورات سوي، وكتاب “التصوف والسريالية” (2016) مع دار نشر “إيديسيون دو لا ديفيرانس”، وكلاهما من أعمال الشاعر الكبير أدونيس. كما ساهمت في ترجمة عمل جماعي تكريمًا للكتاب الفلسطينيين، بعنوان “على هذه الأرض، هناك ما يستحق الحياة: 17 كاتبًا من أجل فلسطين”، والذي صدر عن منشورات سوي في الثالث من أكتوبر 2025. ونُشرت لها أيضًا ترجمات في مجلة “كالي يوغا” التي يحررها أندريه فيلتر وصوفي نولو.

وكرّست العديد من المقالات لدراسة اللغة العربية، ولها عملٌ هامٌّ بعنوان “التفكير في الخيال في سياق عربي” الصادر عن منشورات هونوريهشامبيونسنة 2012.

اهتمام بالثقافة العربية

العرب: في البداية، نودّ أن نعرف كيف أصبحتِ متخصصةً في الدراسات العربية. هل كان ذلك قرارا شخصيا أم تقليدا عائليا؟

بينيديكت لوتيليي: ليس لديّ صلة قرابة مباشرة بالعالم العربي، ولا توجد لديّ حكايةٌ مميزةٌ أرويها. عندما قررتُ الالتحاق بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية لتعلم اللغة العربية، كان دافعي الأساسي هو الرغبة في التفاعل مع مناهج فكرية أخرى، واكتشاف طرق مختلفة لفهم العالم وسرد قصصه.

جسور فرنسية-عربية
جسور فرنسية-عربية

في الواقع، كنتُ مترددةً بين العربية والروسية – وهو مشروعٌ ما زلتُ أفكر فيه – لكنني شعرتُ أنه، على الرغم من أن اللغة العربية لم تكن مألوفةً لي تماما، إلا أنها لم تكن غريبةً لدرجة أن تبدو عصيةً عليّ. ولقد مرّ وقت طويل منذ آخر زيارة لي للعالم العربي، على الرغم من أنني كنت ضيفة قارّة في مهرجان بابل لأكثر من ثلاث سنوات. إلا أن أبحاثي الجديدة في الأدب العربي والمقارن ستأخذني إلى هناك مجددا قريبا.

العرب: يبدو أن لديكِ شغفًا خاصًا بأدونيس، إذ أنك لم تكتفي بترجمة اثنين من أعماله، بل أجريتِ معه حوارًا في العدد الرائع من مجلة “أوروبا” المخصص له عام 2022. ما الذي يمكنكِ إخبارنا به عن ذلك؟

بينيديكت لوتيليي: كان التعرف على فكر أدونيس وأعماله تجربة مُحرِّرة حقًا بالنسبة إلي، إذ حررتني من مفاهيمي الثقافية المسبقة. بدأ كل شيء بقراءة كتاب “الصوفية والسريالية”، وهو نصٌّ أسرني على الفور لدرجة أنني شعرت برغبةٍ عارمةٍ في ترجمته.

فتحت هذه القراءة الأولى الطريق أمام انغماسٍ طويلٍ في كتابات التصوف، وهو مجالٌ معرفيٌّ كان جديدًا عليّ آنذاك، والذي غيّر بشكلٍ جذريٍّ من منظوري البحثي. ثم واصلتُ هذه الرحلة بقراءة أطروحته، التي كانت زاخرةً بالمعرفة والعمق.

 وفي عام 2005، أتيحت لي أخيرًا فرصة لقائه شخصيًا. انبثقت من حواراتنا مقابلةٌ نشرها جان باتيست بارا في مجلة “أوروبا” المرموقة، تُجسّد هذا الحوار بوضوح.

بالنسبة إلي، يُمثّل أدونيس شخصيةً فكريةً ذات مكانةٍ عالمية، وشاعرًا عالميًا بحق، ورجلًا ذا حساسيةٍ نادرة، حضوره المُفعم بالحيوية آسرٌ ومُلهمٌ في آنٍ واحد. ولا تزال معرفتي به شرفًا لي.

العرب: بالاطلاع على قائمة مؤلفاتك، نرى شغفك الكبير بالأدب العربي. فمن كتاب “تنوير الإسلام أو ‘جهل الغرب بالإسلام’: فولتير والنابلسي” إلى جبرة ومنيف، نراك تنتقلين بسلاسةٍ من الفلسفة إلى الرواية، مرورًا بالشعر. كيف تعملين، وما هي أسس مشاريعك البحثية المختلفة؟

بينيديكت لوتيليي: يسعى عملي إلى تفكيك الصور النمطية، واستكشاف وجهات نظر غير متوقعة – أو كما يُقال، دوافع خفية – وإلى إبراز المعرفة حول العالم العربي التي غالبًا ما تُهمَل وتُكتم، لا سيما عندما يُسهمُ ذلك في سوء الفهم الثقافي.

بحثها في الشعر العربي المعاصر قادها إلى الاعتقاد بوجود أنماط تعبير أخرى غير السياسة لإعادة بناء التعددية

تُعدّ شخصية النابلسي مثالًا صارخًا على ذلك: مفكرٌ يتمتع بجرأة فكرية تجعل اختزاله إلى لقب “فولتير العربي” يُقلل من شأنه. أردتُ، على النقيض من ذلك، أن أُبيّن كيف يبقى فولتير نفسه أسيرًا لجهلٍ مُستمر بالعالم العربي، أو ربما لنوعٍ من الازدواجية. أما بالنسبة إلى جبرة ومنيف، فروايتهما المشتركة آسرةٌ بكل بساطة. تستحق الثناء على أسلوبها الكتابي المُبتكر. وصفتها بأنها سردٌ عن اللانهائي، مُبينةً كيف يُمكن استيعاب هذا المفهوم وإعادة سرده. لأنني أشعر أن اللانهائي ضحيةٌ للتجنّب الفكري وكلّ ما نُقسّمه علميا إلى فئات.

على نطاق أوسع، يطمح بحثي إلى تسليط الضوء على كل الإمكانيات الثرية التي ينطوي عليها الاختلاف، ذلك الثراء القادر على تغيير طرق تفكيرنا وتوسيع آفاقنا. وفي هذا الصدد، يمثل العالم العربي بالنسبة لي مصدرًا للثراء العلمي، إذ كانت الثقافة العربية الإسلامية من بين الثقافات القليلة التي ابتكرت “علم الشّعر”.

البداية من الشعر

العرب: تكتبين كذلك باللغة العربية. بين البحث والإبداع الأدبي والشعري الذي تتحدثين عنه باستمرار، هل تعتقدين أنكِ قد تكونين يومًا ما أول كاتبة أو شاعرة فرنسية تعبر عن ذاتها باللغة العربية؟

قدرة القصيدة على مقاومة خطابات الهيمنة والاستعلاء المعاصرة
قدرة القصيدة على مقاومة خطابات الهيمنة والاستعلاء المعاصرة

بينيديكت لوتيليي: نعم، أكتب باللغة العربية (قصائد لنفسي، وبعض المقالات والمحاضرات)، لكن الكتابة تبقى بالنسبة إليّ تجربة داخلية فريدة من نوعها. مع أنني أعلم أن هذه الظاهرة باتت اليوم بلا قيود، وأننا نكتب كما نتحدث، كاشفين ردود أفعالنا، ويقينياتنا، وفلسفتنا، وأفكارنا، وآراءنا للجميع ببضع نقرات، إلا أنني أُعجب بفكرة إمكانية ملاحظة هذا الفعل وممارسته ذاتيًا كإطار شعري واعٍ ومنظم. إنه بناء صوت يعكس وضوحي ووضوح العالم. من بين كل ما كتبته، يبقى هذا الوضوح بالنسبة لي جهدا شعريا ليس سلسا ولا سهلا، حتى في لغتي الأم.

العرب: العالم، الذي كان مظلمًا أصلًا، ازداد ظلمةً منذ السابع من أكتوبر 2023. يبدو أن ما يُسمى بالعالم “المتحضر” ينزلق نحو الهمجية والظلم، إذ أن من كانوا يدعمون أوكرانيا ضد فلاديمير بوتين يدعمون الآن بنيامين نتنياهو ضد فلسطين ولبنان والعديد من الدول الأخرى. بصفتكِ باحثةً في الدراسات العربية، كيف ترين مستقبل الأدب العربي في ضوء هذه القضية المُلحة؟ ما الأدوات المتاحة لنا لمواجهتها؟

بينيديكت لوتيليي: أول ما يتبادر إلى الذهن هو “الشعر”. يشهد الأدب العربي على حاجة ماسة للشعر في مواجهة الفوضى، وبممارسته حتى في الشوارع، يُضفي نسمة من الانتعاش. إنّ إدراك “ضارب الشعر”، حسب عبارة إيف بونفوا، في حياتنا يُعدّ خطوةً للأمام للبشرية. إذا أدركتَ أن كلمةً واحدة، حرفًا واحدًا، قادرٌ على تغيير كل شيء في منظومة القصيدة، فأنت تُدرك أيضًا أنه قادرٌ على تغيير كل شيء في المنظومة المحيطة.

كلنا نعرف هذا بالفطرة. لماذا، على سبيل المثال، يُعدّ تهريب المخدرات في السجون المصرية أسهل من تهريب قصيدة؟ إذن، لدينا الأدوات. في مواجهة الخطاب السياسي الذي يُفاقم الازدواجية، ويُؤجّج النقاشات، ويُثير مشاعر قوية، تبرز القصيدة، التي تُهدّئ، وتُقاوم، وتُعيد الخلق، وتُبتكر إمكانيات أخرى.

يقودني بحثي في ​​الشعر العربي المعاصر إلى الاعتقاد بوجود أنماط تعبير أخرى غير السياسة لإعادة بناء العالم على أساس التعددية والتعقيد. الثقافة العربية ثقافة شعرية بامتياز، وهي قادرة بلا شك على مواجهة هذا التحدي ورسم مسار ممكن. ليس لجعل العالم شعريا، بل لإعادة العالم إلى الشعرية، كما قال ميشيل دوغي.

مكتبة شهرزاد

اليوم صرنا نكتب كما نتحدث
اليوم صرنا نكتب كما نتحدث

العرب: لو أُتيحت لك فرصة البدء من جديد، ما الخيارات التي ستختارينها؟ لو طُلب منك أن تتجسّدي أو تُبعثي من جديد في صورة كلمة، أو شجرة، أو حيوان، فأيُّها ستكونين في كل مرة؟ أخيرًا، لو طُلب من أحد نصوصك أو كتبك أن يُترجم إلى لغات أخرى، إلى العربية مثلًا، فأيُّها ستختارين ولماذا؟

بينيديكت لوتيليي: السؤال غريب بالنسبة إليّ. لكن لو حدث ذلك، لعدتُ إلى جسدي بوعي أكبر، وبإدراك أعمق. إحدى مقالاتي، المنشورة على موقع فابولا، بعنوان “مكتبة شهرزاد: تحقيقات في قراءات قاتلة”، تُرجمت بالفعل إلى العربية، بناءً على رغبة عبدالفتاح كيليطو، لإدراجها في أحد كتبه.

 أنا فخورة جدًا بهذا لأنني معجبة جدًا بأعمال عبدالفتاح كيليطو، التي أشرت إليها في هذا المقال. لو تُرجمت أعمالي إلى العربية، لفضّلت أن يكون ذلك لكتاب قادم لم أكشف عن موضوعه بعد.

8