انطباعات موضوعية من ليبيا تتحول من شكل إلى آخر

الموضوعية هنا ليست الصدق في نقل ما يُرى، بل الإخلاص في نقل ما نشعر به عندما نرى.
الأربعاء 2025/12/10
انطباعاتي الذاتية عمّا شد انتباهي

"انطباعات موضوعية"، عنوان معرضي الجديد، الذي سينعقد في الفترة ما بين 13 و20 ديسمبر الجاري. وتأتي البداية من الصفر هنا تعبيرًا عن هذه الانطباعات الموضوعية واستنادا إلى حقائق داخلية، بالتأكيد على تمثيلها واقعيا عبر خطوط وألوان على أسطح نضرة لا تفنى ولا تستحدث، فهي طاقة تتحول من شكل إلى آخر وتنتقل من زوايا معتمة إلى العلن وفقًا للضرورة الفنية.

من الصفر، ربما هي العودة الأولى إلى عنفوان ضربات فرشاة الرسم السريعة ترافقها حالة تعبيرية تعتمد على التلقائية في أغلب مراحل إنجاز اللوحة، بعد ضبط ملامح الموضوع فيها مع تدخل الذائقة والخبرة في وضع حدودها المنجزة، أو تكون من الصفر كأقصر المسافات، المسافة صفر في التعامل والعيش بشكل يومي مع مناظر ريفية تستحق العيش والرسم باستمرار.

هناك حيث الألوان الصريحة المتناغمة، وبلل الأمكنة في بداية شتاء ماطر، بين صلصال الأرض وفرش حقول أشجار الزيتون، تحت سماء أرجوانية في المساء وناصعة شديدة الزرقة في وضح النهار، أحراش ونخل باسقات، مناطق خضر بجوار كل لون أخضر، أخضر آخر وبينها بقع شديدة الاصفرار، تتدرج إلى البرتقالي وتقترب من الأحمر، متوهجة بأشعة شمس ساطعة كأنها حالات لونية معاصرة تحبو بين كاندينسكي إلى هوكني في تناغم يعزف جوقة الوجود في أجمل صوره.

وذلك بعد أن أمضيت أكثر من 56 سنة في المدينة التي تغلب عليها إنشاءات تجارية وصناعية بأشكالها البراغماتية، حال أغلب مدن ليبيا بعد طفرة النفط التي صنعت الاجتياح العمراني المصحوب بالكثير من العشوائية، ثم انتقلت إلى العيش في أرياف مصراتة بمنطقة طمينة التي ما زالت تحتفظ ببعض من جمالها ومناظرها الخلابة بحياتها البكر الزراعية، قرية متناسقة في بنائها تحيط بها مزارع وأرياف، بيوت إيطالية قديمة ومناطق شاسعة من الخضرة؛ حيث رائحة القرعون والخبيز ومعاصر زيت الزيتون وحفيف صوت الشجر والطيور المهاجرة بشتى أنواعها في تفاعل مع أمكنة وجودها التي لا تستقر على حال.

الجمال الريفي شحذ همته للتعبير عنه بشكل آخر غير التمثيل المباشر
لوحات أقرب إلى الرسم نفسه وليس إلى الواقع

كل هذا الجمال وأكثر يحتاج شحذا للهمم والتعبير بشكل آخر ليس التمثيل المباشر بل محاكاة للروح عن طريق الهجرة نحوها وهي ممتلئة بنسمات البهاء والبهجة. فما كان مني إلا أن أحلتُ انطباعاتي الأولى عنها إلى ما أمتلك من مشاهد لآخر الانطباعيين وأول التعبيريين وبعض المعاصرين من الذين اتخذوا من المخيلة مناطقهم الآمنة وملاجئ أرواحهم الباحثة عن الطمأنينة والجمال الخالص في طبيعة متقلبة كقلوب البشر وأمزجتهم.

كانت “انطباعات موضوعية” تستحق الاحتفاء بها وتدوينها في أعمال يمكن أن تكون صورة من صور التوثيق الفني بعد أن تركت خلفي كل التجارب الماضية كبداية يرافقها التأني والدراسة الموضوعية في العمل الفني عندي، والموضوعية هنا ليست الصدق في نقل ما يُرى بل الإخلاص في نقل ما نشعر به عندما نرى.

كي ترسم انطباعاتك عن طمينة يجب أن تقع عنوةً في فخ غواية زهور فان خوخ وحقول سيزان وغوغان وهوكني وعلي العباني ويغمرك شعور غامض من السكون لعوالم هوبر وموسيقى كاندينسكي وموندريان وبعض من ضربات فرشاة عمر جهان، في تقاطعات على أسطح تعتليها الكثير من الدهشة لا يمكن تمثيلها في أسلوب واحد بل هي كتداعيات في لحظات مسروقة من حياتنا المكتظة بقسوة العيش في عالم أصبح يتجه إلى الضيق عبر شاشات الهواتف الذكية وعالمها الافتراضي المخادع، فتكون هذه التأملات بمثابة الوقوف على حافة عالم أرحب وخالٍ من الخداع والمُوَارَبَة.

قررت أن يكون رسما أقرب إلى الرسم نفسه وليس إلى الواقع، مضاهاة لتجارب حفرت لذاتها ملامحها الخاصة، لهذا جاءت هذه المجموعة أقرب إلى هذه التجارب التي اتخذت من أزمنة الطبيعة المتعددة قبل أشكالها وصورها الظاهرة، ومناخاتها الداخلية العميقة التي تكون أقصر الطرق وأبلغها في التعبير عن الأفعال الإنسانية الرفيعة بمشاعرها المرهفة، تتخذ من المعرفة ثم المهارة أهم أدواتها في إنتاجها الفني.

الجمال الريفي شحذ همته للتعبير عنه بشكل آخر غير التمثيل المباشر
الجمال الريفي شحذ همته للتعبير عنه بشكل آخر غير التمثيل المباشر

9