انتخابات 2026 في المغرب تفتح الباب أمام جيل سياسي جديد وتُربك حسابات الوجوه التقليدية

الرهان الحقيقي لا يتعلق بمشاركة الشباب بل بمدى نجاحهم في تغيير قواعد المنافسة.
الخميس 2026/08/06
حضور متنامي للشباب

الرباط- بدت الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في سبتمبر المقبل مختلفة عن سابقاتها، ليس بسبب حدة التنافس بين الأحزاب، وإنما لأن عددا متزايدا من المرشحين الشباب اختاروا اقتحام دوائر انتخابية ظلت لعقود معاقل شبه مغلقة أمام الوجوه التقليدية. ففي أكثر من دائرة كبرى، يخوض مرشحون لا تتجاوز أعمارهم الخامسة والثلاثين عاما منافسة مباشرة مع سياسيين راكموا حضورا انتخابيا يمتد لسنوات طويلة، في مؤشر على أن معركة 2026 لا تدور فقط حول المقاعد البرلمانية، بل حول تجديد النخب السياسية نفسها.

ويمثل هذا الحضور المتنامي للشباب تحولا لافتا في المشهد الحزبي، إذ لم يعد يقتصر على اللوائح الوطنية أو المواقع الرمزية، بل امتد إلى دوائر انتخابية توصف بأنها من أكثر الدوائر صعوبة وحساسية، بعدما حصل هؤلاء المرشحون على تزكيات مباشرة من أحزابهم، وراهنوا على العمل الميداني والقرب من الناخبين، إلى جانب الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لبناء قواعد انتخابية بعيدا عن الأساليب التقليدية التي طالما اعتمدت على شبكات الأعيان والنفوذ المحلي.

ورغم أن معظم الأحزاب رفعت شعار تجديد النخب وضخ دماء جديدة، فإن القوائم الانتخابية ما تزال تكشف عن استمرار الرهان على أسماء مخضرمة تمتلك رصيدا انتخابيا وخبرة تنظيمية واسعة. فالكثير من القيادات الحزبية لا تزال تنظر إلى الانتخابات بمنطق القدرة على ضمان الفوز أكثر من النظر إليها باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل النخبة السياسية، وهو ما يجعل انتخابات سبتمبر المقبل اختبارا حقيقيا لقدرة الأحزاب على ترجمة خطاب التجديد إلى ممارسات فعلية.

◄ صعود مرشحين شباب بدعم من الأحزاب ووسائل التواصل والتحفيزات القانونية يحول الانتخابات إلى اختبار لقدرة الناخب المغربي على الموازنة بين الخبرة ورغبة التجديد

ويبرز هذا التناقض بوضوح في عدد من الدوائر الانتخابية. ففي إقليم بولمان، يعود الأمين العام السابق لحزب الحركة الشعبية، امحند لعنصر، إلى خوض الانتخابات في معقله السياسي، رغم تجاوزه السبعين من العمر، في مواجهة مرشحين شباب من أحزاب منافسة يسعون إلى كسر هيمنة واحدة من أقدم الشخصيات السياسية في المنطقة.

أما في الرباط، التي توصف عادة بـ”دائرة الموت” بسبب ثقل الأسماء المتنافسة فيها، فتتخذ المنافسة بعدا مختلفا، إذ يواجه الوزير السابق عبد الكريم بنعتيق، مرشح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كلا من وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، والمحامي الشاب فاروق المهداوي، مرشح فيدرالية اليسار الديمقراطي، الذي يعتمد على خطاب سياسي يستهدف فئة الشباب، مستندا إلى حضوره الميداني وتجربته المهنية والحزبية.

وفي وزان، اختار حزب التقدم والاشتراكية الدفع بمياء سلالي، إحدى الوجوه الشابة، لقيادة لائحته، في محاولة لتجديد صورته داخل الإقليم، فيما رشح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رشيد عياد، رئيس نادي أولمبيك وزان لكرة القدم، مستفيدا من حضوره الرياضي والمدني لتحويل شعبيته إلى رصيد انتخابي.

كما حسم حزب الاستقلال، بعد نقاشات داخلية، تزكية حسن اليمني مرشحا له في دائرة مكناس، في خطوة اعتبرها مراقبون استجابة لضغوط داخلية تدعو إلى منح الشباب فرصا أكبر في الانتخابات، بعد سنوات من هيمنة الأسماء نفسها على الترشيحات.

ولا يقتصر هذا التوجه على الأحزاب، إذ حاولت الدولة بدورها تشجيع مشاركة الشباب عبر حزمة من الإجراءات التحفيزية، من أبرزها تحمل ما يصل إلى 75 في المئة من مصاريف الحملات الانتخابية للمرشحين دون سن الخامسة والثلاثين، بسقف يبلغ 500 ألف درهم، إلى جانب تسهيل شروط الترشح، في محاولة لتقليص تأثير المال الانتخابي وكسر الاحتكار التقليدي للتزكيات الحزبية.

غير أن هذه الإجراءات، بحسب أستاذ القانون والعلوم السياسية عمر الشرقاوي، لا تكفي وحدها لإحداث تحول نوعي في تمثيلية الشباب، لأن الإشكال لا يرتبط بالنصوص القانونية بقدر ما يرتبط بثقافة سياسية ما تزال تجعل معيار الفوز يتقدم على معيار التجديد. ويؤكد الشرقاوي في تصريح لـ”العرب” أن هاجس الأحزاب يظل منصبا على ضمان أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، خاصة في ظل ارتباط نتائج الانتخابات بتشكيل الحكومة، وهو ما يجعل فرص الشباب رهينة للحسابات الانتخابية أكثر من ارتباطها بإرادة حقيقية لتجديد النخب.

شريفة لموير: التعديلات التي تضمنها مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب تمثل خطوة مهمة نحو تشجيع الشباب على الانخراط في المؤسسات المنتخبة

وتبدو مدينة الدار البيضاء نموذجا لهذا التحول، حيث فرض عدد من المرشحين الشباب أسماءهم داخل دوائر انتخابية كبرى بفضل حضورهم الميداني ونشاطهم على المنصات الرقمية. ومن بين هذه الأسماء نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، التي تخوض منافسة قوية أمام مرشحين يمثلون أحزابا رسخت حضورها الانتخابي خلال السنوات الماضية، مثل التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والعدالة والتنمية.

كما يبرز اسم أنس حدادي، مرشح التجمع الوطني للأحرار في دائرة مولاي رشيد، الذي استطاع خلال السنوات الأخيرة بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الشباب والجمعيات المحلية، معتمدا على العمل الميداني أكثر من الخطاب السياسي التقليدي، وهو ما يجعله أحد أبرز الوجوه الصاعدة في العاصمة الاقتصادية.

وفي دائرة سيدي البرنوصي – سيدي مومن، يبرز أيضا يوسف اسميهرو، مرشح تحالف اليسار، الذي يسعى إلى استقطاب الشباب من خلال خطاب يركز على القضايا المحلية والتواصل المباشر مع السكان، في محاولة لتقديم نفسه بديلا عن النخب التقليدية.

وترى الباحثة في العلوم السياسية شريفة لموير أن التعديلات التي تضمنها مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب تمثل خطوة مهمة نحو تشجيع الشباب على الانخراط في المؤسسات المنتخبة، معتبرة في تصريح لـ”العرب” أن هذه الإجراءات يمكن أن تسهم في الحد من بعض الممارسات المرتبطة بالمال الانتخابي وهيمنة الوسطاء داخل الأحزاب.

لكن، رغم هذا الحضور اللافت للوجوه الجديدة، يستبعد عدد من الباحثين أن تحدث الانتخابات المقبلة انقلابا جذريا في تركيبة البرلمان. فبحسب الشرقاوي، ما يزال المشهد السياسي يشهد إعادة إنتاج لعدد كبير من الوجوه التي شاركت في استحقاقات سابقة، بينما لم تتمكن الأحزاب بعد من تطوير خطاب سياسي قادر على استعادة ثقة الشباب أو رفع نسب مشاركتهم في الاقتراع.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن الرهان الحقيقي لانتخابات 2026 لا يتعلق فقط بعدد الشباب الذين سيدخلون مجلس النواب، بل بمدى نجاحهم في تغيير قواعد المنافسة السياسية نفسها. فإذا تمكنوا من انتزاع مقاعد في دوائر ظلت حكرا على الأعيان والقيادات التقليدية، فسيكون ذلك مؤشرا على بداية انتقال تدريجي في موازين القوى داخل الأحزاب المغربية. أما إذا بقي حضورهم محدودا، فستبقى دعوات تجديد النخب أقرب إلى شعار انتخابي منها إلى تحول فعلي في بنية المشهد السياسي.