الموصل تستعيد ذاكرتها البصرية بـ"لوحات بحجم الذاكرة"
تشهد مدينة الموصل، في أجواء مفعمة بالإبداع والجمال، المعرض التشكيلي المشترك الموسوم بـ”لوحات بحجم الذاكرة”، الذي تنظمه جمعية التشكيليين العراقيين فرع نينوى، وافتتحته يوم 25 أبريل الماضي، في قاعة الجمعية “عمارة الإبداع” بمنطقة المجموعة الثقافية، وسط حضور نخبوي لافت من الفنانين والأكاديميين والمتذوقين.
يضم المعرض نتاجات فنية متميزة لنخبة من فناني نينوى، حيث تمحورت فكرة العرض حول “المصغرات الفنية” بمساحات لا تتجاوز 10 – 25 سم، محولةً هذه المساحات الضيقة إلى فضاءات تعبيرية شاسعة تختزل الذاكرة الجمعية وتفاصيل البيئة الموصلية بأساليب تراوحت بين الواقعية والتجريد.
يعكس معرض “لوحات بحجم الذاكرة” وعيا فنيا متقدما بجماليات الاختزال والتركيز. إن الذهاب نحو المصغرات ليس مجرد اختيار للحجم، بل هو تحد تقني وبصري يتطلب قدرة عالية على التحكم بالضربة اللونية وبناء التكوين داخل حيز محدود.
رغم صغر حجم اللوحات، إلا أنها جاءت محملة بطاقة تعبيرية هائلة. نجد في أعمال المشاركين استثمارا ذكيا للبؤرة البصرية، فالفنان هنا لا يسهب في التفاصيل الهامشية، بل يذهب مباشرة إلى جوهر الفكرة، سواء كانت وجها إنسانيا مثقلا بالرموز أو مشهدا طبيعيا يختصر ضفاف دجلة.
حضرت مدينة الموصل في المعرض ليس كمكان جغرافي فحسب، بل ككيان وجداني، تجلى ذلك في استخدام الرموز التاريخية (كالآشوريات) والرموز البيئية (الشناشيل، النخيل، الحمام). تقنيا، برزت مهارات عالية في استخدام الوسائط المتعددة والزيت والأكريليك، مع الحفاظ على وحدة الإيقاع البصري الذي يجمع بين الحداثة والأصالة.
المساحات الضيقة تتحول إلى فضاءات تعبيرية شاسعة تختزل الذاكرة الجمعية وتفاصيل البيئة الموصلية بأساليب تراوحت بين الواقعية والتجريد
وتحمل تسمية المعرض “بحجم الذاكرة” إحالة فلسفية، فالذاكرة غالبا ما تحتفظ بالصور كومضات مكثفة. لذا، جاءت اللوحات لتلعب دور الومضة التي تحفز خيال المشاهد لاستكمال المشهد الذهني الكبير خلف إطار اللوحة الصغير.
ازدان المعرض بمشاركة كوكبة من الفنانين الذين أثروا المشهد بتجاربهم المتنوعة، وهم كل من: خليف محمود المحل، ناطق عزيز، رائد فرحان، بلال دبدوب، لبنى الطائي، حسن السلامي، ألوان خليف المحل، أوس مروان دبدوب، تمارا الشبخون، عمر فواز جبار، بسمة محمود، وليد بلال، أشرف طه، عبد الحميد، عبد الغني إبراهيم، علي حميد، صفاء عدنان، أحمد العزاوي، حلا مصطفى أبو العز، أساور أياد، محمد ناطق، أحمد خليل، مها الحمودي، أزهار رمزي عزيز، نور خليف المحل، مروة قيدار أرديني، عماد إبراهيم الأمير، براء خليف المحل، زينب سعد عز الدين، عمر الرعاش، شيماء وليد، زينة زيد خروفة، رويدة وعد الله، هشام حامد، غصون رمزي عزيز، صلاح حديد، أنهار محمود، أزهار حكمت، معن الجوالي، علي غانم، نغم ناطق، آية بشار، مريم هيمان القاضلي، مقبل ناطق، رغد فيصل وفلة فائز وريد.
يعد هذا المعرض خطوة هامة في مسيرة جمعية التشكيليين في نينوى، كونه يؤكد أن الإبداع لا يحده حجم أو مساحة، وأن رصيد الفن العراقي في الموصل لا يزال زاخرا بالأسماء القادرة على تحويل الذاكرة إلى حقيقة بصرية مبهرة.
فنانو الموصل يمتلكون خصوصية تجعلهم “الرقم الصعب” في المعادلة التشكيلية العراقية. هذا الثراء ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكم حضاري يمتد من نينوى الآشورية وصولا إلى الحداثة المعاصرة.
ثمة سمات تجعل فناني نينوى يتربعون على هذه القمة، منها الارتباط العضوي بالتاريخ، فالفنان الموصلي لا يرسم من فراغ، بل يستحضر في ضربة فرشاته شموخ الثور المجنح ودقة الزخرفة الإسلامية، مما يمنح أعمالهم ثقلا معرفيا قبل أن يكون جماليا.
كذلك تظهر بوضوح المزاوجة بين القوة والنعومة، إذ لدى فناني نينوى قدرة فريدة على دمج صلابة العمارة والمكان (المرمر الفرشي، القباب، المآذن) مع رهافة الحس الإنساني المتمثل في الوجوه الموصلية الصابرة والملونة بالأمل.
ويظهر الإتقان الأكاديمي في قائمة المشاركين التي استعرضناها تنوعا هائلا يجمع بين الأساتذة الأكاديميين والشباب المتمردين، وهذا التناص بين الأجيال خلق حالة من الاستمرارية التي تفتقر إليها بعض المراكز الفنية الأخرى. وأصفه بأنه “الأول في العراق” على مستوى الإبداع، وهو إنصاف لمدينة لم تتوقف عن الإنتاج الجمالي حتى في أصعب الظروف.
لقد كان معرض “لوحات بحجم الذاكرة” خير دليل على أن الإبداع الموصلي يستطيع أن يتنفس ويبدع حتى في أضيق المساحات.
إن هذا الثراء المتميز يعود إلى طبيعة مدينة الموصل كملتقى للحضارات، ونتاج رغبة الفنان الموصلي في إثبات الهوية، فهذا التلاصق العضوي بين العمق الحضاري وإرادة إثبات الذات هو المحرك الفعلي لتجدد الفن الموصلي. فالفنان في نينوى لا يرسم ليزين الجدران، بل ليرمم الذاكرة ويؤكد الحضور.
هذا التلاحم ينتج ما يمكن وصفه بـ”الفن المقاوم بالجمال”، حيث نجد التجذر الحضاري، الذي يمنح الفنان الثقة والقدرة على الابتكار دون خوف من فقدان الهوية. وهناك أيضا التحدي الوجودي، الذي يجعل من كل معرض أو لوحة رسالة حياة موجهة للعالم، تؤكد أن الموصل، رغم كل ما مرت به، تظل ولادة ومنبعا لا ينضب للإبداع.
إن هذا التجدد هو سر الأولوية التي يتمتع بها فنانو نينوى، فهم يمتلكون قدرة استثنائية على تحويل الألم والمكان والتاريخ إلى لغة بصرية عالمية تخاطب الوجدان الإنساني في كل مكان.