المغرب يكسب الشمال الأوروبي: الصحراء بوابة الشراكة

من دعم الحكم الذاتي إلى الشراكة الاستراتيجية.. المغرب يعزز حضوره في الحسابات الأمنية والاقتصادية للشمال الأوروبي
الاثنين 2026/09/07
دينامية مطردة تعزز إرساء شراكة استراتيجية

الرباط – تتجه العلاقات المغربية الدنماركية إلى الانتقال من التعاون الثنائي التقليدي إلى شراكة استراتيجية أوسع، تجمع بين السياسة والأمن والاقتصاد والاستثمار، في وقت يتزايد فيه حضور المغرب داخل الحسابات الأوروبية باعتباره شريكاً موثوقاً في الضفة الجنوبية للمتوسط.

ويكشف الموقف الذي عبر عنه وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن عقب لقائه نظيره المغربي ناصر بوريطة في كوبنهاغن، عن هذا التحول بوضوح، بعدما وصف المغرب بأنه صديق موثوق تحتاج إليه أوروبا والدنمارك، معلناً أن البلدين يستعدان لإبرام اتفاق شراكة استراتيجية مرتقب في ديسمبر المقبل بالرباط.

لكن البعد الأكثر دلالة في هذا التقارب يرتبط بملف الصحراء، حيث أبدت كوبنهاغن استعداداً لتطوير موقفها باتجاه رؤية أكثر قرباً من الموقف الأميركي، مع اعتبار المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً جيداً للتوصل إلى حل سياسي متوافق عليه بين الأطراف.

لا يبدو الموقف الدنماركي معزولاً عن التحولات التي شهدتها مواقف عدد من الدول الأوروبية، ولا سيما في شمال القارة. فقد سبقت السويد إلى اعتبار الحكم الذاتي المغربي أساساً ذا مصداقية للمفاوضات، فيما اعتبرت فنلندا أن الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية من بين الحلول الأكثر قابلية للتنفيذ.

ويعطي انتقال هذا الموقف إلى كوبنهاغن زخماً إضافياً للدبلوماسية المغربية، خصوصاً أن الدنمارك عضو في مجلس الأمن، وأن تأكيد موقفها جاء في أعقاب اعتماد القرار الأممي 2797، بما يضع التطورات الثنائية داخل سياق أوسع يتعلق بمسار التسوية الأممي.

ويقول أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة خالد الشيات إن التحول الدنماركي يعكس اتجاهاً نحو مقاربة أكثر انسجاماً مع منطق الشرعية الدولية والحلول السياسية الواقعية، معتبراً أن تعزيز المواقف الدبلوماسية يحتاج إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات القانونية والاتفاقية وتنويع الشراكات.

وبذلك، لا تعود قضية الصحراء مجرد ملف منفصل في العلاقات المغربية الأوروبية، بل تصبح أحد المؤشرات على إعادة صياغة موقع المغرب داخل المنظومة الأوروبية، خصوصاً في ظل تنامي القناعة بأهمية الشراكة مع دول مستقرة وقادرة على لعب أدوار أمنية واقتصادية في محيطها الإقليمي.

ويحمل الاتفاق المرتقب بين الرباط وكوبنهاغن أبعاداً تتجاوز الموقف السياسي من قضية الصحراء. فقد بحث الوزيران التعاون في مجالات الأمن وتسليم المجرمين، إلى جانب إنشاء غرفة للتجارة، فيما يتوقع أن تشكل الشراكة الاستراتيجية إطاراً أوسع للحوار السياسي والتعاون الاقتصادي والاستثماري وقضايا المناخ.

التحول في الموقف الدنماركي من الصحراء يعكس اتجاهاً نحو مقاربة أكثر انسجاماً مع منطق الشرعية الدولية والحلول السياسية الواقعية

وتكتسب الشراكة الأمنية أهمية خاصة في ظل تصاعد التحديات العابرة للحدود في شمال إفريقيا والساحل، وهي ملفات باتت تحظى بأولوية متزايدة لدى العواصم الأوروبية.

وفي هذا السياق، اتفق المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي مع مدير الشرطة ورئيس الوحدة الوطنية المختصة بمكافحة الجريمة المنظمة في الدنمارك على أولوية التوقيع قريباً على مذكرة تفاهم مشتركة، بما يوفر إطاراً لتطوير التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والتطرف.

وهنا تبرز إحدى أهم نقاط التحول في العلاقة: فالمغرب لا يقدم نفسه فقط كشريك تجاري أو دبلوماسي، وإنما كشريك أمني يمكن الاعتماد عليه في مواجهة المخاطر القادمة من الجنوب.

ويرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية والدولية هشام معتضد أن التحول في مواقف دول شمال أوروبا يعكس إعادة تقييم للعلاقات مع المغرب في ضوء المتغيرات الجيوسياسية، مشيراً إلى أن التقارب السياسي يمكن أن يفتح المجال أمام تعاون أوسع اقتصادياً وثقافياً وأمنياً.

ويأتي هذا التحول في وقت تبحث فيه أوروبا عن شركاء أكثر موثوقية في جوارها الجنوبي، سواء لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، أو لتأمين سلاسل الإمداد والاستثمار والطاقة.

ومن هذه الزاوية، يملك المغرب مجموعة من الأوراق التي تجعله شريكاً مهماً بالنسبة إلى أوروبا الشمالية: موقعه الجغرافي، علاقاته الأمنية المتقدمة مع عدد من الدول الأوروبية، وانفتاحه على الاستثمار، فضلاً عن حضوره المتزايد في إفريقيا.

وتشير الدينامية الحالية إلى أن ملف الصحراء قد يكون مدخلاً سياسياً لإعادة بناء علاقة أوسع، لكنه ليس سقفها. فالمغرب والدنمارك يتحركان نحو صيغة تعاون تجمع الموقف السياسي بالمصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية.

ويعني ذلك أن الرباط تسعى إلى تحويل التحولات في المواقف الأوروبية من قضية الصحراء إلى شبكة شراكات طويلة الأمد، بحيث يصبح الدعم السياسي جزءاً من علاقة مصالح متبادلة، وليس مجرد إعلان دبلوماسي.

أما كوبنهاغن، فتبدو بدورها معنية بتعزيز موقعها في الجناح الجنوبي لأوروبا عبر شريك تعتبره موثوقاً وقادراً على المساهمة في مواجهة تحديات الأمن والاستقرار في شمال إفريقيا والساحل.

وبهذا المعنى، فإن الشراكة المغربية الدنماركية المرتقبة لا تختزل في موقف جديد من الصحراء، وإنما تعكس تحولاً أوسع: المغرب يتحرك من موقع الشريك الجنوبي لأوروبا إلى موقع الشريك الاستراتيجي الذي تبحث عنه عواصم الشمال الأوروبي.