المغرب يسرّع تحديث مدفعيته بمنظومات هيمارس
الرباط – يمضي المغرب في تحديث سلاح المدفعية بوتيرة متسارعة، مع انتقاله تدريجياً من التركيز على زيادة عدد المنظومات إلى الاستثمار في قدرات أكثر دقة وحركة ومدى. ويأتي إدراج عشر منصات من منظومة الصواريخ المدفعية عالية الحركة «هيمارس» (HIMARS) المخصصة للقوات المسلحة الملكية ضمن برنامج الدعم الأميركي للسنة المالية 2027، ليقدم أول مؤشر رسمي واضح على دخول جزء من الصفقة الأميركية مرحلة التنفيذ العملي.
وتشير وثيقة تعاقدية تابعة للجيش الأميركي، مؤرخة في مايو الماضي، إلى المغرب ضمن متطلبات السنة المالية 2027 بعبارة تفيد بوجود عقد لـ10 منظومات HIMARS، إلى جانب دول أخرى من بينها أستراليا وإيطاليا وتايوان وبريطانيا. كما تتضمن الوثيقة ترتيبات للدعم الفني المرتبط بالمنظومات، بما في ذلك عمليات الإنتاج والفحص والصيانة.
ويعيد ذلك إلى الواجهة الصفقة التي وافقت عليها واشنطن في أبريل 2023، والتي شملت طلب المغرب شراء 18 منصة M142 HIMARS إلى جانب 40 صاروخاً تكتيكياً من طراز ATACMS و72 صاروخاً من منظومة GMLRS بأنواع مختلفة، فضلاً عن مركبات وتجهيزات للقيادة والسيطرة، بقيمة تقديرية إجمالية بلغت 524.2 مليون دولار.
ولا تكمن أهمية HIMARS في إضافة منصات جديدة إلى الترسانة المغربية فحسب، وإنما في طبيعة القدرة التي توفرها. فالمنظومة مصممة لإطلاق ذخائر موجهة بعيدة المدى مع الاحتفاظ بدرجة عالية من الحركة، ما يسمح بتغيير مواقعها بسرعة وتقليل تعرضها للاستهداف بعد تنفيذ الضربة.
وهذا التحول يعكس اتجاهاً أوسع في الحروب الحديثة، حيث لم تعد قيمة المدفعية تقاس بعدد القطع الموجودة فقط، وإنما بقدرتها على اكتشاف الهدف وتحديده وضربه بدقة ثم إعادة الانتشار.
وكانت الولايات المتحدة قد ربطت الموافقة على الصفقة بتعزيز قدرة المغرب على مواجهة التهديدات، وأمن حدوده، ورفع قابلية التشغيل المشترك بين القوات المسلحة الملكية والقوات الأميركية.
ويقول الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية محمد الطيار إن الاهتمام المغربي بالمدفعية يرتبط بطبيعة البيئة الجغرافية والأمنية المحيطة بالمملكة، معتبراً أن امتلاك قدرات نيران بعيدة المدى يوفر للقوات المسلحة أداة مهمة للتعامل مع التهديدات المحتملة.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن إضافة HIMARS إلى منظومة المدفعية تعني تعزيز القدرة على التعامل مع أهداف بعيدة، مع الاستفادة من منظومات الاستشعار والاتصال والقيادة والسيطرة المرتبطة بها. وهو ما يجعل الصفقة جزءاً من تحول أكبر في مفهوم المدفعية المغربية، وليس مجرد شراء منصة صاروخية جديدة.
ويأتي دخول HIMARS في وقت يمتلك فيه المغرب بالفعل قاعدة مدفعية كبيرة. فقد صنف موقع «إنسايدر مانكي» المغرب في المرتبة العشرين عالمياً في قوة المدفعية وفق بيانات استندت إلى أرقام من مؤشر Global Firepower، مع نحو 1,079 وحدة، بينها 565 مدفعية ذاتية الحركة و306 مدفعيات مقطورة و208 منصات صاروخية.
ورغم أن هذه التصنيفات تجمع بين الكم والقدرات التقنية ولا تعكس وحدها القوة الفعلية لأي جيش، فإنها تعطي مؤشراً على الحجم الذي بلغه سلاح المدفعية المغربي. وتضيف HIMARS إلى هذه القوة عاملاً نوعياً يتمثل في الجمع بين الحركة والدقة والمدى.
وتكتسب هذه القدرة أهمية أكبر في ظل اتجاه الجيوش الحديثة إلى توزيع القوة النارية بدلاً من تركيزها في مواقع ثابتة، خصوصاً مع انتشار الطائرات المسيرة ووسائل الاستطلاع التي تجعل المدفعية التقليدية أكثر عرضة للكشف والاستهداف.
توطين الصناعات المرتبطة بالمدفعية والأنظمة الإلكترونية المصاحبة يقلل الاعتماد على الخارج ويخفض كلفة التشغيل والصيانة
كما تحمل الصفقة بعداً يتجاوز تحديث الترسانة المغربية إلى تعميق العلاقة العسكرية بين الرباط وواشنطن. فـHIMARS منظومة أميركية مرتبطة بشبكات القيادة والسيطرة والاستطلاع، وإدخالها إلى الخدمة يمكن أن يعزز قدرة القوات المغربية على العمل ضمن تدريبات وعمليات مشتركة مع القوات الأميركية.
ويكتسب ذلك أهمية في ظل التدريبات العسكرية المنتظمة بين البلدين، وفي مقدمتها مناورات «الأسد الأفريقي»، التي تحولت إلى إحدى أبرز ساحات التعاون العسكري الأميركي المغربي في القارة الأفريقية.
وبذلك، لا تشتري الرباط منصة إطلاق وصواريخ فقط، وإنما تدخل معها إلى منظومة أوسع من التدريب والصيانة والاتصالات والدعم الفني، وهو ما يرفع الكلفة الأولية لكنه يزيد أيضاً من القيمة العملياتية للمنظومة على المدى الطويل.
لكن الرهان المغربي لا يبدو محصوراً في شراء الأسلحة المتقدمة. فالمسار الذي تسلكه المملكة خلال السنوات الأخيرة يجمع بين اقتناء التكنولوجيا الأجنبية ومحاولة تطوير قاعدة صناعات دفاعية محلية قادرة على الصيانة والإنتاج وتوفير بعض مكونات المنظومات.
ويرى الطيار أن توطين الصناعات المرتبطة بالمدفعية والأنظمة الإلكترونية المصاحبة لها يمكن أن يقلل الاعتماد على الخارج ويخفض كلفة التشغيل والصيانة، فضلاً عن إمكانية تحويل المغرب مستقبلاً إلى مركز إقليمي لصيانة وتطوير بعض الأنظمة الدفاعية.
وهنا تصبح HIMARS جزءاً من معادلة أكبر: كيف يمكن للمغرب أن يستخدم صفقات التسليح المتقدمة لبناء معرفة وقدرات محلية، بدلاً من الاكتفاء بدور المستورد؟
ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه الرباط إلى توسيع بنيتها الدفاعية والصناعية، مستفيدة من شراكات مع شركات دولية ومن موقعها الجغرافي كبوابة للأسواق الأفريقية.
مدفعية تتحرك بسرعة أكبر
لا يعني إدراج 10 منصات ضمن برنامج الدعم الأميركي للسنة المالية 2027 أن جميع تفاصيل التسليم النهائي للصفقة أصبحت معلنة، كما أن مصير المنصات الثماني المتبقية وجدول تسليمها لم يُحدد رسمياً في الوثيقة المتاحة. لكن المؤشر الأميركي الجديد يؤكد أن الصفقة انتقلت من مرحلة الإعلان عنها في 2023 إلى مرحلة تنفيذية أكثر وضوحاً.
وتكشف هذه الخطوة عن اتجاه واضح في استراتيجية تحديث القوات المسلحة الملكية: زيادة الدقة والحركة والمدى بدلاً من الاكتفاء بتكديس المنظومات.
ومع دخول HIMARS تدريجياً إلى حسابات القوة النارية المغربية، تبدو المدفعية أمام تحول نوعي؛ من سلاح يعتمد أساساً على الكثافة النارية إلى منظومة مرتبطة بالاستطلاع والاتصالات والبيانات والضربات الدقيقة.
وبذلك، فإن قصة HIMARS في المغرب لا تتعلق فقط بـ18 منصة صاروخية، وإنما بمحاولة بناء ذراع نيران حديثة قادرة على الحركة السريعة والضرب الدقيق والعمل ضمن شبكة عسكرية متكاملة، بالتوازي مع طموح أكبر لتحويل تحديث الجيش إلى قاعدة لصناعة دفاعية مغربية ذات حضور إقليمي.