المغرب يرفع مستوى النقاش مع إسبانيا
أصدرت وزارة الشؤون الخارجية المغربية في 10 سبتمبر/أيلول توضيحات بشأن التطورات الأخيرة في العلاقات مع إسبانيا، أعادت فيها تثبيت مرجعية الشراكة بين البلدين، بالتوازي مع رفض توظيف المغرب في الصراعات السياسية والإعلامية الداخلية. لكن القراءة الأهم للبلاغ لا توجد فقط في المواقف التي أعلنها، بل في الطريقة التي أعاد بها ترتيب مستويات النقاش ومن يتحمل مسؤولية كل مستوى.
يبدأ البلاغ من اختيار المملكة “بشكل سيادي” بناء علاقة مع إسبانيا تقوم على حسن الجوار والتفاهم السياسي والشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني. استخدام مفهوم الاختيار السيادي ليس تفصيلا لغويا، فهو يضع الشراكة في موقع القرار الاستراتيجي الذي اتخذته دولة وفق تقديرها لمصالحها، لا في موقع تنازل فرضته أزمة أو ظرف عابر.
وهنا يظهر معنى “الدولة الأمة” بعيدا عن أي استعراض للتاريخ. فالمؤسسة الملكية تمثل مركز الاستمرارية السياسية والمؤسساتية في المغرب، وتضطلع بدور محوري في رسم التوجهات الكبرى للدولة، خصوصا في القضايا السيادية والعلاقات الخارجية. ومن هذا المركز تستمد الخيارات الإستراتيجية للمملكة امتدادها الذي يتجاوز عمر الحكومات والدورات الانتخابية، ضمن دولة راكمت استمرارية تاريخية ومؤسساتية ممتدة. لذلك تبدو الرباط، في البلاغ، منشغلة بحماية الإطار الذي يحكم العلاقة أكثر من انشغالها بكسب جولة في الجدل الدائر حولها.
◄ الرباط ترفض أن تتحول العلاقة معها إلى أداة يعاد تسعيرها وفق حاجات السياسة الداخلية الإسبانية، أو أن يصبح المغرب الجواب الأسهل كلما تعقد سؤال داخلي أصعب
حتى استحضار إعلان 7 أبريل/نيسان 2022 ينصبّ في هذا الاتجاه. الخارجية لا تقدمه باعتباره نهاية للخلافات، بل كمنهج لإدارتها. والعبارة الدقيقة هنا هي أن البلدين استطاعا “تطويق خلافاتهما” ومعالجتها برصانة واحترام وبعيدا عن فرض الأمر الواقع. أي أن قوة العلاقة لا تقاس بانعدام الخلاف، وإنما بقدرة الدولتين على منعه من ابتلاع بقية المصالح.
هذه النقطة تصبح أكثر وضوحا في الملف الأمني. فمنذ 2014، نفذ البلدان أزيد من 40 عملية مشتركة لمكافحة الإرهاب، أسفرت عن توقيف 174 شخصا، 112 منهم في إسبانيا. كما راكمت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني DGST إشادات إسبانية واسعة بدورها في مكافحة الشبكات الإرهابية والتطرف العنيف.
ووشحت إسبانيا السيد عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، بوسام الاستحقاق الشرطي سنة 2014، ثم منحته وسام الصليب الأكبر للاستحقاق للحرس المدني، الذي تسلمه شخصيا في مدريد في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. والأكثر إثارة للمفارقة أن الحرس المدني وشح، في 2 يوليو/تموز 2026 وقبل أحداث سبتة المحتلة بأسابيع قليلة، ثمانية من مسؤولي وأطر قطب DGSN-DGST تقديرا للتعاون الأمني بين البلدين.
هذه الوقائع تجعل من الصعب التعامل مع بعض السرديات التي ظهرت لاحقا كما لو أنها امتداد طبيعي لتقييم أمني إسباني ثابت تجاه المغرب. المغزى يتجاوز الأرقام نفسها. التعاون في مكافحة الإرهاب من أكثر مجالات العلاقات بين الدول حساسية، لأنه يقوم على معلومات وعمليات وثقة لا تحتمل المجاملة. فإذا كانت مؤسسات البلدين قادرة على بناء هذا المستوى من الاعتماد المتبادل عندما يتعلق الأمر بحماية الأرواح والأمن القومي، يصبح من المشروع التساؤل عن الفجوة بين هذا الواقع وبين صورة المغرب التي يعاد إنتاجها أحيانا في جزء من النقاش السياسي الإسباني.
لكن أكثر فقرات البلاغ حساسية ربما هي تلك التي تجاوزت الأحزاب والإعلام إلى الحديث عن “مؤسسات تشريعية وقضائية موقرة” تتبنى “مبادرات غير موفقة تغذي الخلاف”. اختيار وصف “الموقرة” مهم بقدر أهمية الانتقاد نفسه. المغرب لا يطعن في شرعية المؤسسات ولا ينازعها اختصاصاتها، بل يفصل بين احترام المؤسسة والتحفظ على ما يصدر عنها.
السياق يسمح بفهم خلفية هذه الإشارة من دون الجزم بأن الخارجية قصدت ملفا بعينه. ففي المؤسسة التشريعية، برزت مبادرات تعيد فتح قضايا شديدة الحساسية في العلاقة مع المغرب، وفي المجال القضائي اتجهت بعض المسارات المرتبطة بأحداث سبتة المحتلة إلى استعمال توصيفات وفرضيات تتجاوز الوقائع الميدانية إلى أسئلة السيادة والمسؤولية. هنا لا يصبح الأمر مجرد نقاش سياسي، بل انتقالا محتملا لبعض السرديات من المجال الإعلامي والحزبي إلى فضاء قادر على إنتاج أثر قانوني ومؤسساتي.
◄ المغرب لم يرفع نبرة الحديث مع إسبانيا لقد رفع مستوى النقاش إلى حيث يفترض أن يكون بين دولتين ستبقيان جارتين بعد أن تنتهي كل هذه السجالات
وهذه هي النقطة الأعمق في هذه الفقرة. فالخطاب السياسي قد يتغير مع تغير المزاج الانتخابي، والعنوان الصحفي يختفي مع دورة أخبار جديدة، لكن الأمر يصبح مختلفا عندما تدخل الفرضية نفسها إلى مؤسسة تشريعية أو قضائية. عندها لا يعود المغرب أمام مجرد صورة سلبية في النقاش الإسباني، بل أمام احتمال أن تتحول روايات متنازع عليها إلى عناصر مؤثرة في صناعة القرار وفي بنية العلاقة بين الدولتين.
وهذا يفسر أيضا التدرج المقصود في البلاغ. فقد بدأ بالأوساط السياسية والإعلامية، ثم انتقل إلى الأحزاب التاريخية، قبل أن يصل إلى المؤسسات التشريعية والقضائية. المسألة ليست قائمة خصوم، بل تنبيه إلى مسار يمكن أن ينتقل فيه التوظيف من السجال السياسي إلى المجال المؤسساتي.
وفي ملف سبتة، اختارت الرباط تغيير موقع السؤال. لم تكتف برفض اتهام السلطات المغربية في غياب دليل يثبت تورطها، بل سألت لماذا لا تتم إعادة المهاجرين غير النظاميين رغم استعداد المغرب لاستقبالهم، ولماذا يستمر إبعاد القاصرين غير المصحوبين عن أسرهم رغم طلب إعادتهم. بهذه الصيغة لا تبقى المسؤولية مركزة في اتجاه واحد، ولا يبقى المغرب مطالبا وحده بتفسير كل ما حدث.
من هنا تأتي عبارة رفض المملكة أن تصبح “أصلا تجاريا قبيل الانتخابات” أو “كبش فداء” لتصفية حسابات سياسوية. المقصود أوسع من الدفاع عن السمعة. الرباط ترفض أن تتحول العلاقة معها إلى أداة يعاد تسعيرها وفق حاجات السياسة الداخلية الإسبانية، أو أن يصبح المغرب الجواب الأسهل كلما تعقد سؤال داخلي أصعب.
ولهذا كانت خاتمة البلاغ شديدة الدقة. الجوار الجغرافي معطى ثابت، لكن تحويله إلى رافعة للمستقبل يحتاج إلى شجاعة وبعد نظر. هنا يظهر جوهر فكرة الدولة الأمة. فالجغرافيا لا تتبدل مع الحكومات، والمصالح الكبرى لا ينبغي أن يعاد تعريفها عند كل أزمة، والسياسة الرصينة هي التي تمنع الحسابات القصيرة من استنزاف علاقات طويلة المدى.
إن المغرب لم يرفع نبرة الحديث مع إسبانيا. لقد رفع مستوى النقاش إلى حيث يفترض أن يكون، بين دولتين ستبقيان جارتين بعد أن تنتهي كل هذه السجالات.