المغرب يرسخ موقعه كقوة صاعدة في صناعة السيارات

النموذج المرتكز على المناطق الصناعية والتصدير يمنح البلد ميزة تنافسية تتيح الربط العالمي في سلاسل الإنتاج والإمداد.
الجمعة 2026/05/08
إنتاج بمعايير الجودة العالمية

الرباط- تؤكد أحدث التقييمات الدولية أن المغرب واصل في ترسيخ موقعه كقوة صاعدة في صناعة السيارات على المستويين الأفريقي والعالمية، مدفوعًا بسياسات صناعية موجهة واستثمارات أجنبية متزايدة، جعلت من القطاع أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي.

ويعكس هذا التطور المتسارع نجاح إستراتيجية الحكومة في بناء منظومة إنتاج متكاملة تستفيد من القرب الجغرافي من السوق الأوروبية، ومن توسع البنية التحتية الصناعية، ما عزز قدرة البلاد على التحول إلى منصة تنافسية في سلاسل القيمة العالمية للقطاع.

وأظهر تقرير حديث للبنك الدولي أن قطاع في المغرب يقدم نموذجًا بارزًا لكيفية مساهمة السياسات الصناعية المصممة بعناية في تحقيق نمو قطاعي قوي ومستدام.

المغرب يجسد نموذج دولة بحيز مالي محدود نسبيًا، فقد وظف أدوات متنوعة بكفاءة، مدعومًا بموقعه الجغرافي، ما منحه مرونة الوصول إلى الأسواق

وسجل إنتاج السيارات نموًا سنويًا يقارب 14 في المئة بين عامي 2012 و2024، ما سمح للمغرب بالاقتراب من جنوب أفريقيا كأكبر منتج للمركبات في القارة، مع تضاعف القيمة المضافة للقطاع بين عامي 2019 و2022.

وأوضح التقرير، الصادر ضمن دراسة حول "تحديث اقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان"، أن هذا التطور اللافت لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة سياسة صناعية استباقية.

وقد اعتمدت تلك السياسة على رؤية شاملة تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خصوصًا من الشركات العالمية المصنعة للمعدات الأصلية.

ويتم ذلك من خلال حزمة من الأدوات شملت تطوير المناطق الصناعية الخاصة والمجمعات الاقتصادية، وتقديم الحوافز، إلى جانب الاستثمار في تدريب وتأهيل اليد العاملة.

وأشار البنك الدولي إلى أن المغرب يجسد نموذج دولة بحيز مالي محدود نسبيًا، إذ استطاع توظيف أدوات صناعية متنوعة بكفاءة، مدعومًا بموقعه الجغرافي القريب من السوق الأوروبية، ما منح الشركات العاملة فيه إمكانية الوصول إلى سوق تصديري واسع.

وسمح هذا العامل للحكومة بتبني إستراتيجية قائمة على التصدير، مع التركيز على تطوير المهارات كعنصر محوري في دعم تنافسية القطاع، عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال التدريب المهني.

وسلط التقرير الضوء على الدور المهم الذي لعبه القطاع الخاص في صياغة السياسات وتنفيذها، من خلال آليات مؤسساتية مثل الجمعية المغربية لصناعة وتجارة السيارات (أميكا).

وساهمت أميكا في مواءمة الأهداف الإستراتيجية مع احتياجات الشركات، ولعبت دورًا أساسيًا في تطوير الكفاءات البشرية وتوجيه مسار تطور القطاع.

ولتعزيز موقعه الصناعي إقليميًا ودوليًا، واصل المغرب جذب استثمارات كبرى، حيث افتتحت مجموعة ستيلانتيس العالمية مركزًا لتفكيك السيارات بالدار البيضاء، الأول من نوعه في المنطقة والثالث عالميًا بعد مركزي تورينو في إيطاليا وساو باولو في البرازيل.

ويأتي المشروع ضمن إستراتيجية الاقتصاد الدائري التي تعتمدها الشركة عبر وحدتها المتخصصة ساستينيرا، لإعادة استخدام وتدوير قطع الغيار، وتقليل الهدر داخل سلسلة القيمة الصناعية، مع توجيه الإنتاج نحو أسواق المغرب وأفريقيا.

إدريس الفينة: بناء قاعدة جيو - اقتصادية أكثر صلابة مرتبط بالقدرة على مواءمة العرض الصناعي مع متطلبات الأسواق الجديدة

ويهدف هذا التوجه إلى تحويل المغرب إلى منصة إقليمية لأنشطة إعادة تدوير المركبات، بما يعزز قدراته في خدمات ما بعد البيع ويضيف بعدًا جديدًا للصناعة القائمة على الاستدامة.

كما يعكس هذا المشروع تحولًا نوعيًا في طبيعة الاستثمارات، من التصنيع التقليدي إلى نماذج صناعية أكثر تكاملًا وارتباطًا بالاقتصاد الدائري.

واعتبر إدريس الفينة، رئيس المركز المستقل للتحليلات الإستراتيجية، في تصريح لـ"العرب"، أن المغرب يسعى إلى بناء قاعدة جيو - اقتصادية أكثر صلابة.

غير أن الخبير المغربي ربط نجاح هذا الطموح بمدى قدرة البلد على مواءمة عرضه الصناعي مع متطلبات الأسواق الجديدة، سواء من حيث المواصفات التقنية أو الأسعار أو آليات التسويق.

وأوضح أن الإستراتيجية الصناعية المغربية تقوم على توسيع الشراكات مع المستثمرين العالميين الذين يتخذون من المغرب قاعدة إنتاج، بهدف تنويع المنتجات وتوجيه جزء من الإنتاج نحو أسواق غير تقليدية.

وشدد في الوقت ذاته على أن هذا التحول يتطلب مرونة أكبر في التعامل مع متغيرات الأسواق العالمية، بعيدًا عن النموذج التقليدي المرتبط بشكل أساسي بالسوق الأوروبية.

وتتوقع وزارة الصناعة أن تسهم المشاريع الجديدة في توفير أكثر من 3 آلاف فرصة عمل إضافية، إلى جانب 3500 وظيفة قائمة في مصنع القنيطرة.

كما أشارت إلى أن مشتريات ستيلانتيس من الموردين المحليين قد تتجاوز 6 مليارات يورو بحلول عام 2030، مع بلوغ معدل الإدماج المحلي نحو 75 في المئة، ما يعكس تنامي الاعتماد على المكونات المحلية في الصناعة.

ورصد تقرير البنك الدولي أن الاستثمار الأجنبي المباشر شكل الركيزة الأساسية في تطوير قطاع السيارات المغربي، حيث تمحورت السياسة الصناعية حول جذب الشركات العالمية والموردين، رغم صعوبة فصل أثر هذه السياسة عن عوامل أخرى.

وأظهرت استطلاعات للشركات متعددة الجنسيات أن القرب من السوق الأوروبية، وجودة وتكلفة اليد العاملة، كانت من أبرز دوافع الاستثمار، إلى جانب دور المناطق الصناعية والحوافز الضريبية والبنية التحتية.

4.55

مليار دولار حجم الصادرات بنمو بلغ 12.1 في المئة مع نهاية مارس الماضي مع توقعات بإنتاج 700 ألف مركبة هذا العام

وفي هذا الإطار، شدد الفينة على أن تعزيز تنافسية القطاع يتطلب تعميق الاندماج الصناعي المحلي، إذ لا تزال الصناعة تعتمد على استيراد مكونات رئيسية مثل البطاريات والمحركات، وهي عناصر مرتفعة التكلفة.

واعتبر أن توطين هذه الصناعات من شأنه أن يمنح المغرب ميزة تنافسية أكبر ويرفع القيمة المضافة المحلية، إضافة إلى تعزيز المحتوى التكنولوجي للمنتجات المغربية.

وسجلت صادرات قطاع السيارات المغربي بدورها أداءً قويًا، حيث تجاوزت 42 مليار درهم (حوالي 4.55 مليار دولار) بنمو بلغ 12.1 في المئة مع نهاية مارس الماضي، في مؤشر على استمرار الزخم الصناعي وتزايد جاذبية البلد كمركز إنتاج عالمي.

كما تتوقع تقارير صناعية أن يصل إنتاج المحلي إلى نحو 700 ألف مركبة خلال عام 2026، ما يعزز موقعه كمنافس متصاعد في مواجهة مراكز صناعية أوروبية تقليدية، خاصة في شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال).

ويعكس هذا المسار المتسارع أن المغرب يتحول تدريجيًا إلى نقطة صناعية مهمة في سلاسل الإنتاج العالمية، مدفوعًا بمزيج من الاستثمارات والسياسات الموجهة نحو التصدير، في وقت يتجه فيه قطاع السيارات عالميًا نحو إعادة تشكيل خارطة الإنتاج والتوزيع.