المغرب يدخل قلب سباق الاستثمارات الاستراتيجية في إفريقيا
يدخل المغرب مرحلة جديدة في سباق جذب الاستثمارات الأجنبية إلى إفريقيا، مع انتقال اهتمام المستثمرين الدوليين تدريجياً من القطاعات التقليدية إلى مجالات ترتبط مباشرة بإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين والتصنيع المتقدم واللوجستيك والبنيات التحتية وسلاسل الإمداد.
وتضع منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» المغرب ضمن مجموعة من الاقتصادات الإفريقية التي نجحت في جذب اهتمام المستثمرين إلى قطاعات استراتيجية صاعدة، في وقت تشهد فيه خريطة الاستثمار العالمي تحولات عميقة بفعل التحول الطاقي، والتنافس على المعادن الحيوية، وإعادة توزيع سلاسل الإنتاج، وتسارع الاستثمار في التكنولوجيا والبنيات التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ولا يتعلق الأمر، وفق مؤشرات تقرير الاستثمار العالمي 2026، بزيادة حجم الأموال المتدفقة إلى إفريقيا فقط، بل بتغير طبيعة المشاريع نفسها. فقد تراجعت القيمة الإجمالية لمشاريع الاستثمار الجديدة «Greenfield» في القارة بنحو الثلث خلال 2025، مقابل ارتفاع عدد المشاريع المعلنة، بما يعكس توجهاً نحو مشاريع أكثر عدداً وأقل حجماً، لكنها تستهدف في جانب منها قطاعات ذات أهمية استراتيجية طويلة الأمد.
وتزامن ذلك مع تزايد حضور مستثمرين من دول الخليج وعدد من الاقتصادات الآسيوية في إفريقيا، خصوصاً في الطاقة واللوجستيك والعقار والبنيات التحتية، في ظل احتدام المنافسة الدولية على مواقع الإنتاج الجديدة والموارد الاستراتيجية ومسارات التجارة.
وتبرز ضمن هذه المنافسة مشاريع مرتبطة بالهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة والتصنيع واللوجستيك، وهي قطاعات تراهن عليها الرباط بقوة خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من موقعها الجغرافي القريب من أوروبا، وشبكة البنيات التحتية، وتطور صناعات السيارات والطيران، فضلاً عن توسع موانئها ومناطقها الصناعية.
إفريقيا تجذب المستثمرين رغم التراجع
المغرب حافظ على موقع متقدم إفريقياً في مجالات الطاقات المتجددة والبنيات التحتية الصناعية واللوجستية والتحول الرقمي والرياضة، ما يجعله بوابة استراتيجية نحو القارة
ورغم تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إفريقيا مقارنة مع المستوى الاستثنائي المسجل في 2024، حافظت القارة على قدرة جذب مرتفعة نسبياً. فقد استقطبت نحو 70 مليار دولار خلال 2025، وهو ثالث أعلى مستوى تسجله منذ عام 1990، وأعلى بنحو الثلث من المتوسط طويل الأجل.
وتكشف هذه الأرقام أن إفريقيا لا تزال تحتفظ بجاذبيتها الاستثمارية، لكن طبيعة المنافسة تتغير. فالمستثمرون لا يبحثون فقط عن أسواق استهلاكية جديدة، وإنما عن مواقع يمكن أن تكون جزءاً من سلاسل إنتاج عالمية جديدة، خصوصاً في الطاقة والتصنيع واللوجستيك والمعادن والتكنولوجيا.
وتؤكد الأونكتاد أن القطاعات الاستراتيجية أصبحت تحتل موقعاً متزايداً في قرارات المستثمرين حول العالم، بعدما بلغت حصتها 44 في المائة من القيمة العالمية لمشاريع الاستثمار الجديدة خلال 2025، مقابل 16 في المائة فقط في 2020.
وخلال خمس سنوات، ارتفعت قيمة المشاريع المعلنة في هذه القطاعات من نحو 109 مليارات دولار إلى 576 مليار دولار، مدفوعة خصوصاً بالاستثمارات في البنيات التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية وتقنيات الانتقال الطاقي والتصنيع المتقدم.
ويعني ذلك أن المعركة المقبلة بين الاقتصادات لن تكون فقط على جذب رؤوس الأموال، وإنما على جذب المشاريع التي تصنع القدرة الإنتاجية المستقبلية.
المغرب يراهن على موقعه الصناعي
في هذا السياق، تبدو الاستراتيجية المغربية أكثر ارتباطاً بتحول الاقتصاد العالمي من مجرد البحث عن تدفقات مالية إلى محاولة تثبيت المملكة كمركز للإنتاج والتصدير وربط الأسواق.
ويقول رشيد ساري، رئيس المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، لـ«العرب»، إن استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية يعكس ثقة المستثمرين في القدرات التنافسية للمغرب، مشيراً إلى عوامل من بينها ميثاق الاستثمار الجديد، وتحسن مناخ الأعمال، وتطور المناطق الاقتصادية والصناعية.
ويضيف أن المغرب أصبح محوراً صناعياً في إفريقيا، خصوصاً في صناعات السيارات والطائرات، معتبراً أن المملكة، رغم التحديات البيئية، توجد في موقع قوي يؤهلها للعب دور قيادي في التصنيع القاري.
وتعزز هذا المسار نتائج مؤشر أداء الاستثمار الأجنبي المباشر في المشاريع الجديدة لعام 2026 الصادر عن مؤسسة «fDi Intelligence» التابعة لمجموعة «فايننشال تايمز»، والذي وضع المغرب في المرتبة السابعة عالمياً.
6
في المائة نسبة ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً خلال 2025
وسجلت المملكة 4.11 نقاط في المؤشر، لتأتي ضمن أفضل عشر دول في العالم من حيث قدرتها على استقطاب مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة مقارنة بحجم اقتصادها، وهو مؤشر على تنامي جاذبيتها للمشاريع الإنتاجية ذات القيمة المضافة.
ولا تكمن أهمية هذا التصنيف في الترتيب وحده، وإنما في طبيعته؛ فهو يقيس قدرة الاقتصادات على جذب مشاريع جديدة، بما يعني أن المغرب لا يراهن فقط على الاستثمارات القائمة، بل يحاول توسيع قاعدة المشاريع التي تستهدف الإنتاج والتصدير وإدماج الشركات في سلاسل القيمة.
ويقول رئيس مركز التفكير «مبادرة السياسات من أجل التنمية الاقتصادية» (PIED Africa) إن المغرب حافظ على موقع متقدم إفريقياً في مجالات الطاقات المتجددة والبنيات التحتية الصناعية واللوجستية والتحول الرقمي والرياضة، معتبراً أن المملكة تشكل بوابة استراتيجية نحو القارة.
ويعكس هذا التوجه محاولة بناء معادلة مزدوجة: استقطاب المستثمر الدولي إلى المغرب، ثم استخدام المملكة قاعدة للانطلاق نحو أسواق إفريقية أخرى.
التحدي.. ماذا يبقى داخل إفريقيا؟
لكن صعود الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية يطرح تحدياً يتجاوز قدرة الدول على جذب رؤوس الأموال. فالأونكتاد تحذر من أن نجاح الاستثمار لا يقاس فقط بحجم الأموال الداخلة، وإنما بمدى تحوله إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد المحلي.
وتحتاج الاقتصادات الإفريقية، وفق المنظمة، إلى ربط المشاريع الأجنبية بالتصنيع المحلي، ومعالجة المواد، وتطوير الموردين الوطنيين، وبناء سلاسل قيمة إقليمية قادرة على تحويل الاستثمارات إلى وظائف ونقل للتكنولوجيا ورفع للقدرات الصناعية.
وهذا التحدي يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، الذي انتقل خلال السنوات الأخيرة من استراتيجية تقوم أساساً على جذب المستثمرين إلى المناطق الصناعية إلى محاولة بناء منظومات إنتاج متكاملة، خصوصاً في قطاعات السيارات والطيران والطاقة.
فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة المملكة على الانتقال من استضافة المشاريع إلى تعميق أثرها الاقتصادي، ومن كونها موقعاً للإنتاج إلى كونها مركزاً إقليمياً للابتكار والتصنيع وإعادة التصدير.
القيمة الإجمالية لمشاريع الاستثمار الجديدة "Greenfield" في القارة تراجعت بنحو الثلث خلال 2025، مقابل ارتفاع عدد المشاريع المعلنة
ويأتي ذلك في وقت ارتفع فيه الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 6 في المائة خلال 2025، إلى نحو 1.6 تريليون دولار، منها 901 مليار دولار ذهبت إلى الاقتصادات النامية. لكن الأونكتاد تعتبر هذا التعافي هشاً وغير متكافئ، خصوصاً أن أكثر من 80 في المائة من التدفقات العالمية تركزت لدى أكبر 20 اقتصاداً مستقبلاً للاستثمار.
سباق على اقتصاد المستقبل
ويشير ذلك إلى أن المنافسة المقبلة ستكون أكثر صعوبة، إذ ستتجه الدول إلى تقديم حوافز أكبر لاستقطاب المشاريع المرتبطة بالطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم والمعادن الاستراتيجية.
وفي إفريقيا، تبدو فرص المغرب مرتبطة بقدرته على الاستفادة من هذه التحولات في الوقت نفسه الذي تعيد فيه الشركات العالمية رسم خرائط الإنتاج وسلاسل الإمداد. فالموقع الجغرافي، والبنية التحتية، والقدرات الصناعية، والانفتاح على الأسواق الأوروبية والإفريقية، يمكن أن تمنح المملكة أفضلية في هذه المنافسة.
لكن الحفاظ على هذه الأفضلية يتطلب الانتقال من منطق جذب الاستثمار إلى بناء منظومة استثمارية، بحيث لا تظل المشاريع الأجنبية جزرًا منفصلة داخل الاقتصاد، بل تصبح جزءاً من قاعدة صناعية أوسع مرتبطة بالشركات المحلية والمهارات والتكنولوجيا وسلاسل القيمة الإفريقية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية وضع الأونكتاد للمغرب ضمن الاقتصادات الإفريقية المستفيدة من موجة الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية. فالمنافسة لم تعد على استقطاب مصنع أو مشروع للطاقة فحسب، وإنما على تحديد الدول التي ستكون مواقع أساسية في الاقتصاد العالمي الجديد.
وإذا تمكن المغرب من تحويل جاذبيته الاستثمارية الحالية إلى قاعدة صناعية وتكنولوجية أعمق، فقد لا يكون الرهان فقط على احتلال موقع متقدم في خريطة الاستثمار الإفريقية، بل على أن يصبح إحدى المنصات التي تعيد الشركات العالمية من خلالها بناء حضورها في القارة.