المغرب يحذّر من الجيل الجديد للإرهاب ويدعو إلى إستراتيجية أفريقية استباقية

التنظيمات المتشددة تطور أدواتها الرقمية وتنقل مركز ثقلها إلى الساحل.
الثلاثاء 2026/07/28
دور مهم في مواجهة التهديدات

المغرب يرى أن التنظيمات الإرهابية لم تعد تعتمد فقط على السلاح والخلايا التقليدية، بل باتت توظف الذكاء الاصطناعي والتجنيد الإلكتروني والعملات الرقمية، ما يفرض تحديث أدوات المواجهة وبناء شراكة أفريقية قائمة على الوقاية والتنسيق الاستخباراتي. 

الرباط- لم يعد الخطر الإرهابي في أفريقيا يقاس بعدد الهجمات أو حجم التنظيمات المسلحة فحسب، بل بقدرتها المتزايدة على إعادة تشكيل أدواتها واستغلال التكنولوجيا الحديثة، إلى جانب إعادة تموضعها في منطقة الساحل، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر بؤر عدم الاستقرار في القارة. ومن هذا المنطلق دعا المغرب إلى مراجعة شاملة للمقاربة الأفريقية في مكافحة الإرهاب، تقوم على الانتقال من الاكتفاء بردود الفعل الأمنية إلى إستراتيجية استباقية تربط الأمن بالتنمية والحوكمة والتعاون القاري. 

وفي هذا السياق أكد السفير الممثل الدائم للمملكة لدى الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، محمد عروشي، في مداخلة باسم وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي، ناصر بوريطة، خلال الاجتماع الوزاري لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، أن الجماعات الإرهابية تواصل تطوير أساليب عملها، مستفيدة من التحولات التكنولوجية لتعزيز قدراتها في التجنيد والتمويل والتخطيط والتنفيذ، وهو ما يفرض تكييف الاستجابات الجماعية بما يواكب طبيعة التهديدات الجديدة. 

وذكر أن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحقق نتائج مستدامة إذا لم تترافق مع معالجة العوامل التي تغذي الإرهاب والتطرف العنيف، داعيا إلى جعل الوقاية ركيزة أساسية في المنظومة الأفريقية لمكافحة الإرهاب، وتعزيز آليات الإنذار المبكر والاستباق، وإدماج مؤشرات خاصة بالتطرف، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل المخاطر ورصد المحتويات المتطرفة. 

ويعكس هذا الطرح تحولا في طبيعة المواجهة مع التنظيمات الإرهابية، التي لم تعد تعتمد فقط على التدريب الميداني أو الاتصالات التقليدية، بل أصبحت تستثمر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل المشفرة والعملات الرقمية لتوسيع شبكاتها، وتأمين التمويل، واستقطاب عناصر جديدة، بما يجعل المواجهة الأمنية وحدها غير كافية لاحتواء التهديد.

محمد الطيار: التنظيمات الإرهابية طورت بصورة ملحوظة وسائل التجنيد الإلكتروني

وشدد عروشي على أن مكافحة الإرهاب لا يمكن فصلها عن سياسات التنمية البشرية والحكامة وتعزيز صمود المجتمعات، مذكّرا بأن المملكة طورت، بتوجيهات من العاهل المغربي الملك محمد السادس، إستراتيجية مندمجة تجمع بين تعزيز القدرات الأمنية والاستخباراتية، وتطوير الإطار القانوني، وترسيخ قيم الإسلام الوسطي المعتدل عبر تكوين الأئمة، إضافة إلى برامج الوقاية من التطرف وإعادة الإدماج، وتعزيز التعاون الدولي والأفريقي القائم على تبادل المعلومات وبناء القدرات والتضامن جنوب – جنوب. 

وتأتي هذه الرسائل في وقت تواصل فيه الأجهزة الأمنية المغربية تسجيل نجاحات متتالية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، بعدما تمكن المكتب المركزي للأبحاث القضائية، بناء على معلومات استخباراتية دقيقة وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، من إحباط مخططات إرهابية وصفت بأنها بالغة الخطورة، كانت تستهدف المملكة بتحريض مباشر من أحد قياديي تنظيم داعش بمنطقة الساحل الأفريقي. 

كما أعلنت السلطات الأمنية، خلال يوليو الجاري، تفكيك خلية إرهابية مكونة من عشرة أشخاص في سبع مدن مغربية، للاشتباه في ارتباطها بفرع تنظيم داعش في الساحل، مؤكدة أن عناصرها كانوا يخططون لتنفيذ عمليات تستهدف المساس الخطير بالنظام العام وأمن الأشخاص والممتلكات. 

ويرى خبراء أمنيون أن هذه العمليات تؤكد صحة التحذيرات التي ظل المغرب يوجهها منذ سنوات بشأن تصاعد المخاطر الإرهابية في منطقة الساحل، وتحولها إلى مصدر تهديد مباشر لأمن شمال أفريقيا وأوروبا، في ظل استمرار هشاشة الأوضاع الأمنية واتساع المناطق الخارجة عن سيطرة الدول. 

وقال محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية، إن “اليقظة الأمنية مكنت من إحباط مخططات مرتبطة بتنظيم داعش في الساحل”، معتبرا أن “ذلك يعكس جدية التهديد الذي تمثله التنظيمات الإرهابية الناشطة في المنطقة، سواء تنظيم داعش أو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة”. 

وأوضح، في تصريح لـ”العرب”، أن “التنظيمات الإرهابية طورت بصورة ملحوظة وسائل التجنيد الإلكتروني، وأصبحت تعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية لاستقطاب العناصر الجديدة، وجمع التمويلات، وتنسيق أنشطتها، رغم الجهود الدولية الرامية إلى تجفيف مصادر تمويل الإرهاب”. 

وأضاف أن “تنظيم داعش أعاد خلال السنوات الأخيرة تموضعه الإستراتيجي، ناقلا مركز ثقله من المشرق العربي إلى منطقة الساحل، ومستفيدا من هشاشة الحدود وضعف مؤسسات الدولة في عدد من بلدان المنطقة، وهو ما دفعه إلى تغيير تكتيكاته، عبر توجيه بعض عناصره إلى البقاء داخل المغرب بدلا من الالتحاق بمعاقله في الساحل، تمهيدا لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي”. 

وأشار الطيار إلى أن “التسجيلات المصورة التي عثرت عليها الأجهزة الأمنية، والتي تضمنت مبايعة أفراد الخلية لتنظيم داعش، كشفت عن تطور واضح في أساليب عمل التنظيم، الذي انتقل من نموذج الخلايا المحدودة إلى بنية أكثر تنظيما، تقوم على توزيع دقيق للأدوار بين مجموعات مختصة في الرصد والاستطلاع، واختيار الأهداف، وتأمين الدعم اللوجستي، واقتناء المعدات اللازمة لتنفيذ الهجمات”. 

ولفت إلى أن “من أبرز التحديات الأمنية الراهنة اتساع الملاذات الآمنة في منطقة الساحل، إلى جانب الاعتماد المتزايد على تطبيقات الاتصال المشفرة والعملات الرقمية في تمرير الأموال والتعليمات، الأمر الذي يفرض تحديثا مستمرا لقدرات الرصد والمتابعة، والاستثمار في التقنيات الحديثة لمواكبة التحولات المتسارعة التي تشهدها التنظيمات المتطرفة”. 

المغرب يدعو إلى مراجعة شاملة للمقاربة الأفريقية في مكافحة الإرهاب، تقوم على الانتقال من الاكتفاء بردود الفعل الأمنية إلى إستراتيجية استباقية

وفي الإطار نفسه، دعا المغرب إلى تعزيز برامج إزالة التطرف باعتبارها إحدى أدوات الوقاية، وإلى معالجة الأسباب العميقة للإرهاب من خلال مقاربة تربط بين السلم والأمن والتنمية، مع تعزيز دور الشباب والنساء، وإعداد مبادئ توجيهية أفريقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الوقاية من الإرهاب ومكافحته. 

كما أبرز إسماعيل الشقوري، مدير الشؤون العالمية بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي، خلال فعالية بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، أهمية إيصال صوت الضحايا الأفارقة للإرهاب إلى المحافل الدولية، وإبراز الجهود التي تبذلها الدول الأفريقية لدعمهم، بما يعكس اتساع المقاربة المغربية لتشمل البعد الإنساني إلى جانب الأبعاد الأمنية والتنموية. 

وتتقاطع هذه الرؤية مع تحذيرات تقرير حديث لمعهد روك للدراسات الجيوسياسية والأمنية، الذي نبه إلى المخاطر المتزايدة الناجمة عن توظيف الذكاء الاصطناعي من قبل الجماعات الإرهابية، داعيا إلى اعتماد مقاربة متعددة المسارات توازن بين تطوير أدوات مكافحة الإرهاب وصون الحقوق والحريات. 

ويؤشر الموقف المغربي على تحول في النقاش الأفريقي حول مكافحة الإرهاب، من التركيز على احتواء التهديدات بعد وقوعها إلى بناء منظومة استباقية قادرة على منع تشكلها منذ البداية. 

وفي ظل التشابك المتزايد بين الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتهديدات السيبرانية، تبدو الدعوة المغربية إلى إستراتيجية أفريقية شاملة محاولة لإعادة صياغة مفهوم الأمن القاري، على أساس أن حماية الاستقرار لم تعد مسؤولية أمنية فقط، بل أصبحت رهانا تنمويّا وتكنولوجيّا واستخباراتيّا مشتركا.

2