المغرب والبرتغال: كابل بحري لتعزيز أمن الطاقة

لشبونة تدرس مشروع الربط البحري بكلفة قد تصل إلى مليار يورو وتراهن على التمويل لإنجازه
الخميس 2026/09/10
المغرب محور لتبادل الطاقة

الرباط – أعادت تصريحات وزيرة البيئة والطاقة البرتغالية، ماريا دا غراسا كارفاليو، مشروع إنشاء كابل كهربائي بحري مباشر بين المغرب والبرتغال إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي، بعدما أكدت أن المشروع لا يزال قيد الدراسة والتباحث مع الجانب المغربي.

وأوضحت أن الانتقال إلى مراحل متقدمة يبقى مرتبطاً باهتمام المستثمرين الخواص أو بالحصول على دعم مالي من الاتحاد الأوروبي، في وقت تواصل فيه لشبونة تقييم الكلفة والجدوى الاقتصادية والتقنية لمشروع قد تصل كلفته إلى نحو مليار يورو.

وأكدت كارفاليو، في ردها على الصحافيين بمدينة كاسترو فيردي بمنطقة بيجا جنوب البرتغال، قبل مشاركتها في افتتاح مهرجان بالمدينة، أن السلطات البرتغالية تواصل تقييم المشروع الذي يقوم على إنشاء ربط كهربائي مباشر تحت البحر بين شبكتي البلدين، بما يمكن أن يوفر للبرتغال خياراً إضافياً لتأمين إمدادات الكهرباء.

وتأتي المباحثات بين البلدين في سياق بحث البرتغال عن خيارات إضافية لتعزيز قدرتها على التعامل مع حالات الطوارئ في منظومة الكهرباء، خصوصاً بعد انقطاع واسع للكهرباء شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية في أبريل من العام الماضي. وأبرز ذلك الانقطاع، وفق الوزيرة، أهمية تنويع مسارات الربط الكهربائي التي يمكن الاعتماد عليها في حال تعرض منظومة الربط القائمة لاضطرابات واسعة.

وتناولت صحيفة «جورنال إيكونوميكو» البرتغالية المشروع، واصفة إياه بأنه يمكن أن يشكل طريقاً سريعاً للكهرباء تحت البحر بين البرتغال والمغرب، في وقت قد يثير فيه إنشاء هذا الربط اهتماماً إسبانياً، بالنظر إلى الترابط القائم بين البرتغال وإسبانيا ضمن السوق الكهربائية الإيبيرية.

وقالت كارفاليو إن البرتغال جزء من السوق الكهربائية الإيبيرية إلى جانب إسبانيا، لكنها أشارت إلى أنه خلال انقطاع الكهرباء السابق اضطرت بلادها إلى إعادة تشغيل منظومتها بشكل منفرد. ومن وجهة نظرها، فإن وجود ربط كهربائي مباشر مع المغرب يمكن أن يشكل خياراً إضافياً في مثل هذه الحالات، خصوصاً عندما تكون شبكة الربط مع إسبانيا نفسها متأثرة بالانقطاع.

وتكشف تصريحات الوزيرة أن العقبة الرئيسية أمام المشروع لم تعد مرتبطة بالمبدأ السياسي للربط، وإنما بجدواه الاقتصادية ومصادر تمويله. وأكدت كارفاليو أن السلطات البرتغالية تجري حالياً الحسابات اللازمة قبل اتخاذ أي قرار بشأن الانتقال إلى مراحل لاحقة، مشددة على أن المشروع يتطلب استثمارات كبيرة وبنية تحتية بحرية متخصصة.

المشروع يمنح المغرب فرصة لتعزيز موقعه في منظومة الطاقة الإقليمية، خصوصاً مع سعيه إلى بناء روابط كهربائية جديدة مع أوروبا

ويقوم المشروع، وفق التصور البرتغالي، على إنشاء كابل كهربائي تحت البحر يتيح إقامة اتصال مباشر بين شبكتي الكهرباء في البلدين، بما يوفر للبرتغال خياراً إضافياً في مجال الإمدادات الكهربائية إلى جانب منظومة الربط القائمة مع إسبانيا. وتشير لشبونة إلى أن المباحثات الحالية تستهدف تحديد كلفة المشروع وفوائده وإمكانية إنجازه، مع بحث مصادر التمويل المتاحة.

ويؤكد إدريس الفينة، الخبير الاقتصادي، لـ«العرب»، أن هناك تمويلات دولية وجهات مانحة كثيرة تبدي استعداداً لدعم المشاريع التي تترك آثاراً مهمة على بنية اقتصادات الدول. ويرى أن بإمكان المغرب العمل على جذب استثمارات كبيرة مرتبطة برهانه على رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة من القدرة الكهربائية المنشأة بحلول 2030، بما يعزز موقعه كمحور محتمل لتبادل الطاقة بين أوروبا وأفريقيا.

وكانت كارفاليو قد شددت، خلال لقاء جمعها بوزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية ليلى بنعلي في يوليو الماضي بالعاصمة لشبونة، على أهمية المشروع بالنسبة إلى القارتين الأوروبية والأفريقية، مشيرة إلى أن البلدين يرغبان في تصنيف الربط الكهربائي بينهما كمشروع ذي اهتمام أوروبي مشترك.

وقالت الوزيرة البرتغالية إن البلدين سيتوجهان بطلب لعقد اجتماع مع ممثل عن المفوضية الأوروبية المكلفة بالطاقة، لتقديم المقترح وتقييم الفرص المتاحة من الجانب الأوروبي. ويعكس هذا المسار رغبة الرباط ولشبونة في نقل المشروع من مستوى التعاون الثنائي إلى إطار أوروبي أوسع، بما قد يفتح الباب أمام تمويلات ومساهمات مؤسساتية تساعد على تخفيف كلفته.

وتشير التقديرات السابقة إلى أن كلفة المشروع كانت تتجاوز 800 مليون يورو، غير أن هذا الرقم مرشح للتغير تبعاً لتطور تكاليف التنفيذ والمسار الذي سيمتد عبره خط الربط البحري. وأوضحت كارفاليو أن لشبونة فتحت باب إبداء الاهتمام أمام الشركات الخاصة، بما فيها شركات الطاقة والتوزيع، لتقديم مقترحاتها والانخراط في المشروع.

ومن الجانب المغربي، أكدت ليلى بنعلي أن البلدين يحرصان، من خلال هذا الورش، على ضمان خفض التكاليف، ولا سيما توفير الطاقة بأسعار معقولة لفائدة السكان ومختلف القطاعات الاقتصادية المعنية. كما أوضحت أن المغرب والبرتغال اتفقا على العمل بشكل متوازٍ على تعبئة التمويلات الأوروبية واستكشاف فرص مساهمة القطاع الخاص في إنجاز مشروع الربط الكهربائي، بما من شأنه تعزيز الأمن الطاقي والتعاون بين أوروبا وأفريقيا.

وتعكس العودة المتكررة إلى مسألة التمويل أن المشروع دخل مرحلة مختلفة، إذ لم يعد التحدي يتمثل في إعلان الرغبة السياسية في إنجازه، وإنما في إثبات قدرته على تحقيق عائد اقتصادي يبرر كلفته المرتفعة. فالكابل البحري يحتاج إلى استثمارات كبيرة ودراسات تقنية دقيقة، فيما يتطلب إشراك القطاع الخاص وضوحاً أكبر بشأن العائدات المتوقعة وآليات تشغيل الربط وتسعير الطاقة.

وفي المقابل، يمنح المشروع المغرب فرصة لتعزيز موقعه في منظومة الطاقة الإقليمية، خصوصاً مع توسعه في إنتاج الطاقات المتجددة وسعيه إلى بناء روابط كهربائية جديدة مع أوروبا. كما يوفر للبرتغال، من الناحية الاستراتيجية، مساراً إضافياً يمكن أن يعزز مرونة شبكتها الكهربائية ويقلل اعتمادها الكامل على منظومة الربط الإيبيرية.

وبذلك، فإن مستقبل الكابل البحري بين المغرب والبرتغال سيتحدد على الأرجح عند تقاطع ثلاثة عوامل: الجدوى الاقتصادية، والتمويل الأوروبي، واستعداد القطاع الخاص للمشاركة. وإذا نجحت الرباط ولشبونة في تحويل المشروع إلى مشروع ذي اهتمام أوروبي مشترك، فقد يتحول من مجرد ربط ثنائي إلى حلقة إضافية في شبكة الطاقة التي تربط أوروبا بأفريقيا.