المغرب من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل
الأمم المتحدة لا تمنح شهادات التقدير مجاملة، بل على سياسات عامة، وإصلاحات قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن. لذلك، فإن إشادة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالمسار التنموي المغربي لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد ثناء دبلوماسي، بل باعتبارها اعترافا دوليا بأن المملكة استطاعت، خلال العقدين الأخيرين، أن تنتقل من منطق إدارة الأزمات الاجتماعية إلى بناء نموذج تنموي يقوم على رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، تضع الإنسان في قلب المشروع الوطني، وتربط التنمية بالإصلاح المؤسسي، والاستثمار في المستقبل.
الاعتراف يكتسب أهمية خاصة لأنه يأتي في مرحلة يشهد فيها العالم تراجعًا في مؤشرات التنمية في العديد من الدول، تحت ضغط الأزمات الاقتصادية، والتغيرات المناخية، والاضطرابات الجيوسياسية. وبينما تعيد دول كثيرة ترتيب أولوياتها تحت وطأة الأزمات، يقدم المغرب نفسه كنموذج يسعى إلى تحويل التحديات إلى فرص، وإلى جعل التنمية مشروعا مستمرا لا يتوقف عند حدود الحكومات أو الدورات الاقتصادية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس كيف حقق المغرب هذا التقدم فحسب، بل كيف استطاعت الرؤية الملكية أن تتحول من تصور إستراتيجي إلى سياسات عامة ومشاريع ميدانية انعكست على مؤشرات التنمية البشرية، وعلى موقع المملكة داخل التصنيفات الدولية؟
اعتراف الأمم المتحدة بالمسار المغربي يعكس تحولا عميقا، فالمملكة تراهن على الرأسمال البشري والجهوية المتقدمة لتبني نموذجا تنمويا متكاملا يحقق العدالة المجالية والاستدامة
إن قراءة التجربة المغربية خلال السنوات الماضية تكشف أن أحد أسرار نجاحها يكمن في تجاوز الفهم التقليدي للتنمية باعتبارها مجرد زيادة في الإنفاق الاجتماعي أو بناء المزيد من البنيات التحتية، إلى تصور أكثر شمولا يعتبر التنمية عملية متكاملة تبدأ بالإنسان ولا تنتهي عند الاقتصاد.
فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، أخذ المشروع التنموي المغربي منحى مختلفا، يقوم على الاستثمار المتوازن في الإنسان والمجال معا. لم يعد الحديث يدور فقط حول الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، بل حول المدرسة، والمستشفى، والحماية الاجتماعية، والتكوين المهني، والرقمنة، وتمكين الشباب، باعتبارها جميعًا حلقات في منظومة واحدة تهدف إلى بناء رأسمال بشري قادر على إنتاج الثروة.
ولهذا لم يكن مستغربا أن تشير الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن التحسن الذي حققه المغرب لم يكن وليد إجراء واحد أو إصلاح منفرد، وإنما نتيجة رؤية بعيدة المدى استثمرت في الرأسمال البشري، والبنيات التحتية، ومنظومة الحماية الاجتماعية في آن واحد. وهذه الإشارة بالذات تحمل دلالة عميقة، لأنها تعني أن المؤسسات الدولية لم تعد تقيس نجاح الدول بحجم الناتج المحلي فقط، وإنما بقدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية حقيقية للمواطنين.
إن انتقال المغرب إلى فئة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة لا يمثل مجرد تحسن في ترتيب إحصائي، بل يعكس تحولا في فلسفة إدارة الدولة نفسها. فالدولة الحديثة لا تقاس بما تملكه من موارد طبيعية، وإنما بما تستطيع أن تحققه من استثمار في الإنسان، وبما توفره من بيئة تسمح للمواطن بأن يكون شريكا في التنمية لا مجرد متلق لثمارها.
ومن هنا تبرز خصوصية التجربة المغربية. فالمملكة لم تبن مشروعها التنموي على وفرة الموارد الطبيعية، بل على إصلاح المؤسسات، وتحسين مناخ الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وإطلاق مشاريع إستراتيجية كبرى ربطت بين الاقتصاد والبعد الاجتماعي في معادلة واحدة. وهذا ما جعل التنمية تتحول من سياسة قطاعية إلى مشروع وطني متكامل.
غير أن الأهم من كل ذلك هو أن الرؤية الملكية لم تتوقف عند تحقيق متوسطات وطنية مرتفعة، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتمثل في معالجة الفوارق المجالية بين مختلف جهات المملكة. فالتنمية، مهما بلغت معدلاتها، تفقد معناها إذا بقيت محصورة في المدن الكبرى أو في الأقاليم الأكثر جذبًا للاستثمارات، بينما تستمر مناطق أخرى في مواجهة تحديات التهميش وضعف الخدمات.
ولهذا جاء تنزيل ورش الجهوية المتقدمة باعتباره أحد أهم التحولات المؤسساتية في المغرب الحديث. فهو لا يقتصر على نقل بعض الاختصاصات الإدارية إلى الجهات، بل يعكس فلسفة جديدة في إدارة التنمية، تقوم على أن لكل جهة خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن نجاح المشروع الوطني يقتضي تمكين الفاعلين المحليين من تصميم حلول تنبع من واقعهم، بدل الاكتفاء بسياسات مركزية موحدة.
فالمطلوب لم يعد توزيع الاستثمارات بالتساوي، وإنما توزيع الفرص بما يحقق الإنصاف ويقلص الفوارق ويرفع من جودة الحياة في مختلف الجهات.
وتزداد أهمية هذا التوجه في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. فالثورة الرقمية، والانتقال نحو الاقتصاد الأخضر، والتنافس العالمي على التكنولوجيا، تجعل من الجهات فضاءات حقيقية للابتكار العمومي، وليس مجرد وحدات إدارية.
لقد انتقل المغرب، خلال السنوات الأخيرة، من مرحلة التركيز على التنمية الاجتماعية التقليدية إلى بناء نموذج تنموي مجالي متكامل، يربط بين الإنسان، والمؤسسات، والمجال، والابتكار
ومع ذلك، فإن الاعتراف الأممي لا يعني أن الطريق أصبح خاليًا من التحديات. فكل نجاح تنموي يفتح في الوقت نفسه أبوابًا جديدة لمسؤوليات أكبر. وسيكون الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة هو ضمان أن يستفيد جميع المواطنين، في مختلف الجهات، من الزخم التنموي بالقدر نفسه، وأن تتحول مؤشرات التنمية إلى تحسن ملموس في جودة الخدمات، وفرص الشغل، ومستويات التعليم، والرعاية الصحية.
كما أن التغيرات المناخية، والضغوط الاقتصادية العالمية، وتزايد المنافسة الدولية على الاستثمارات، تفرض على المغرب مواصلة الإصلاح بنفس الوتيرة، بل وربما بوتيرة أسرع، لأن المحافظة على المكتسبات أصعب في كثير من الأحيان من تحقيقها.
لكن ما يمنح التجربة المغربية خصوصيتها هو أنها لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها تجربة وطنية، بل بدأت تتحول إلى نموذج يسترعي اهتمام المؤسسات الدولية. فعندما تؤكد مسؤولة أممية أن التجربة المغربية يمكن أن تشكل مصدر إلهام لدول أخرى تسعى إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، فإنها لا تتحدث عن مشروع محلي محدود، وإنما عن نموذج قابل للاستفادة منه في بيئات أخرى تواجه تحديات مشابهة.
وهذا البعد الدولي يضع على المغرب مسؤولية إضافية تتمثل في مواصلة تطوير نموذجه التنموي، وتعزيز ثقافة القرب من المواطنين، والبناء المشترك، والتقييم المستمر لقياس الأثر الحقيقي للمشاريع.
لقد انتقل المغرب، خلال السنوات الأخيرة، من مرحلة التركيز على التنمية الاجتماعية التقليدية إلى بناء نموذج تنموي مجالي متكامل، يربط بين الإنسان، والمؤسسات، والمجال، والابتكار.
المغرب الذي يراهن اليوم على الجهات، وعلى الرأسمال البشري، وعلى الابتكار، إنما يراهن في الحقيقة على بناء دولة المستقبل؛ دولة يكون فيها المواطن شريكًا في صناعة التنمية، وتكون فيها التنمية نفسها لغة مشتركة بين الدولة والمجتمع، وبين الحاضر وآفاق الغد.