المغرب في عهد الملك محمد السادس.. سبعة وعشرون عاما من إعادة بناء الدولة

رؤية ملكية نقلت المغرب من إدارة الإصلاحات القطاعية إلى مشروع متكامل.
الاثنين 2026/07/27
رؤية ملكية أعادت تعريف وظائف الدولة وعلاقتها بالمواطن

أعاد الملك محمد السادس صياغة المقاربة الخاصة بمغربية الصحراء على أساس المبادرة السياسية والاستباق الدبلوماسي والتنمية الميدانية، وربط تثبيت السيادة ببناء واقع اقتصادي وتنموي جديد في الأقاليم الجنوبية.

الرباط- بعد سبعة وعشرين عاما على اعتلاء الملك محمد السادس العرش، لا يمكن اختزال حصيلة العهد في عدد المشاريع التي أُنجزت أو المؤسسات التي أُحدثت، على أهميتها. فالتحول الأعمق تمثل في بلورة رؤية ملكية أعادت تعريف وظائف الدولة وعلاقتها بالمواطن، وربطت الإصلاح السياسي بالعدالة الاجتماعية، وجعلت من السيادة مشروعا متكاملا يتقدم بالتنمية والدبلوماسية وترسيخ الحضور المغربي في محيطه الأفريقي والدولي.

بدأ هذا المسار منذ السنوات الأولى للعهد، مع إطلاق مفهوم جديد للسلطة، لم يقتصر على إعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة والمواطن، بل حمل تصورا يقوم على القرب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل الإدارة شريكا في التنمية بدل أن تكون مجرد جهاز لتدبير الشأن العام. ثم جاء إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 ليؤسس لمرحلة جديدة في معالجة الذاكرة الحقوقية، عبر كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإرساء ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات. وفي العام نفسه شكل إصلاح مدونة الأسرة محطة مفصلية في تحديث المنظومة القانونية، من خلال تعزيز حقوق المرأة والأسرة في إطار رؤية تجمع بين المرجعية الوطنية ومتطلبات التطور المجتمعي.

وتواصل هذا المسار بإعادة الاعتبار للتعدد الثقافي الذي يميز الهوية المغربية، بدءا بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وصولا إلى ترسيم الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية في دستور 2011. وشكل هذا الدستور محطة فارقة في تحديث الدولة، إذ وسع صلاحيات الحكومة والبرلمان، وعزز استقلال السلطة القضائية، ورسخ مؤسسات الحكامة، وكرس منظومة الحقوق والحريات، وأطلق ورش الجهوية المتقدمة باعتباره مدخلا إلى تنمية أكثر توازنا.

التحول الأبرز كان الانتقال من إدارة الإصلاحات القطاعية إلى بناء رؤية إستراتيجية متكاملة لتحديث الدولة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ السيادة

وما ميز هذه المقاربة هو قدرتها على التوفيق بين الإصلاح والاستقرار، إذ جرى تحديث المؤسسات ضمن استمرارية الدولة وشرعيتها التاريخية والدستورية، بعيدا عن منطق القطيعة أو الارتجال. كما وفرت المؤسسة الملكية للأوراش الإستراتيجية نفسا طويل المدى، يتجاوز تعاقب الحكومات والدورات الانتخابية، ويحافظ على ثبات الخيارات الكبرى المرتبطة بوحدة الدولة وتماسك المجتمع ومسار التنمية.

ولم تتوقف الرؤية الملكية عند إصلاح المؤسسات، بل انتقلت إلى مراجعة النموذج التنموي نفسه. فمع بروز الحاجة إلى تعزيز نجاعة السياسات العمومية، أطلق الملك ورش النموذج التنموي الجديد، واضعا الإنسان والعدالة المجالية وتحرير الطاقات وتعزيز الرأسمال البشري في صلب مرحلة جديدة. ويعكس هذا التوجه قدرة المؤسسة الملكية على مراجعة السياسات وتحيين الأولويات كلما فرضت التحولات الاقتصادية والاجتماعية ذلك، بما يجعل الإصلاح عملية مستمرة لا محطة سياسية عابرة.

وفي المجال الاجتماعي انتقلت الرؤية الملكية من محاربة الفقر والهشاشة عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 إلى بناء أسس الدولة الاجتماعية. وشكل إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية سنة 2020 نقطة تحول كبرى، إذ توسعت التغطية الصحية لتشمل ملايين المواطنين الذين ظلوا خارج أنظمة التأمين، وأُطلق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، واعتمد السجل الاجتماعي الموحد لضمان توجيه الدعم إلى الفئات المستحقة وفق معايير أكثر دقة وشفافية.

وتعكس الأرقام حجم هذا التحول؛ فبحلول سنة 2024 ارتفع عدد المستفيدين من أنظمة التأمين الإجباري الأساسي على المرض التي يدبرها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى 24.3 مليون شخص، مقابل 8.6 ملايين فقط سنة 2021. وخلال سنة 2025 استفادت 3.9 ملايين أسرة من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، فيما تجاوزت الاعتمادات المرصودة له منذ إطلاقه في ديسمبر 2023 نحو 51 مليار درهم. وتعكس هذه المؤشرات انتقال المغرب من سياسة اجتماعية تقوم على التدخلات الظرفية إلى منظومة مؤسساتية للحماية الاجتماعية، أصبحت أحد أهم مرتكزات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وفي قضية الصحراء المغربية، برز أحد أهم التحولات الإستراتيجية في عهد الملك محمد السادس. فقد ورث العهد الجديد ملفا تحكمه دبلوماسية الدفاع ورد الفعل وانتظار المبادرات الأممية، قبل أن يعيد الملك صياغة المقاربة المغربية على أساس المبادرة السياسية والاستباق الدبلوماسي والتنمية الميدانية، وربط تثبيت السيادة ببناء واقع اقتصادي وتنموي جديد في الأقاليم الجنوبية.

ومنذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، انتقلت المملكة من الدفاع عن موقفها إلى تقديم تصور سياسي متكامل اعتبره المجتمع الدولي مبادرة جدية وذات مصداقية. ولم تعد المبادرة مجرد وثيقة تفاوضية، بل تحولت إلى أساس إستراتيجية دبلوماسية طويلة النفس، نقلت المغرب تدريجيا من شرح عدالة موقفه إلى توسيع الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، ومن مواجهة أطروحات خصومه إلى جعل الحكم الذاتي المرجعية الأكثر واقعية لتسوية النزاع.

وفي الداخل، ربطت الرؤية الملكية ترسيخ السيادة بإطلاق مشاريع تنموية كبرى في الأقاليم الجنوبية، شملت النموذج التنموي الجديد للمنطقة، وإنجاز الطريق السريع بين تزنيت والداخلة، وتسريع أشغال ميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب مشاريع الماء والطاقة والاستثمار والتكوين. وهكذا تحولت الصحراء من فضاء حاول خصوم المغرب تكريس صورته باعتباره منطقة نزاع، إلى منصة للتنمية والانفتاح على العمق الأفريقي والواجهة الأطلسية.

كما لم تعد عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي سنة 2017 مجرد استعادة لمقعده داخل المنظمة القارية، بل شكلت منطلقا لإعادة تموقع إستراتيجي داخل أفريقيا، عبر إطلاق مشاريع كبرى، مثل أنبوب الغاز المغربي – النيجيري، ومبادرة الدول الأفريقية الأطلسية، ومشروع تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وهي مبادرات عززت الوظيفة الجيوسياسية للأقاليم الجنوبية وربطت قضية الصحراء بمنطق التكامل الاقتصادي والتنمية الإقليمية.

وأثمر هذا التحول اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه، ثم الدعم الفرنسي الصريح للسيادة المغربية ولمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب الموقف الإسباني، واتساع دائرة التأييد الدولي للمبادرة باعتبارها الإطار الأكثر واقعية لتسوية النزاع. وفي خطاب الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء في أكتوبر 2024، أكد الملك محمد السادس أن المغرب انتقل في قضيته الوطنية “من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير”، بعدما نجح في تغيير موازين الملف دبلوماسيا وسياسيا.

وتعزز هذا المسار مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي وضع مبادرة الحكم الذاتي في صلب الجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي دائم وواقعي، بما يعكس التحول الذي شهدته المقاربة الدولية تجاه النزاع، بالتوازي مع اتساع الاعتراف بالسيادة الاقتصادية للمملكة على أقاليمها الجنوبية.

وبعد سبعة وعشرين عاما، تبدو أبرز سمات عهد الملك محمد السادس في قدرته على الجمع بين الاستمرارية والتجديد. فلم يقتصر المشروع على تحديث المؤسسات أو إطلاق الأوراش الكبرى، بل أعاد صياغة مفهوم الدولة نفسها بوصفها دولة تنموية واجتماعية وسيادية في آن واحد. ومن هذا المنظور، لم تعد الإنجازات تقاس بعدد المشاريع المنجزة، بل بقدرة المغرب على بناء نموذج أكثر توازنا، يعزز تماسكه الداخلي، ويرسخ مكانته الإقليمية والدولية، ويمنحه هامشا أوسع للتأثير في محيطه الأفريقي والمتوسطي والأطلسي.

1