المغرب شريك سيادي لا حارس حدود
في كل مرة تعود فيها قضية الهجرة غير النظامية إلى واجهة العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي، يتجدد سؤال قديم بصياغة جديدة: هل يُنظر إلى المغرب باعتباره شريكًا استراتيجيًا في بناء فضاء متوسطي أكثر استقرارًا، أم مجرد خط دفاع أول يحمي أوروبا من موجات الهجرة القادمة من الجنوب؟ وقد أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بمدينة سبتة المحتلة هذا السؤال إلى الواجهة، لكنها كشفت أيضًا أن الرباط لم تعد تقبل بالمعادلات القديمة، وأنها باتت أكثر وضوحًا في التأكيد على أن حماية الحدود تنطلق أولًا من حماية السيادة، وأن الشراكة الحقيقية لا تُبنى على توزيع الأدوار الأمنية، بل على تقاسم المسؤوليات والمصالح.
لقد نجح المغرب خلال العقدين الأخيرين في بناء نموذج مختلف في إدارة ملف الهجرة، يقوم على رؤية أوسع من مجرد المقاربة الأمنية. فالمملكة تدرك أن موقعها الجغرافي يجعلها معبرًا طبيعيًا بين إفريقيا وأوروبا، لكنها تدرك أيضًا أن هذا الموقع لا يمكن أن يتحول إلى عبء سياسي دائم، أو إلى وظيفة تُختزل في مراقبة الحدود نيابة عن الآخرين.
ومن هنا جاءت الرسالة المغربية واضحة: حماية الحدود مسؤولية سيادية تمارسها الدولة لأنها تحمي أراضيها ومواطنيها واستقرارها، وليس لأنها تؤدي دور “حارس الحدود” لحساب أي طرف آخر.
هذا التحول في الخطاب يعكس نضجًا في الرؤية الدبلوماسية المغربية. فالمغرب لم يرفض التعاون مع أوروبا في مواجهة الهجرة غير النظامية، بل أعاد تعريف هذا التعاون على أساس الندية والاحترام المتبادل. فالدول ذات السيادة لا تُقاس مكانتها بحجم ما تتلقاه من دعم مالي، وإنما بقدرتها على رسم أولوياتها الوطنية والدفاع عنها. ولذلك، فإن أي تعاون في هذا المجال يجب أن يكون جزءًا من شراكة استراتيجية متكاملة، لا علاقة تعاقدية تُختزل في التمويل مقابل ضبط الحدود.
ولعل أبرز ما يميز التجربة المغربية أنها لم تحصر معالجة الهجرة في الإجراءات الأمنية، بل ربطتها بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالتجارب الدولية أثبتت أن تشديد الرقابة وحده لا يوقف الهجرة، بينما يساهم خلق فرص العمل وتحسين ظروف العيش في تقليص دوافعها من الأساس.
عودة 95 في المئة من المهاجرين طوعاً من سبتة تثبت أن التنمية هي الحل الحقيقي للهجرة وأن الاستثمار في الإنسان أهم من الجدران الأمنية والتمويلات الظرفية
وفي هذا السياق، برزت المشاريع التنموية الكبرى التي شهدتها الأقاليم الشمالية للمملكة، والتي أسهمت في توفير مئات الآلاف من فرص العمل، وتحويل مناطق كانت تُعرف تاريخيًا بكونها نقاط عبور إلى مراكز إنتاج واستثمار وصناعة وخدمات.
كما أن المعطيات المتعلقة بارتفاع نسب العودة الطوعية للمهاجرين تؤكد أن التنمية تظل أكثر الأدوات فاعلية واستدامة في إدارة الظاهرة. فحين تتوفر بدائل اقتصادية وفرص للحياة الكريمة، يتراجع وهم “الفردوس الأوروبي” الذي ظل يدفع كثيرين إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر عبر البحر المتوسط. ومن هنا، فإن الاستثمار في الإنسان يثبت مرة أخرى أنه أكثر جدوى من الاستثمار في الأسوار والحواجز.
ولا يقتصر الأمر على الداخل المغربي، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي نفسه. فالمغرب لم يعد يطالب فقط بدعم الجهود الأمنية، بل يدعو إلى شراكة أكثر توازنًا، تُعطي الأولوية للاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التنمية المشتركة، وفتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي. فاستقرار الضفة الجنوبية للمتوسط ليس مصلحة مغربية فحسب، بل هو أيضًا مصلحة أوروبية مباشرة، ولا يمكن تحقيقه إذا بقيت العلاقة محكومة بمنطق إدارة الأزمات بدل الاستثمار في أسباب الاستقرار.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة ما جرى في سبتة باعتباره أكثر من حادثة مرتبطة بالهجرة. فقد شكل فرصة لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول طبيعة العلاقة بين ضفتي المتوسط، وحول حدود المسؤوليات المشتركة. كما أتاح للمغرب أن يؤكد، بهدوء وثقة، أن زمن اختزال دوره في وظيفة أمنية قد ولّى، وأنه يتطلع إلى شراكة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، لا على توزيع الأعباء.
لقد رسّخ المغرب خلال السنوات الأخيرة مكانته بوصفه فاعلًا إقليميًا يمتلك رؤية مستقلة في ملفات الأمن والهجرة والتنمية. وهذه المكانة لم تأتِ من موقعه الجغرافي وحده، بل من قدرته على الجمع بين الاستقرار الداخلي، والانفتاح الاقتصادي، والدبلوماسية النشطة، والاستثمار طويل المدى في البنية التحتية ورأس المال البشري. ولذلك، فإن أي مقاربة أوروبية جديدة تجاه المملكة ستكون أكثر نجاحًا إذا انطلقت من هذه الحقيقة، لا من التصورات التي سادت في مراحل سابقة.
في النهاية، لا يعلن المغرب نهاية التعاون مع أوروبا، بل يدعو إلى الارتقاء به. فهو لا يرفض الشراكة، وإنما يرفض اختزالها في ملف واحد، ولا يتنصل من مسؤولياته، وإنما يتمسك بحقه في تحديدها وفق أولوياته الوطنية.
وبين منطق “حارس الحدود” ومنطق “الشريك السيادي” مسافة تعكس التحولات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية، كما تعكس إدراكًا متزايدًا بأن التنمية والكرامة والسيادة ليست شعارات سياسية، بل هي الأساس الأكثر متانة لبناء علاقة متوسطية أكثر توازنًا واستقرارًا، يعود نفعها على ضفتي البحر معًا.
المغرب يرفض أن يُختزل في دور “شرطي حدود” مؤكداً أن حماية أراضيه مسؤولية وطنية وأن الشراكة مع أوروبا يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة الكاملة
ولا يمكن فصل هذا التحول عن السياسة الخارجية المغربية التي اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع مفهوم الشراكة، سواء مع الاتحاد الأوروبي أو مع القارة الإفريقية ودول الخليج وشركاء دوليين آخرين.
فالمملكة لم تعد تنظر إلى موقعها الجغرافي باعتباره مجرد نقطة تماس بين الجنوب والشمال، بل باعتباره منصة للتعاون الاقتصادي واللوجستي والاستثماري. وقد ساهمت المشاريع الكبرى، من ميناء طنجة المتوسط إلى شبكات البنية التحتية الحديثة والمناطق الصناعية، في ترسيخ صورة المغرب بوصفه حلقة وصل بين الأسواق الإفريقية والأوروبية، لا مجرد منطقة عبور للمهاجرين.
وهذه الرؤية تجعل من ملف الهجرة جزءًا من معادلة تنموية أشمل، يكون فيها الاستثمار وخلق الفرص وتعزيز الاندماج الاقتصادي أدوات أكثر فاعلية من الاكتفاء بالمقاربات الأمنية.
كما أنها توجه رسالة إلى الشركاء الأوروبيين مفادها أن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط لا يتحقق عبر تشديد الرقابة على الحدود وحدها، وإنما عبر بناء فضاء اقتصادي مشترك يحد من دوافع الهجرة ويخلق مصالح متبادلة طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، تبدو التجربة المغربية نموذجًا لدولة اختارت أن تستثمر في التنمية والانفتاح والربط الإقليمي، باعتبارها أدوات لتعزيز الأمن والاستقرار، لا بدائل عنهما.