المغرب: حملة تضليل رقمية ممنهجة غذّت موجة العبور نحو سبتة

تقرير أمني إسباني: الحملة الرقمية كانت عاملا رئيسيا في تعبئة الراغبين في الهجرة
الاثنين 2026/08/03
تنسيق أمني مغربي إسباني لإعادة آلاف المهاجرين

الرباط – لم تعد موجات الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة تُقرأ باعتبارها مجرد اندفاع جماعي مدفوع بعوامل اقتصادية واجتماعية، بل باتت تكشف عن دور متزايد للفضاء الرقمي في توجيه سلوك المهاجرين والتأثير في قراراتهم.

وبعد أن تمكنت السلطات المغربية والإسبانية، بفضل التنسيق الأمني المشترك، من إعادة أكثر من 48 ألف شخص إلى المغرب عقب موجة عبور واسعة، أكدت وزارة الداخلية المغربية أن ما جرى لم يكن حدثا عفويا، وإنما نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، في مقدمتها حملات التضليل عبر الإنترنت، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، والتأويل الخاطئ لبعض التطورات القانونية في إسبانيا.

وأوضح الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن السلطات اعتمدت، منذ المراحل الأولى للأحداث، مقاربة استباقية وشاملة، قامت على الرصد المبكر للمؤشرات، ورفع درجات اليقظة، وتعزيز جاهزية مختلف الأجهزة الأمنية والسلطات الترابية، إلى جانب تكثيف المراقبة البرية والبحرية. وأسهمت هذه الإجراءات، بحسب الوزارة، في احتواء الوضع، وحماية الأرواح، وتأمين الحدود، مع الالتزام بأحكام القانون ومبدأ التناسب في التدخل.

وربطت الوزارة بين تصاعد محاولات العبور وبعض القرارات الصادرة عن القضاء الإسباني، والتي قُدمت على شبكات التواصل الاجتماعي بصورة مضللة. وأوضحت أن التأويلات المغلوطة لهذه الأحكام أوحت للراغبين في الهجرة غير النظامية بإمكانية تفادي الإعادة الفورية إذا جرى الوصول إلى سبتة سباحة، الأمر الذي شجع أعدادا متزايدة على اعتماد هذا المسار الخطير.

وتتقاطع هذه الرواية مع ما خلص إليه تقرير استخباراتي أعده المحلل الإسباني في شؤون الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي تشيما خيل، بطلب من عدد من المؤسسات الإسبانية، والذي اعتبر أن الحملة الرقمية التي سبقت أحداث سبتة كانت عاملا رئيسيا في تعبئة الراغبين في العبور.

ويقع التقرير في نحو سبعين صفحة، ويستعرض النشاط الرقمي المسجل بين يونيو وبداية أغسطس 2026، مبينا أن وتيرته ارتفعت بشكل واضح منذ الأيام الأولى من يوليو، ثم تسارعت بعد النشر العلني لحكم المحكمة العليا الإسبانية الذي أرسى اجتهادا قضائيا يتعلق بالنظام القانوني للأشخاص الذين يدخلون إلى سبتة عن طريق البحر.

أحداث سبتة مؤشر على انتقال جزء من معركة مكافحة الهجرة غير النظامية إلى الفضاء الرقمي، حيث تتداخل المعلومات المضللة مع نشاط الشبكات الإجرامية.

ويوثق التقرير حملة رقمية واسعة شاركت فيها حسابات تنشط من المغرب والجزائر وتونس وفرنسا والولايات المتحدة، عملت على نشر رسائل تحفيزية، ومعلومات لوجستية، وإرشادات حول مسارات الوصول إلى محيط حاجز تاراخال، وذلك خلال الأسابيع التي سبقت محاولة العبور الجماعي يومي 30 و31 يوليو 2026.

كما يكشف التقرير عن بنية رقمية موزعة تولت فيها حسابات ومجموعات مختلفة أدوارا متكاملة؛ إذ ركزت بعض الحسابات على إنتاج مقاطع الفيديو والرسائل التعبوية لإبقاء آلاف المتابعين في حالة تفاعل مستمر، بينما تولت حسابات أخرى إعادة نشر هذه المواد على منصات مختلفة لتوسيع نطاق انتشارها، في حين استخدمت مجموعات المراسلة لتبادل المعلومات العملية المتعلقة بوسائل النقل، ونقاط التجمع، والمواعيد، ومستجدات الوضع الميداني على الحدود.

وكانت هذه المجموعات تتبادل معلومات حول طرق الوصول إلى سبتة، وأماكن اللقاء، ووسائل النقل، إلى جانب تحديثات ميدانية مرتبطة بحاجز تاراخال. وبالتوازي مع ذلك، واصلت حسابات نشطة على تيك توك وفيسبوك وإنستغرام بث محتويات سمعية وبصرية هدفت إلى الحفاظ على زخم التعبئة واستقطاب مزيد من المشاركين.

وقال الخبير في السياسات العامة والتحليل الاستراتيجي هشام معتضد، في تصريح لـ”العرب”، إن ما جرى يؤكد ضرورة الارتقاء بالتعاون المغربي الإسباني في ملف الهجرة، ليس فقط على المستوى الأمني، وإنما أيضا في مجالات تبادل المعلومات والقدرات التقنية، بما يسمح برصد الحملات الرقمية التي تستغل الثغرات القانونية أو المعلومات المضللة لتوجيه حركة الهجرة غير النظامية، ومواجهة انعكاساتها الأمنية والسياسية.

ولا يقتصر تأثير هذه الحملات الرقمية على نشر معلومات حول طرق الوصول إلى سبتة، بل يمتد إلى صناعة قناعة جماعية لدى آلاف المتابعين بأن فرصة استثنائية أصبحت متاحة للعبور. فمع تكرار الرسائل وتداول مقاطع الفيديو والشهادات غير الموثقة، يتحول المحتوى الرقمي من مجرد وسيلة للتواصل إلى أداة للتعبئة النفسية والتنظيم الميداني، أقرب إلى غرفة عمليات افتراضية قادرة على توجيه الحشود، وتحديد التوقيت، ورسم مسارات التحرك، وهو ما يمنح شبكات الاتجار بالبشر هامشا أكبر لاستقطاب الراغبين في الهجرة واستغلالهم.

وفي الاتجاه نفسه، خلصت دراسة ميدانية أنجزها مرصد الشمال لحقوق الإنسان بالمغرب إلى أن المنصات الرقمية أصبحت تؤدي دورا متزايدا في تشكيل تصورات الشباب بشأن الهجرة غير النظامية، عبر الترويج لقصص النجاح وإنشاء مجموعات افتراضية لتبادل الخبرات والمعلومات. ودعت الدراسة إلى تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، من خلال تنمية مهارات التفكير النقدي، والتحقق من المحتوى، وفهم آليات عمل خوارزميات التوصية وأساليب التضليل داخل المؤسسات التعليمية والبرامج الموجهة إلى الشباب.

ويعكس هذا النمط من التنظيم تحولا في طبيعة الهجرة غير النظامية، إذ لم تعد تعتمد فقط على الوسطاء التقليديين أو شبكات التهريب الميدانية، بل أصبحت المنصات الرقمية جزءا من البنية التشغيلية لهذه الظاهرة. إذ تسهم خوارزميات المنصات في تضخيم المحتوى الأكثر تفاعلا، بينما تسمح تطبيقات المراسلة المشفرة بتبادل المعلومات والتعليمات بصورة سريعة يصعب رصدها، الأمر الذي يجعل مواجهة هذه الظاهرة تتطلب، إلى جانب الإجراءات الأمنية، تطوير أدوات للرصد الرقمي والتعاون الاستخباراتي العابر للحدود.

وتشير هذه المعطيات إلى أن إدارة الهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على تشديد الرقابة على الحدود أو تفكيك شبكات التهريب، بل أصبحت تمتد إلى مواجهة حملات التضليل الرقمي التي تستغل الثغرات القانونية وتعيد إنتاجها على منصات التواصل باعتبارها فرصا للعبور. وفي هذا السياق، تبدو أحداث سبتة الأخيرة مؤشرا على انتقال جزء من معركة مكافحة الهجرة غير النظامية إلى الفضاء الرقمي، حيث تتداخل المعلومات المضللة مع نشاط الشبكات الإجرامية، بما يفرض على المغرب وإسبانيا توسيع نطاق تعاونهما ليشمل الرصد الاستخباراتي الإلكتروني، والتصدي للحملات المنظمة، وتعزيز الوعي الرقمي لدى الفئات الأكثر عرضة للاستقطاب.