المشهد التشكيلي بين البطولة الافتراضية والحضور القائم على الشجار

عندما يفشلون في تقديم دهشة بصرية يهربون نحو الشجار محولين النقد إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية.
الاثنين 2026/05/18
الحوار المعرفي يفتح آفاقا إبداعية

في المشهد التشكيلي الحالي تبرز عن البعض ظاهرة سيكولوجية مثيرة للشفقة، وهي ظاهرة الحضور القائم على الشجار. إنها حالة من الوجود الزائف الذي لا يتحقق عبر اللوحة أو المتن النقدي، بل عبر خلق مساحات من التصادم اللفظي، لتغطية فراغ إبداعي لم تستطع حتى بعض الألقاب العلمية الرفيعة ستره.

إن هؤلاء المعترضين، الذين يشبهون الخفافيش في سلوكهم، لا يجرؤون على مواجهة الجمهور في الندوات الحية أو المعارض المباشرة، حيث الحجة تقارع الحجة، واللوحة في مواجهة المتلقي. وبدلا من ذلك، يستجدون الاعتراف عبر خيوط الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، متخذين منها حصنا منيعا لـنفوسهم الواهية المهزومة. إنهم يمارسون البطولة الافتراضية خلف الشاشات، هربا من المواجهة المعرفية التي قد تعري ضحالة ثقافتهم ومستوى إنجازهم الإبداعي وتكشف زيف ادعاءاتهم.

يأتي هذا الحضور المشوه كتعويض غريزي عن بطالة إبداعية مقنّعة باللقب العلمي. فبعض الأكاديميين، ممن توهموا أن درجة الدكتوراه هي رخصة مرور تمنحهم حق الوصاية المطلقة، يجدون أنفسهم أمام واقع إبداعي لا يعترف إلا بالعمل الإبداعي كمنجز قائم بذاته وليس مرتبطا بـشخصهم.

وعندما يفشلون في تقديم دهشة بصرية تستحق الوقوف عندها، يهربون نحو الشجار مع النقد والناقد، محولين النقد من أداة استنارة إلى ساحة لـتصفية الحسابات الشخصية. وهنا يسقطون في تناقض المواجهة؛ إذ يزعمون في منشوراتهم أن الناقد يستطيع أن يصفّي حسابات شخصية ويرفع تجارب وينزل تجارب أخرى، وفي نفس المنشور ينسفون عملية الكتابة النقدية برمتها مدّعين عدم وجودها أساسا! هذا التباين يثبت أن الدافع هو الاحتجاج النفسي على عدم الانتباه لتجاربهم وليس الحوار المعرفي الذي يرتقي بالعملية الإبداعية بشكل كامل.

أمام هذا الحضور القائم على الشجار، يبرز دور الناقد الحقيقي ليس كجلاد يشارك في التلاسن، بل كوسيط مستنير يتوجه إلى الجمهور الحقيقي وليس إلى روضة أطفال من المتابعين غير المدركين كجمهور بديل يحيط بوهمهم

وفي منطقة أخرى، بعيدة عن أروقة الأكاديمية والتعليم، يبرز نموذج آخر لتجربة فنية تتسم بالتواضع في مستواها الثقافي والمعرفي، نموذج يتأرجح صاحبه بين تفكير التاجر وعقلية المرابي، في خلطة مشوهة لما يُفترض أن يكون “فنانا تشكيليا معاصرا”.

وبكل أسف، فإن أشد ما يؤلم هو أن هذا النموذج كان يوما ما محل رعاية نقدية، فقد ساهمنا في التعريف بتجربته بدافع وطني بحت، كنوع من الدفع بالتجارب الليبية الغائبة عن الساحة في دول الجوار وعن رادار الإعلام العربي. لقد كان هدفنا هو حضور تجارب ليبية فنيا، لكن مثل هؤلاء اتخذوا من تلك الكتابات رخص مرور لمناطق أوسع، تجاوزت حدود الوطن، وتوهموا أنهم في مكانة تسمح لهم بإصدار الأحكام وتفصيلها على من يناسبهم، وتوهموا أيضا أن هناك من يستمع إليهم، منقلبين على اليد التي حاولت انتشالهم من غياهب الصمت، وممارسين السب والشتم المستتر في منشورات مرممة ببرامج الذكاء الاصطناعي لستر عجز لغتهم وهشاشة تعبيرهم وأخطائهم الإملائية.

أمام هذا الحضور القائم على الشجار، يبرز دور الناقد الحقيقي ليس كجلاد يشارك في التلاسن، بل كوسيط مستنير يتوجه إلى الجمهور الحقيقي وليس إلى روضة أطفال من المتابعين غير المدركين كجمهور بديل يحيط بوهمهم.

إن الناقد الذي يدرك وظيفته كجسر معرفي، يدرك أيضا أن أقوى رد على هؤلاء هو التجاهل التام. إن تجاهل التجارب المتوسطة والأصوات التي لا تملك سوى حدة اللسان وضغينة القلب وسوء المعاشرة وعدم حفظ الود والجميل، هو في حد ذاته فعل نقد حاسم. فالناقد لا يستجدي اعترافا من الواقفين خارج السياق، بل يستنطق منطق التأويل والإضافة المعرفية لصالح المثقف العام والجمهور الواسع.

إن الحضور القائم على الشجار هو حضور مؤقت، يتبخر بمجرد انطفاء شاشة الهاتف. أما الحضور الحقيقي، فهو الذي يتأسس في فسحات الحوار الحميمية مثل بيت نويجي، ودار الفنون، وبيت إسكندر وبراح الثقافة وغيرها من الأمكنة الثقافية والإبداعية، حيث تلتقي التجربة مع عمق القراءة الموازية والفهم التشكيلي والمعرفي، ليُكتب تاريخ الفن الليبي بمداد الوعي، لا بغبار الصدام الافتراضي، بروح التطوع للجميع وليس بروح الأنانية المفرطة.

ويبقى في ذاكرة الصحف والمجلات والمواقع والمدونات الثقافية وقع رد الفعل الإيجابي المتمثل في الدراسات والأبحاث العلمية التي يستعين بها الطلبة في مجالات الفنون التشكيلية، والذين يجدون في النقد الجاد مادة لبناء معرفتهم. وفي المقابل، لا يبقى من نعيق أصحاب تلك الأصوات النشاز إلا ترددات صدى أصواتهم في وحدة حضورهم خارج السياق.

9