المسيحيون في سوريا الجديدة: مقبولون لكنهم قلقون

جهود حكومية متزايدة للتواصل مع المجتمع المسيحي وطمأنته.
الاثنين 2025/12/15
تفاؤل مشوب بعدم اليقين

دمشق- على الرغم من وقوع بعض الاعتداءات التي طالت مسيحيين بعد سقوط نظام الأسد، إلا أن هذه الحوادث لا ترقى إلى مستوى "الإبادة الجماعية" كما يروّج البعض، بل تأتي ضمن سياق أمني مضطرب أوسع يطال مختلف المكوّنات السورية، بما في ذلك الأغلبية السكانية.

وتُعد سوريا موطناً لإحدى أقدم الجاليات المسيحية في العالم، وفي بلدة "معلولا" لا يزال السكان يتحدثون الآرامية القديمة حتى اليوم.

وبعد ظهور الإسلام في بلاد الشام، سُمح للمسيحيين بممارسة عقيدتهم عموماً دون تضييق كبير، وإن كانوا يعتبرون سياسياً مواطنين من درجة أدنى.

وفي التاريخ الحديث، وقعت مذبحة دمشق الشهيرة عام 1860 بحق المسيحيين، لكن منذ ذلك الحين عاشوا في البلاد بدرجة من الأمان والحرية النسبية.

ومنذ سقوط نظام الأسد قبل عام، برزت مخاوف واسعة بشأن مستقبل المسيحيين في سوريا الجديدة. فبشكل عام لا يزالون قادرين على العيش وممارسة شعائرهم، إلا أن بعض الحوادث استهدفتهم بالفعل.

◄ الطريق للمضي قدماً يكمن في تعزيز الثقة، وأن تُظهر السلطة السورية الجديدة جدية في حماية المجتمع المسيحي. وإلا، فقد يكرر المسيحيون في سوريا تجربة المسيحيين في العراق،

ويقول الباحث هارون ي. زيلين في تقرير نشره معهد واشنطن إنه من الضروري أن تتعامل السلطات الجديدة مع هذه التهديدات المتصاعدة، إلا أن فهمها يقتضي وضعها في سياق أوسع يطال جميع المكوّنات السورية، بما في ذلك الأغلبية السكانية. فلا يكاد أحد اليوم في مأمن من هجمات الميليشيات أو الانتهاكات في ظل الوضع الأمني الهش. ولذلك، تبقى الصورة معقدة وتستدعي تحليلاً معمقاً لفهم ما يجري بدقة.

وقبل سقوط نظام الأسد، كانت السلطات الحالية عبارة عن جماعة متمردة تسيطر على شمال غرب سوريا تحت اسم " هيئة تحرير الشام".

وفي السنوات التي سبقت سقوط النظام، بدأت "هيئة تحرير الشام" في المصالحة مع مجتمعات الأقليات الخاضعة لحكمها والتي كانت إما تتجاهلها أو كانت لها علاقات عدائية معها سابقاً.

وعلى وجه الخصوص، انخرط الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع المعروف آنذاك بـ"أبو محمد الجولاني" علناً لأول مرة مع المسيحيين في منطقة إدلب في يوليو 2022.

و قبل ذلك، كانت الحياة تحت حكم "هيئة تحرير الشام" غير سارة للغاية بالنسبة للأقليات.

 وصادرت " هيئة تحرير الشام"  سابقاً ما لا يقل عن 550 عقارا من المسيحيين، بما في ذلك المنازل والمحال التجارية؛ وقد بدأت هذه الممارسة أصلاً في عام 2015.

وبعد الانفراج في عام 2022م، سمح للمسيحيين باستئناف الشعائر الدينية وإصلاح/إعادة بناء كنائسهم.

وبالإضافة إلى ذلك، تم حل غالبية النزاعات على الممتلكات المسيحية وأعيدت الممتلكات إلى أصحابها الأصليين.

وكانت أكبر التغييرات بالنسبة للمسيحيين في البداية في ظل هذا النهج الأكثر ودية من قبل "هيئة تحرير الشام" هي التحسن في الوضع الأمني، وطرد المقاتلين الأجانب من أحيائهم، والقدرة على إدارة محاكمهم الخاصة مرة أخرى.

◄ منذ سقوط نظام الأسد قبل عام، برزت مخاوف واسعة بشأن مستقبل المسيحيين في سوريا الجديدة. فبشكل عام لا يزالون قادرين على العيش وممارسة شعائرهم، إلا أن بعض الحوادث استهدفتهم بالفعل

ومع ذلك، سياسياً، كان المسيحيون – كما هو الحال مع الأقليات الأخرى في مناطق "هيئة تحرير الشام" – مواطنين من الدرجة الثانية من حيث عدم وجود أي تمثيل سياسي في مجلس الشورى العام وتمثيلهم فقط من خلال مديرية شؤون الأقليات، التي لم يكن يديرها أحد من الأقليات.

وفي الهجوم الذي أدى إلى سقوط نظام الأسد، أشارت مديرية شؤون الأقليات أن المسيحيين سيظلون آمنين تحت حكومة سورية جديدة.

ومنذ سقوط النظام، استمر المجتمع المسيحي في كونه شريكاً منخرطاً مع السلطات الانتقالية.

و التقى القادة المسيحيون بـالشرع في وقت مبكر من أواخر ديسمبر 2024، وشمل ذلك ممثلين من طوائف عديدة: الروم الأرثوذكس، والروم الكاثوليك، والسريان الأرثوذكس، والسريان الكاثوليك، والأرمن الكاثوليك، والموارنة، والإنجيليين الوطنيين، واللاتين.

واستمر هذا التواصل طوال السنة الأولى من الفترة الانتقالية، بما في ذلك الزيارة الأخيرة في أواخر أكتوبر 2025 التي قام بها الشرع إلى البطريرك يوحنا العاشر يازجي، بطريرك الروم الأرثوذكس لأنطاكية وسائر المشرق، في البطريركية.

وأكد كلاهما على واجباتهما تجاه بعضهما البعض في حماية المسيحية السورية ودعم الدولة.

وقدّم البطريرك إلى الشرع وثيقة إسلامية قديمة مزعومة تمنح الأمان وعهداً لمسيحيي دمشق. ثم قال البطريرك يوحنا العاشر يازجي للشرع "نحن نحافظ على العهد"، فأجاب الشرع "ونحن نحافظ على عهد أجدادنا ".

ويلعب هذا البعد دوراً في إعادة إنتاج الهوية الأموية التي يتبنّاها جزء من السنّة السوريين، وكذلك الدولة منذ سقوط النظام.

وبالنسبة لبعض المسيحيين الذين يؤمنون بهذا المشروع السوري الجديد، فإنهم يرون لأنفسهم دوراً فيه، ويعتقدون أنه يمكنهم الاستناد إلى الدعم التاريخي الذي قدّمه المسيحيون للدولة الأموية كجسر للتكيّف مع الواقع الجديد. 

وعلى سبيل المثال، ظهر نوّار نجمة، وهو مسيحي والمتحدث باسم لجنة الانتخابات البرلمانية، في مقطع فيديو يشرح فيه مساهمات المسيحيين في بناء الدولة الأموية، مشيراً إلى أن هذا الإرث التاريخي هو أحد الأسباب التي تدفعه لدعم الدولة السورية الجديدة والمساهمة في بنائها.

وعلى الرغم من أن المجتمع المسيحي كان آمناً عموماً من الناحية الأمنية منذ سقوط النظام، إلا أن عدة حوادث خطيرة وقعت بالفعل، وهي بلا شك مصدر قلق. لكن في المقابل، جرى تضخيم بعض هذه الحالات في

◄ جرى تضخيم بعض الحوادث في فضاءات إلكترونية معينة وتحويلها إلى رواية مفادها أنّ المسيحيين يتعرضون لـ"إبادة جماعية"، وهذا ببساطة غير صحيح.

فضاءات إلكترونية معينة وتحويلها إلى رواية مفادها أنّ المسيحيين يتعرضون لـ"إبادة جماعية"، وهذا ببساطة غير صحيح. 

ويمثل ذلك مثالاً واضحاً على كيفية قيام حملات التضليل بتشويه فهم المتابعين الخارجيين لما يجري على الأرض.

وهذا لا يعني أن المجتمع المحلي أو المعنيين خارج سوريا لا ينبغي لهم رفع الصوت والتحذير عند وجود مخاطر حقيقية، لكن تحويل هذه الحوادث إلى روايات إبادة جماعية لأهداف سياسية هو أمر مضلّل ويُضر بفرص تقييم الوضع بموضوعية ودعم القضايا المشروعة بشكل فعّال.

وعلى سبيل المثال، خلال مذبحة الساحل ضد العلويين في مارس، تسربت معلومات مضللة إلى بعض الدوائر الإلكترونية الغربية والإسرائيلية التي تحولت إلى تقارير كاذبة عن مذبحة ضد المسيحيين.

وقُتل بعض المسيحيين فعلاً، لكنها كانت أكثر ظرفاً من التواجد في المكان الخطأ في الوقت الخطأ.

وكانت معظم الضحايا الذين قُتلوا خلال مذبحة الساحل من العلويين والسنة. وأصدرت كنائس مسيحية في اللاذقية حتى بياناً مشتركاً يحث الأفراد على عدم الانجراف وراء الشائعات.

ولسوء الحظ، بعد أشهر عندما حدثت مذبحة ضد الدروز في السويداء في منتصف يوليو، تعرضت كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك للقديس ميخائيل في قرية السورة للهجوم وأحرقت.

وبالإضافة إلى ذلك، كان المجتمع المسيحي هدفاً كبيراً لتنظيم الدولة الإسلامية منذ سقوط النظام.

ووفقاً لوزارة الداخلية السورية، اعترف مشتبه بهم من الدولة الإسلامية بأنهم كانوا يخططون لتنفيذ هجوم بسيارة مفخخة ضد كنيسة في "معلولا " في يوم رأس السنة.

وكان الأبرز هو الهجوم الانتحاري في 22 يونيو الذي استهدف كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في حي الدويلعة بدمشق، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن خمسة وعشرين شخصاً وإصابة ثلاثة وستين – أكبر هجوم ضد الجالية المسيحية في سوريا منذ عام 1860.

◄ قبل سقوط نظام الأسد، كانت السلطات الحالية عبارة عن جماعة متمردة تسيطر على شمال غرب سوريا تحت اسم " هيئة تحرير الشام"

وكانت الحكومة السورية سريعة وموحدة في إدانة هجوم كنيسة دمشق. بالإضافة إلى البيانات المناسبة من كبار المسؤولين السياسيين والدينيين، قامت وحدات الدفاع المدني بسرعة بتقييم الأضرار في الموقع، في حين قام محافظ دمشق ماهر مروان ووزيرة الشؤون الاجتماعية هند قباوات (مسيحية) بزيارة الكنيسة والاجتماع مع سكان الحي. كما قدم الشرع التعازي عبر الهاتف لرئيس أساقفة الروم الأرثوذكس رومانوس الحنّاط.

وبينما رأت حكومة سوريا أن الخطوات التي اتخذتها كافية، يشتبه العديد من المسيحيين والأقليات الأخرى في أن دمشق كانت متواطئة بطريقة ما في الهجوم.

ومثل هذه المعتقدات منتشرة حتى بعد أن عززت الحكومة الأمن بشكل واضح في الأحياء المسيحية بشكل عام وحول الكنائس خلال عيد الميلاد والجمعة العظيمة وعيد الفصح.

وخارج المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، شهدنا مؤخراً محاولة بعض المسيحيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية اعتماد المنهاج التعليمي الجديد الصادر عن الحكومة السورية، من أجل ضمان مواءمة تعليم أبنائهم مع النظام التعليمي الرسمي. غير أنّ الإدارة الذاتية أغلقت تلك الكنائس والمدارس التابعة لها بسبب خلافات وتوترات متواصلة مع دمشق، باعتبار أن هذا المنهج لا يتماشى مع السلطة المحلية هناك.

وعلى الرغم من أن قوات سوريا الديمقراطية تراجعت لاحقاً عن قرارها بعد أسابيع، إلا أن هذه الواقعة تسلط الضوء على أن قضايا المسيحيين ليست محصورة فقط في مناطق الحكومة.

وتعكس هذه التطورات تعقيدات وضع المسيحيين في سوريا الجديدة. فالمشهد ليس كما لو أن داعش أو القاعدة تمسك بزمام السلطة، لكن هناك حالة عدم يقين. فدمشق بذلت جهوداً متزايدة للتواصل مع المجتمع المسيحي، وفي المقابل، كان المسيحيون في السابق مستهدفين من الميليشيات، وخاصة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، ما جعل المجتمع يعيش حالة قلق وتردد بشأن مدى قدرة السلطة الجديدة على حمايتهم– حتى وإن وفرت الحكومة السورية بيئة أكثر أماناً للكنائس.

ولذلك، فإن الطريق للمضي قدماً يكمن في تعزيز الثقة، وأن تُظهر السلطة السورية الجديدة جدية في حماية المجتمع المسيحي. وإلا، فقد يكرر المسيحيون في سوريا تجربة المسيحيين في العراق، عبر مغادرة البلاد بحثاً عن الأمن في الخارج، تاركين إرثاً تاريخياً ورائهم.

3