الضم التدريجي للضفة الغربية: واقع فلسطيني يتغير بسرعة
رام الله- بينما يظل العالم مركزًا على الدمار الهائل في غزة جراء الحروب والتصعيد الإسرائيلي، تشهد الضفة الغربية عملية ضم تدريجية صامتة لكنها متسارعة، تغيّر الواقع الفلسطيني بشكل غير مسبوق.
وهذه العملية ليست مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل هي استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل التحركات التشريعية، التوسع الاستيطاني، العمليات الأمنية، ودعم العنف الاستيطاني، بما يضغط على الفلسطينيين للرحيل عن أراضيهم بشكل ممنهج.
وفي يوليو 2025، أقر الكنيست الإسرائيلي قرارًا غير ملزم يدعم ضم الضفة الغربية، لكنه كان بمثابة إشارة واضحة لموقف السلطة التشريعية تجاه الأراضي المحتلة.
وتزامن هذا القرار مع زيادة النشاط الاستيطاني وتعزيز الدعم للمستوطنين في مواجهة الفلسطينيين، ما عزز فرض “حقائق على الأرض” تسهّل الضم الفعلي. فيما بعد، في أكتوبر 2025، وخلال زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لإسرائيل، صادق الكنيست على مشروعين قانونيين يهدفان إلى ضم الضفة رسميًا، وهو ما وصفه فانس بأنه “خدعة سياسية تهدف لإحراجه”.
وتتماشى هذه الخطوات التشريعية مع طموحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الرافض لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة خلال فترة حكمه، ومصرّ على تحقيق رؤيته لـ”إسرائيل الكبرى” الممتدة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط.
وجاءت أحدث الإجراءات في فبراير 2026، التي أقرها مجلس الأمن الإسرائيلي، لتسهيل الضم على الأرض.
ودفع وزراء من أقصى اليمين، أبرزهم وزير المالية بيزاليل سموتريتش ووزير الدفاع إسرائيل كاتس، نحو إزالة “العقبات القانونية” التي تعترض توسع السلطة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك منح المستوطنين حصانة إضافية لشراء الأراضي، وتوسيع السيطرة على المواقع التاريخية والدينية، وتقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية في المناطق التي من المفترض أن تديرها وفق اتفاقيات أوسلو 1993.
وتعكس هذه الإجراءات استراتيجية إسرائيلية محكمة لتثبيت الوجود الاستيطاني على حساب الحقوق الفلسطينية، بما يجعل العودة إلى حدود 1967 أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة أكثر صعوبة.
ويسعى نتنياهو من خلال هذه السياسات إلى الحفاظ على التفوق العسكري والسياسي لإسرائيل على جميع الفاعلين الإقليميين، بما في ذلك الحد من قدرات حماس وحزب الله، وتوسيع النفوذ العسكري الإسرائيلي في لبنان وسوريا.
كما يضع نتنياهو ضغطًا مستمرًا على واشنطن لضمان تحقيق تغيير نظامي في إيران، متعارضًا مع رغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق نووي مع طهران.
الضم التدريجي للضفة يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ويعيد رسم معادلات القوة في المنطقة، ما يجعل كل خطوة أميركية أو دولية في هذا الملف حاسمة لمستقبل الفلسطينيين واستقرار الشرق الأوسط.
ويعكس هذا التباين التحدي المزدوج الذي يواجهه الرئيس الأميركي: إدارة نتنياهو، الذي وصفه بأنه “بطل حرب”، والتعامل مع الملف الإيراني الذي قد يشهد تصعيدًا عسكريًا أو تسوية دبلوماسية.
وعلى الأرض، العنف الاستيطاني يتصاعد بشكل ملموس. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن أكثر من 37 ألف فلسطيني نزحوا من الضفة الغربية خلال عام 2025 وحده، وسط مستويات قياسية من العنف.
وأصبح المستوطنون، مدعومون بإجراءات قانونية وتشريعية، قوة قادرة على تغيير الواقع الاجتماعي والثقافي للفلسطينيين بسرعة، بما يشمل السيطرة على الأراضي الزراعية والمنازل والممتلكات العامة والخاصة.
وتتأثر الحياة اليومية للفلسطينيين بشكل متزايد، مع تضييق فرص العمل، تقييد حركة التنقل، وتهديد الأمن الشخصي، مما يسرّع وتيرة التهجير القسري.
ومن الناحية السياسية، تهدف الإجراءات الجديدة إلى جعل حل الدولتين عمليًا مستحيلًا.
ويخلق تشكيل الحقائق على الأرض، عبر ضم المستوطنات وتوسيع مناطق السيطرة الإسرائيلية، واقعًا لا يمكن تجاوزه بسهولة في أي مفاوضات مستقبلية.
ويضع هذا الواقع الإدارة الأميركية أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها وقدرتها على فرض ضغوط على إسرائيل، خاصة مع كون ترامب زعيمًا يصفه البعض بأنه غير متوقع وصاحب نهج تعاقدي يعتمد على التبادلات السياسية، ما قد يدفعه لقبول الوضع الجديد أو حتى تقديم تنازلات مقابل تحصيل مصالح أخرى.
الأبعاد القانونية والدولية لهذه الخطوات الإسرائيلية واضحة. الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أدانا التصعيد الإسرائيلي والإجراءات التشريعية التي تدعم المستوطنين، لكن نتنياهو ووزراؤه المتطرفون تجاهلوا هذه الانتقادات، مستمرين في تثبيت واقع ضم الضفة تدريجيًا.
وفي الوقت نفسه، يفرض هذا الواقع قيودًا على السلطة الفلسطينية ويضعها أمام مأزق متزايد: فهي مقصورة على إدارة شؤون محدودة داخل مناطق ضيقة، بينما تُستبعد عن اتخاذ أي قرار استراتيجي على أراضيها.
التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين أيضًا كبيرة. النزوح القسري يؤدي إلى تزايد حالات الفقر والبطالة، وإضعاف القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، إضافة إلى تآكل النسيج الاجتماعي والثقافي في العديد من القرى والبلدات.
وتمنع المستوطنات الجديدة ووسائل السيطرة القانونية الإسرائيلية على الأراضي الاستثمار الفلسطيني، وتقوض أي فرص لإعادة بناء الاقتصاد المحلي، وهو ما يضع الفلسطينيين في دائرة اعتمادية اقتصادية متزايدة على إسرائيل، وهو جزء من استراتيجية السيطرة الكاملة على الأرض.
الضفة الغربية اليوم ليست مجرد أراضٍ محتلة، بل أصبحت ساحة اختبار لمصداقية الإدارة الأميركية أمام الضغوط الإسرائيلية، وحاضنة لتحديات الفلسطينيين الذين يواجهون تهجيرًا متسارعًا وفقدانًا متزايدًا للسيطرة على حياتهم اليومية.
ويعكس الضم التدريجي للضفة تحولًا استراتيجيًا عميقًا في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ويعيد رسم معادلات القوة في المنطقة، ما يجعل كل خطوة أميركية أو دولية في هذا الملف حاسمة لمستقبل الفلسطينيين واستقرار الشرق الأوسط.
وتمثل القدرة الأميركية على ردع الضم، أو على الأقل التأثير على نتنياهو لإبطائه، اختبارًا رئيسيًا للرئيس ترامب، الذي عليه الموازنة بين استراتيجياته في إيران، العلاقة مع إسرائيل، والحفاظ على المصالح الأميركية، مع الأخذ في الاعتبار تداعيات هذا الضم على الوضع الإنساني والسياسي في الضفة.
وفي الوقت نفسه، يواجه الفلسطينيون واقعًا متغيرًا بسرعة، قد يحدد مستقبل وجودهم على الأرض لعقود قادمة، ما يجعل كل تحرك دولي أو محلي جزءًا من معركة أكبر للحقوق والسيادة.