السودان على طريق ليبيا
تشكيل حكومة موازية في السودان يكرس واقعا سياسيا منقسما على غرار النموذج الليبي. ويعكس هذا التطور تعثر مسارات الحل ويزيد من تعقيد المشهد، في وقت يحتاج فيه السودانيون إلى مخرج يضع حدا للحرب.
حدث ما توقعه الكثير من المتابعين لتطورات السودان، فمنذ إعلان قوات الدعم السريع وحلفائها من حركات مسلحة وقوى سياسية مختلفة عن تشكيل حكومة موازية، لم تتوقف المقارنة بين ما حدث، ولا يزال، في ليبيا وما يمكن أن يحدث في السودان، وبتدشين مجلس رئاسي وحكومة في نيالا بجنوب دارفور السبت باتت هناك حكومتان تتصارعان على السلطة بضراوة، وتسعيان للتحكم في كل مقاليدها.
مع هذه الخطوة، سيزداد انقسام المجتمع الدولي حيال ما يجري في السودان، ويتكرر سيناريو ما جرى في ليبيا، حول أحقية الحكومة التابعة للجيش وقائده الفريق أول عبدالفتاح البرهان في الاستحواذ على السلطة والتي تتموضع حاليا في مدينة بورتسودان شرقا، وسوف تنتقل إلى الخرطوم في الوسط قريبا، وأحقية الحكومة التابعة لقوات الدعم السريع وقائدها الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) وتتموضع في مدينة نيالا غربا، في الاستحواذ على السلطة أيضا.
وتشبه هذه الحالة الوضع الراهن في ليبيا، حيث تتمركز حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها ويرأسها عبدالحميد الدبيبة في طرابلس غربا، وأخرى تابعة لقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، وتتمركز في بنغازي شرقا، ويرأسها أسامة حماد.
ليست هناك حاجة إلى سرد المأساة التي ترتبت عن هذا الانقسام وتوابعه في ليبيا، إذ يكفي القول إنه مضى عليه أكثر من عشرة أعوام ولم يستطع أحد الطرفين حسم الموقف لصالحه، عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وبعد فترة من المراوحة التي وجدت قوى إقليمية ودولية عديدة نفسها فيها، استقر غالبيتها على التعامل مع الحكومتين بالتوازي.
يكفي القول إنه مضى على مأساة ليبيا أكثر من عشرة أعوام ولم يستطع أحد الطرفين حسم الموقف لصالحه
واللافت أن الدول التي وقفت إلى جانب حكومة طرابلس اضطرت لاحقا إلى فتح قنوات اتصال مع نظيرتها المستقرة في بنغازي، وكل روافدها العسكرية والاقتصادية والتشريعية، والعكس صحيح، فتركيا التي عرفت بدعم حكومات الغرب انفتحت على الشرق وأذرعه المتباينة مؤخرا، ومصر التي عرفت بدعم الشرق لم تجد بدا من الانفتاح على الغرب وتطوير العلاقات مع عدد من مؤسساته.
لن يكون الوضع في السودان أقل بؤسا من ليبيا في هذه المسألة، فقد تلجأ قوى متعددة حفاظا على مصالحها إلى نسخ تجربة ليبيا، لأن الرهان على قدرة أحد الطرفين في كسب المعركة العسكرية صعب، وحل الأزمة بالأدوات السياسية أشد صعوبة، فبعد نحو عامين ونصف من الاقتتال لم يتمكن الجيش من إلحاق هزيمة حاسمة بقوات الدعم السريع، ولم تستطع الأخيرة الحفاظ على ما سيطرت عليه من ولايات عدة، ولجأت إلى الاحتماء بأماكن نفوذ تقليدية في دارفور، وزادت عليها كردفان، بموجب تحالف مع حركات مسلحة، والحركة الشعبية لتحرير السودان وقائدها عبدالعزيز الحلو، والذي يملك أحد أكبر الجيوش في جنوب السودان.
تكمن المشكلة في تداخل الحركات المسلحة المنتمية إلى غرب السودان، فهناك أجنحة منضوية في تحالف مع الجيش، وأخرى أقامت تحالفا جديدا مع قوات الدعم السريع، ولكل منهما مجموعات من المؤيدين القبليين والمناطقيين في دارفور، ربما تكون صفة التداخل القبلي موجودة في ليبيا، فهناك قبائل في الغرب لها امتدادات في الغرب، والعكس صحيح، لكن هذه الظاهرة في السودان أكثر حدة، لأن الحركات ذات طابع مسلح فطري، بينما قبائل ليبيا أقل عتادا عسكريا وعرفت الحرب مؤخرا، والفئات المسلحة تتعلق بالميليشيات والمرتزقة ورعاتهما، ويبدو البعد القبلي فيهما قليلا، ما يعني أن الصدامات متفاوتة، فهي أشد حدة في السودان بسبب الميراث الدموي الطويل.
من المتوقع أن تتقدم المكونات السياسية على الحكومة الموازية في نيالا، حيث مطالبة بدعم شعبيتها في المناطق التي تسيطر عليها، وإقناع الناس بأنها قادرة على حل مشاكلهم المزمنة، فقد رفعت شعارات وطنية جذابة، وتبنت رؤى تتعلق بتوفير السلام والحكم المدني في السودان، وتسعى للحصول على شرعية دولية، ما يتطلب المزيد من الجاهزية في ترتيب قواعد السلطة، وتوسيع مساحة التفاعلات السياسية، فالقتال لن يكون الوسيلة المجدية لتثبيت الحكومة في مناطق عانت طويلا من التهميش.
الفرق بين حكومة بنغازي التي تشكلت اعتراضا على توجهات طرابلس، وبين حكومة نيالا التي تشكلت اعتراضا على ممارسات الخرطوم ثم بورتسودان ثم العودة إلى الخرطوم بعد قرار الجيش التمركز فيها أخيرا، أن الأولى بدأت مدعومة من البرلمان الليبي، وهو الجسم الدستوري الوحيد المنتخب من الشعب مباشرة، ومن الجيش الوطني، والذي تشكل على قاعدة مؤسساتية، بينما حكومة طرابلس فقدت جزءا كبيرا من دعم المجلس الأعلى للدولة، وينافسها ضمنيا رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وتعتمد في قوتها العسكرية على فسيفساء من قادة الميليشيات وأمراء الحرب.
ومع أن الجيش السوداني مؤسسة نظامية لها تاريخ، إلا أنه بعد اندلاع الحرب ضم ميليشيات وكتائب إسلامية، لكن قوات الدعم السريع بدأت بشكل ميليشياوي ثم تحولت إلى إحدى أذرع الجيش بصفة قانونية، وكل طرف يضم تحت جناحيه حركات مسلحة لها قدرات عسكرية متباينة، وما يجعل التوازن بينهما كبيرا خاصة أنهما خاضا معارك لم يتمكن فيها أحدهما من تحقيق نصر نهائي، وهي علامة على أن الحرب وعرة، وسوف يواصل الطرفان المناوشات بأدوات سياسية، ويسعى كلاهما إلى ترسيخ سيطرته على المناطق التي يسيطر عليها، والمعركة التي قد تزداد اشتعالا في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، لأهميتها الإستراتيجية والتاريخية.
توصلت الحكومتان في ليبيا إلى تقسيم إداري رضائي، يعتمد على عناصر جغرافية لها علاقة بمجمل الثروة المتكافئة والمتداخلة إلى حد كبير، حيث تسيطر حكومة الشرق مثلا على جزء كبير من الموارد الطبيعية، بينما المؤسسة الوطنية للنفط التي تديرها تابعة لوزارة النفط والغاز ومقرها طرابلس، وحتى وقت قريب كانت تتحكم فيها تماما حكومة طرابلس، كذلك المصرف المركزي، وما أدى إلى تعاون بين الجانبين هو وجود توازن بين من يسيطر على الموارد ومن يتحكم في صرف الأموال.
في السودان، لا توجد موارد طبيعية كبيرة مغرية للحكومتين وداعمي كليهما، ولا توجد مؤسسات يمكن أن تتفاهم على المستوى المحدود، شرقا وغربا، وإن كانت حكومة الخرطوم تتمتع بالسيطرة على الجزء المطل على البحر الأحمر وله أهمية إستراتيجية كبيرة، ومن المبكر أن يكون هذا الجزء محل نزاع أو تنشب بسببه وحوله معارك ضارية حاليا، فقد جربت قوات الدعم السريع استهداف أماكن حيوية في شرق السودان بالمسيرات لإضعاف قوات الجيش، ولم تفلح في تحقيق أهدفها.
ما يهم الدعم السريع والقوى المتحالفة معها تثبيت السيطرة على الأماكن التي في حوزتها، لأن قوات الجيش لن تستسلم بسهولة لحكومة أمر واقع في دارفور، تعيد إلى الأذهان سيناريو سابق جرت مقتطفاته منذ أكثر من عقدين عندما اندلعت الحرب الأهلية في إقليم دارفور، وكان خيار الانفصال مطروحا وقتها، وربما تكون الأوضاع اليوم مهيأة للمضي في هذا الطريق، حيث كشفت الحرب الطويلة بين الجيش والدعم السريع عن صعوبة التعايش بينهما، على عكس تجربة ليبيا التي أدى التعايش معها والتفاهم حولها، محليا وإقليميا ودوليا إلى صعوبة الانفصال أو التقسيم حتى الآن.