السعودية وإعادة تعريف الأمن الإقليمي
التحولات التي شهدتها الممرات البحرية خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تهديدات للملاحة وسلاسل الإمداد والطاقة، كشفت حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها: أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى إلى الأبد رهين مظلة خارجية، مهما كانت قدراتها، ولا يمكن أن يستمر بمنطق انتظار القوة الدولية كي تتدخل كلما ارتفعت درجة الخطر.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرك السعودي بوصفه أكثر من استجابة أمنية لتهديدات آنية. إنه يعكس، في جوهره، محاولة لإعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي نفسه: من أمن تحرسه القوى الكبرى نيابة عن دول المنطقة، إلى أمن تشارك دول المنطقة في صياغته وتمويله وإدارته وتحمل مسؤولياته.
لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة أن البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي يفصل بين قارتين. إنه أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وبوابة تربط الخليج العربي بالمتوسط وأوروبا، ومسار أساسي للطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. ولذلك فإن أي اضطراب في أمنه لا يتوقف عند حدود الدول المطلة عليه، بل يمتد أثره إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين والغذاء.
وهنا تكتسب المبادرة السعودية دلالتها السياسية.
فبدل أن يُنظر إلى الأمن باعتباره مهمة عسكرية منفصلة عن الاقتصاد، تبرز رؤية أكثر شمولًا تعتبر أن حماية الملاحة والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد هي جزء من مشروع الاستقرار والتنمية. وهذا يعني أن الأمن البحري لم يعد مجرد مسألة عسكرية تتعلق بالسفن والقطع البحرية، بل أصبح مسألة اقتصادية وإستراتيجية تمس مستقبل المنطقة بأكمله.
والأهم أن الرياض تبدو أكثر اقتناعًا بأن تنويع الشراكات هو الطريق الأكثر واقعية لبناء هذا الأمن.
فالعالم نفسه يتغير. الولايات المتحدة لا تختفي من المنطقة، لكنها تعيد تعريف أولوياتها، فيما تتقدم الصين اقتصاديًا، وتحتفظ روسيا بأدوار أمنية وسياسية، وتتسع أدوار القوى الإقليمية. وفي خضم هذه التحولات يصبح الاعتماد على طرف واحد مخاطرة استراتيجية، حتى لو كان هذا الطرف حليفًا تاريخيًا.
لذلك فإن تنويع الشراكات لا يعني بالضرورة الابتعاد عن واشنطن، ولا يمثل إعلانًا عن قطيعة مع المظلة الأمنية الأميركية. بل يعني شيئًا أكثر نضجًا: أن تمتلك دول المنطقة خيارات متعددة، وأن تكون علاقتها بالقوى الكبرى قائمة على المصالح المتبادلة لا على الاعتماد الأحادي.
وهذه النقطة تحديدًا تمنح التحرك السعودي قيمة تتجاوز الجانب العسكري.
فالتحالفات الحديثة لا تُقاس فقط بعدد القطع البحرية أو حجم القدرات العسكرية التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على بناء شبكة من المصالح والمسؤوليات المشتركة. وإذا نجحت السعودية في تحويل التعاون البحري إلى إطار أوسع لتبادل المعلومات، ومراقبة الممرات، وتأمين الموانئ، وحماية التجارة، وتطوير القدرات البشرية والتقنية، فإنها تكون قد وضعت لبنة أولى في نموذج أمني يمكن أن يتوسع تدريجيًا.
قد يبدأ هذا النموذج من البحر، لكنه لا يحتاج إلى أن ينتهي عنده.
فأمن الطاقة، على سبيل المثال، مرتبط مباشرة بأمن الملاحة. وسلاسل الإمداد تحتاج إلى ممرات آمنة، والموانئ تحتاج إلى بيئة مستقرة، والاستثمارات تحتاج إلى قدرة على التنبؤ بالمخاطر. ومن ثم فإن التعاون البحري يمكن أن يصبح مدخلًا إلى تعاون اقتصادي وأمني أوسع، لا سيما بين الدول التي تتقاطع مصالحها في البحر الأحمر والخليج وبحر العرب.
تنويع الشراكات يمنح السعودية استقلالية أكبر ويحوّل الأمن من عبء إلى منصة للتعاون حيث تتقاطع مصالح الدول في حماية التجارة والموانئ وسلاسل الإمداد
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إيجابية في التجربة: أن الأمن يمكن أن يتحول من عبء إلى منصة للتعاون.
لطالما ارتبط مفهوم الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بالخلافات والصراعات وسباقات التسلح. أما النموذج الذي يمكن أن تدفع به السعودية في الاتجاه الآخر، فيقوم على فكرة أن الدول قد تختلف سياسيًا، لكنها تستطيع أن تتعاون عندما يتعلق الأمر بحماية التجارة والملاحة والطاقة والمصالح الاقتصادية المشتركة.
وهذا التحول مهم لأن المنطقة لا تحتاج بالضرورة إلى تحالف واحد مغلق في مواجهة تحالف آخر. ربما تحتاج أكثر إلى شبكات تعاون مرنة، تتقاطع فيها الدول وفق طبيعة القضية المطروحة. تعاون بحري هنا، وتعاون في أمن الطاقة هناك، وتنسيق في حماية الموانئ وسلاسل الإمداد في مجال آخر.
إنها هندسة مختلفة للأمن.
بدل بناء منظومة تقوم على مركز واحد وهوامش متعددة، يمكن أن تنشأ منظومة أكثر تعددًا، تكون فيها المسؤولية موزعة والقدرات متكاملة. وهذا النوع من الأمن قد يكون أكثر ملاءمة لمنطقة شديدة التعقيد مثل الشرق الأوسط، حيث لا تتطابق مصالح الدول في كل الملفات، لكنها تتقاطع في ملفات كثيرة.
وللسعودية، بطبيعة الحال، مصلحة مباشرة في قيادة هذا التحول.
فالمملكة لم تعد تتعامل مع البحر باعتباره حدودًا جغرافية فحسب. مشاريعها الاقتصادية الكبرى، وتطور موانئها ومدنها الساحلية، واتساع ارتباطها بالتجارة العالمية، كلها تجعل استقرار المجال البحري جزءًا أساسيًا من رؤيتها المستقبلية. وكلما ازدادت مكانة المملكة الاقتصادية، ازدادت حاجتها إلى بيئة إقليمية قادرة على حماية هذه المصالح.
ومن هنا فإن بناء القدرات المحلية لا يمثل مجرد إنفاق دفاعي، بل استثمارًا في الاستقلال الاستراتيجي.
الدولة التي تستطيع حماية موانئها، وتأمين خطوط تجارتها، ورصد المخاطر، وتبادل المعلومات مع جيرانها، تصبح أقل عرضة للابتزاز وأكثر قدرة على اتخاذ قراراتها السياسية والاقتصادية باستقلالية. وهذا لا يعني الاستغناء عن الحلفاء الدوليين، بل يعني أن الشراكة تصبح أكثر توازنًا عندما يمتلك الطرف الإقليمي قدرة ذاتية حقيقية.
ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن يحملها التحرك السعودي: المنطقة قادرة على أن تكون شريكًا في أمنها، لا مجرد متلقٍ للأمن.
لكن نجاح هذا المسار لن يكون تلقائيًا. فالتعاون الأمني يحتاج إلى ثقة سياسية، والثقة لا تُبنى بين ليلة وضحاها. كما أن اختلاف الأولويات بين الدول المطلة على البحر الأحمر يمكن أن يعرقل أي مشروع إذا تحول إلى أداة للمنافسة بدل أن يكون منصة للتكامل.
لذلك تحتاج المبادرة إلى قدر كبير من البراغماتية. فالأمن البحري لا يحتمل الشعارات، كما لا يحتمل تحويل كل تعاون إلى اصطفاف سياسي. المطلوب بناء آليات عملية، واضحة محددة الأهداف، تجعل الدول تشعر بأن مشاركتها تحقق لها مكاسب مباشرة.
هذه ليست دعوة إلى الانغلاق على الذات، ولا إلى استبدال التحالفات الدولية بتحالفات إقليمية مغلقة. على العكس، الأمن الأكثر استدامة هو الذي يجمع بين القدرات المحلية والشراكات الدولية. لكن الفرق يكمن في موقع كل طرف داخل المعادلة: هل تكون دول المنطقة موضوعًا للأمن الذي يصنعه الآخرون، أم شريكًا في صناعة الأمن الذي تحتاج إليه؟
من البحر الأحمر تبدأ الإجابة.