السعودية وإدارة التصعيد: الردع طريقاً إلى السلام
السعودية تقف اليوم أمام أحد أكثر اختبارات القوة حساسية في الإقليم، في مواجهة تصعيد حوثي لم يعد يستهدف حدود المملكة فحسب، بل يطال مدنها ومنشآتها الحيوية، في محاولة لدفع الرياض إلى الزاوية التي يريدها خصومها: حرب مفتوحة، وردود متبادلة، واستنزاف طويل. غير أن المملكة أكثر إدراكاً من أي وقت مضى بأن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة التعجل في استخدامها، وأن أنجع أشكال الردع قد يكون في القدرة على منع الخصم من اختيار شكل المعركة.
وبينما تراهن الجماعات المسلحة على استدراج الدول إلى منطق رد الفعل، تختار الرياض أن تدير التصعيد بمنطق الدولة، فتجمع بين يقظة القوة وحكمة السياسة، وبين حماية أمنها وتجنب تحويل الإقليم إلى ساحة حرب جديدة. إنها معادلة دقيقة تختبر فيها السعودية ليس قدرتها على خوض الحرب، وهي قدرة لا يختلف عليها اثنان، وإنما قدرتها على إدارة القوة بحيث تحمي أمنها من دون أن تسمح لخصومها بأن يقرروا لها مستقبلها. وهنا يصبح ضبط النفس ليس نقيضاً للقوة، بل أحد أرقى تجلياتها؛ فكما جاء في الحديث النبوي الشريف: “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”.
وهذا فارق جوهري بين دولة تتحرك برد الفعل ودولة تدير أمنها وفق حسابات إستراتيجية طويلة المدى.
ومن هنا تبدو أهمية الرهان السعودي على دعم القوات اليمنية المحلية. فالرياض لا تتعامل مع الملف اليمني باعتباره حرباً سعودية ينبغي أن تخوضها وحدها، وإنما تحاول بصورة متزايدة أن تجعل أمن اليمن جزءاً من قدرة اليمنيين أنفسهم على حماية بلدهم ومؤسساتهم وحدودهم.
وهذا التحول يحمل بعداً عسكرياً وسياسياً في آن واحد. عسكرياً، يخفف الحاجة إلى انخراط سعودي مباشر واسع، ويمنح القوى اليمنية مساحة أكبر لتحمل مسؤولية المواجهة. وسياسياً، يساعد على بناء تصور مختلف للصراع، يقوم على أن مستقبل اليمن لا ينبغي أن تحدده قوة خارجية، بل قدرة القوى اليمنية على استعادة مؤسسات الدولة واحتكار القرار الأمني.
السعودية التي تبني اقتصاداً جديداً وتستقطب الاستثمارات وتعيد صياغة دورها في المنطقة لا يمكنها أن تسمح بأن تصبح الحرب اليمنية استنزافاً يستهلك مواردها
واللافت أيضاً أن الرياض لا تبني أمنها الإقليمي اليوم على صيغة تحالف واحدة مغلقة. فالشراكات الدفاعية مع دول مثل تركيا وباكستان، إلى جانب العلاقات الأمنية التقليدية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، تعكس اتجاهاً نحو بناء شبكة أكثر مرونة من الشراكات. هذه الشبكة لا تعني بالضرورة إنشاء تحالف عسكري جديد بالمعنى التقليدي، بقدر ما تعني توزيع مصادر القوة والردع على أكثر من محور.
من هذه الزاوية، الشراكة السعودية مع تركيا وباكستان ذات قيمة تتجاوز تفاصيل التعاون الدفاعي المباشر. إنها جزء من تصور أوسع لأمن إقليمي لا يقوم على مركز واحد للقوة. تركيا تمتلك ثقلاً عسكرياً وصناعياً وسياسياً متزايداً، وباكستان تمتلك خبرة عسكرية وموقعاً استراتيجياً وقدرات دفاعية مهمة، بينما تظل الولايات المتحدة صاحبة الوزن الأكبر في منظومة الأمن الإقليمي. وعندما تتقاطع هذه القدرات مع العلاقات السعودية الخليجية، تصبح الرياض جزءاً من شبكة ردع متعددة المستويات.
الأهم أن هذا النهج لا يعني أن السعودية تريد استبدال تحالف بآخر، وإنما أنها لا تريد أن يكون أمنها رهينة لطرف واحد. ففي عالم تتغير فيه أولويات القوى الكبرى بسرعة، تصبح القدرة على تنويع الشراكات نوعاً من التأمين الاستراتيجي. فالدولة الأكثر أمناً ليست بالضرورة الدولة التي تملك أقوى حليف، وإنما الدولة التي تستطيع بناء شبكة واسعة من العلاقات تجعل أي تهديد لها أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الطرف الذي يفكر في تنفيذه.
لكن القوة السعودية في إدارة الأزمة لا تتوقف عند البعد العسكري. وربما تكون الدبلوماسية هي السلاح الأكثر هدوءاً والأكثر تأثيراً في هذه المرحلة. فكل هجوم يستهدف الأراضي السعودية يمكن أن يتحول من مجرد واقعة أمنية إلى قضية سياسية ودولية إذا أحسنت الرياض تقديمها ضمن إطار أوسع: دولة تتعرض للاعتداء، تحاول حماية مواطنيها ومنشآتها، وتدعم في الوقت نفسه مساراً سياسياً يمنع انهيار اليمن وتحوله إلى منصة دائمة للهجمات العابرة للحدود.
وهذه الصورة مهمة للغاية في معركة الشرعية الدولية. في النزاعات المعقدة لا تكفي القدرة على الرد؛ المهم أيضاً هو كيف يُفهم الرد. الدولة التي تستطيع إقناع المجتمع الدولي بأنها تستخدم القوة دفاعاً عن أمنها، وفي الوقت نفسه تترك الباب مفتوحاً أمام الحل السياسي، تمتلك مساحة أكبر للحركة من الدولة التي تبدو وكأنها تبحث عن الحرب لذاتها.
ولهذا فإن التعامل السعودي مع الهجمات يمكن أن يتحول إلى مكسب سياسي إذا نجحت الرياض في تثبيت معادلة واضحة: لا تساهل مع الاعتداء، ولا رغبة في حرب بلا نهاية. هذه المعادلة تمنح السعودية موقعاً مختلفاً في الإقليم، فهي لا تظهر كطرف يريد إعادة إنتاج حرب اليمن، بل كقوة تحاول حماية حدودها ومصالحها بينما تدفع باتجاه صيغة سياسية أكثر استقراراً.
الردع الحقيقي ليس أن تطلق النار في كل مرة تتعرض فيها للهجوم بل أن تجعل الطرف الآخر يدرك أن كلفة الاعتداء ستكون مرتفعة
وهنا يبرز تغير أعمق في موقع السعودية الإقليمي. فالمملكة لم تعد تتعامل مع الأمن باعتباره ملفاً عسكرياً منفصلاً عن الاقتصاد والدبلوماسية والاستثمار والمكانة الدولية. السعودية التي تبني اقتصاداً جديداً وتستقطب الاستثمارات وتوسّع علاقاتها الدولية وتعيد صياغة دورها في المنطقة لا يمكنها أن تسمح بأن تصبح الحرب اليمنية استنزافاً يستهلك مواردها ويشوّش على مشروعها الداخلي. لذلك فإن ضبط حدود التصعيد ليس مجرد قرار أمني، بل جزء من إستراتيجية الدولة نفسها.
الاستثمارات الكبرى لا تزدهر في بيئة يمكن أن تتحول فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى خبر يومي. والمشروعات الاقتصادية الكبرى تحتاج إلى أمن إقليمي يسمح للمملكة بأن تنقل مركز ثقلها من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل. ومن هنا يمكن فهم لماذا تصبح الدبلوماسية بالنسبة إلى الرياض جزءاً من منظومة الدفاع الوطني، وليست نشاطاً موازياً لها.
ذلك هو الفرق بين دولة تخوض المعركة ودولة تدير البيئة التي تجري فيها المعركة.
وإذا نجحت الرياض في الحفاظ على هذه المعادلة، فإنها لن تكون قد خرجت من اختبار الهجمات الأخيرة بأقل الخسائر فحسب، بل قد تكون قد رسخت نموذجاً جديداً للقوة الإقليمية: قوة تستطيع أن تردع من دون أن تنجر، وأن تتحالف من دون أن تعتمد، وأن تفاوض من دون أن تتنازل عن أمنها.
وهذا، في حد ذاته، شكل أكثر نضجاً من الردع، وأكثر انسجاماً مع دولة تريد أن تحمي أمنها اليوم، من دون أن ترهن مستقبلها لحرب الغد.