السعودية وأمريكا شراكة استراتيجية بلا حدود

لم يعد اختزال العلاقات السعودية الأميركية في صيغة بسيطة قائمة على النفط مقابل الدفاع بل أصبحت الشراكة تعكس حقائق اقتصادية جديدة ومجالات تعاون آخذة في التوسع.
السبت 2025/11/22
لقاء الفرص الضخمة

أدرك الرئيس الأميركي روزفلت الأهمية الاستراتيجية للسعودية بالنسبة لأميركا بعد لقائه بالملك عبدالعزيز على متن السفينة “كوينسي” عام 1945، وهو اللقاء الذي أسس لعلاقة تحالف استراتيجي، وأسفر عن توفير الحماية العسكرية للسعودية مقابل ضمان السعودية لإمدادات النفط اللازمة للولايات المتحدة. عزز هذا الاتفاق من مكانة السعودية الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وجعلها لاعبًا رئيسيًا في معادلات الطاقة العالمية. ومنذ ذلك الحين، حملت السعودية هم الأمة العربية، وعلى الأخص القضية الفلسطينية، ما جعل روزفلت يتعهد للملك عبدالعزيز بعدم اتخاذ أي قرار بشأن فلسطين إلا بالتشاور الكامل مع السعودية، لكن الرئيس ترومان لم يلتزم بما تعهد به روزفلت.

تعززت العلاقات السعودية الأميركية من بوابة النفط، وحققت أبرز الشراكات في الشرق الأوسط منذ أن أبرمت السعودية في 29 مايو عام 1933 اتفاقية الامتياز للتنقيب عن النفط مع شركة “ستاندرد أوف كاليفورنيا” (سوكال)، ثم بُنيت لاحقًا شراكة سياسية على الصعيد الدولي قائمة على الموثوقية. ومنذ عام 1973 اشترت السعودية 25% من حصة أرامكو، تبعتها بشراء حصة أخرى في العام الذي يليه، حتى امتلكت أرامكو بالكامل في عام 1980. وعلى مدى تسعين عامًا، ترسخت العلاقات السعودية الأميركية على أساس المصالح المشتركة.

ويرى بعض النقاد في الولايات المتحدة أن الأمير محمد بن سلمان هو الزعيم الذي طال انتظاره في المنطقة، إذ قاد تحولًا تاريخيًا غير مسبوق جمع بين الجرأة والحكمة، فحرر طاقات المجتمع السعودي، وأعاد تعريف مفهوم التنمية والنهضة، حتى أصبحت السعودية نموذجًا للإبداع والانفتاح، تعكس روح القيادة المتطلعة للمستقبل، وتحولت إلى وجهة عالمية للفرص والسياحة والابتكار.

محمد بن سلمان الزعيم الذي طال انتظاره في المنطقة إذ قاد تحولًا تاريخيًا غير مسبوق جمع بين الجرأة والحكمة فحرر طاقات المجتمع السعودي وأعاد تعريف مفهوم التنمية والنهضة

أثبتت السعودية تحت قيادة الأمير محمد بن سلمان قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية، والحد من نفوذ إيران، وتعزيز الاستقرار من اليمن إلى أوكرانيا والسودان، بما يعكس دورها كقوة توازن وسلام. لذلك تراها الولايات المتحدة حليفًا لا غنى عنه، وشريكًا استراتيجيًا رئيسيًا في الدفاع والطاقة والاستثمار، وسيكون للسعودية دور حاسم في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط.

لذلك ستكون العلاقة بين أميركا والسعودية بقيادة الأمير محمد بن سلمان محور السياسة الأميركية في المنطقة، باعتباره الزعيم القادر على إعادة صياغة ملامح العالم العربي، وقيادة السعودية نحو المستقبل، حتى أصبحت المملكة مركز ثقل اقتصادي عالمي وقوة مؤثرة في توازنات القوى الدولية. أي أن العالم يشهد ولادة عالم عربي جديد بقيادة سعودية، وهو أول انقلاب جيوسياسي منذ قرون.

تأتي زيارة سمو ولي العهد في وقت يتطلب تعزيز منظومة الأمن الإقليمي تنسيقًا أوثق بين الرياض وواشنطن، باعتبار أن السعودية تلعب دورًا محوريًا في استقرار الشرق الأوسط، بينما تبقى الولايات المتحدة شريكًا أساسيًا في صياغة التوازنات الدولية. وكما وصفها سفير واشنطن السابق في الرياض مايكل راتني، فإن الزيارة ستكون متنوعة بقدر ما أصبح الاقتصاد السعودي أكثر تنوعًا.

يعتبر مسؤولون أميركيون زيارة ولي العهد تأكيدًا على أهمية الشراكة الاستراتيجية. وعلّق السيناتور ريش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بأن السعودية لاعب رئيسي في مستقبل الأمن والاقتصاد العالميين، خصوصًا مع تغير الشرق الأوسط بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية ورسم المنطقة مسارًا جديدًا، ستكون السعودية فيه قائدًا مهمًا في العديد من الملفات. كما علّق قائد القيادة الأميركية المركزية السابق الجنرال جوزيف فوتيل بأن الزيارة مؤشر على أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك مصالح حيوية تتعلق بالأمن القومي في الشرق الأوسط، باعتبار السعودية شريكًا إقليميًا أساسيًا لتعزيز الاستقرار في منطقة شديدة الأهمية من العالم.

لم يعد اختزال العلاقات السعودية الأميركية في صيغة بسيطة قائمة على النفط مقابل الدفاع، بل أصبحت الشراكة تعكس حقائق اقتصادية جديدة ومجالات تعاون آخذة في التوسع، خصوصًا في ثلاثة مجالات رئيسية: معاهدة دفاع تُعرض على مجلس الشيوخ، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتبار أن السعودية لديها طموحات هائلة في هذا المجال وتريد وصولًا مستقرًا وموثوقًا للتكنولوجيا الأميركية، خصوصًا فيما يتعلق بالشرائح المتقدمة، إلى جانب الطاقة حيث أن السعودية مستثمر رئيسي في الطاقة المتجددة، وترى الطاقة النووية جزءًا من مستقبلها. وسيتم التركيز في منتدى الاستثمار الأميركي السعودي على قطاع المعادن الحيوية كركيزة أساسية للتعاون الاقتصادي والعمل المشترك في مجالات الاستكشاف والمعالجة وتبادل التكنولوجيا.

الحرب التجارية بين أميركا والصين أعطت اهتمامًا إضافيًا للسعودية. لذلك، وفي حضور ترامب وكل وكالات الأنباء العالمية، وبعد أن استقبل الرئيس ترامب الأمير محمد بن سلمان استقبالًا أسطوريًا، أكد ولي العهد بقوله: “نحن لا نقوم بالاستثمار لأجل إرضاء أميركا أو ترامب، بل نرى فرصًا حقيقية تعود علينا جميعًا بالفوائد”.

الأمن والاستقرار شرطان للازدهار وتحقيق حلم أوروبا الجديدة، فالعلاقات بين الدول تعتمد على المصالح الاستراتيجية، لكن العلاقات الشخصية تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز تلك العلاقات. وأكد الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارته لواشنطن قائلًا: “نريد خطًا واضحًا لحل القضية الفلسطينية، وإن السعودية تريد أن تضمن مسارًا حقيقيًا للتوصل إلى حل الدولتين”. فيما صرح ترامب: “نعمل على إرضاء الجميع لتحقيق السلام في الشرق الأوسط”. في المقابل، ترى إسرائيل أن حصول السعودية على الجيل الخامس وطائرات F-35 يخل بالتوازن في الشرق الأوسط. وهكذا تحصد المنطقة ما زرعته القيادة السعودية في هذه الزيارة التاريخية، خصوصًا وأنها وجدت في ترامب رئيسًا تاريخيًا لا يخضع للوبيات بل يؤمن بمبدأ “أميركا أولًا”.

أثبتت السعودية تحت قيادة الأمير محمد بن سلمان قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية، والحد من نفوذ إيران، وتعزيز الاستقرار من اليمن إلى أوكرانيا والسودان، بما يعكس دورها كقوة توازن وسلام

لذلك أكد الرئيس ترامب خلال حفل استثنائي في البيت الأبيض في 18/11/2025 حرصه على تعزيز شراكة بلا حدود بين البلدين للتكامل الاقتصادي والشراكات في كافة المجالات. وفي المقابل، أكد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن العلاقة بين الجانبين لا يمكن استبدالها، وهي جهود حاسمة لسياساتنا الاقتصادية والأمنية، مذكرًا بتسعة عقود على تأسيسها. خصوصًا وأن السعودية نجحت في رفع نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى 24.89% بنهاية 2024، معززة بذلك التقدم المتواصل في مسيرة التوطين بهذا القطاع إلى ما يزيد على 50% بحلول 2030. وهو ما أكده راي بيسيلي، نائب الرئيس للأعمال الدولية في شركة “لوكهيد مارتن” العالمية للصناعات الدفاعية، بأن السعودية شريك عالمي رئيسي، وهي من أهم أسواق الشركة الاستراتيجية على مستوى العالم الممتدة لأكثر من 60 عامًا، انتقلت من مجرد تزويد بالمنظومات إلى بناء منظومة دفاعية وصناعية متكاملة تتماشى مع مستهدفات رؤية 2030.

وضعت السعودية ثقة كبيرة في الشركة من خلال استثمارات واسعة في منصاتها وأنظمتها الدفاعية، حيث تعمل الشركة مع السعودية على بناء هندسة دفاعية متعددة الطبقات والمساهمة في مستقبل قدراتها الدفاعية. والشراكة لا تقف عند حدود التسليح، بل تمتد إلى الصناعة ونقل المعرفة، كما اتجهت إلى تطوير تقنيات جديدة، بجانب توجه الشركة إلى التعاون مع الجامعات السعودية لتنمية رأس المال البشري، خاصة في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، حتى أصبح كثير من الشباب الذين تم تدريبهم جزءًا من القوى العاملة في مسيرة التوطين. وتُعد الشركة المصنعة للمقاتلة الشبحية المتقدمة إف-35، التي شكلت محورًا رئيسيًا في النقاشات الدفاعية، خطوة عكست مستوى الثقة الاستراتيجية بين البلدين وحجم الدور الذي يمكن أن تضطلع به الصناعات الدفاعية الأميركية في دعم قدرات السعودية الدفاعية المستقبلية.

تود السعودية الانتقال من نسبة توطين تبلغ 2% إلى استهداف 50-60%، وهي قفزة ضخمة، فيما تنمو قدرة الشركة على العمل داخل منظومة سلاسل الإمداد السعودية، وبشكل خاص دفع التقنيات المتقدمة في مجالات الأمن السيبراني والمرونة والتقنيات الناشئة، بما يواكب تطور التهديدات الحديثة، ما يخلق قدرة مستدامة تتجاوز أي مشروع منفرد.

نجحت الشركة في توطين تصنيع مكونات منظومة الدفاع الصاروخي “ثاد”، إلى جانب شراكات مع شركات سعودية مثل “ميبك” و”إيه آي سي ستيل”، لدفع إنتاج الحساسات عالية التقنية باستخدام التصنيع بالإضافة إلى الطباعة الثلاثية الأبعاد. واختارت الشركة الشراكة مع السعودية طريقًا للتنمية يضمن البقاء في موقع متقدم أمام التهديدات المتغيرة، وتعتبر الشركة السعودية شريكًا طويل الأمد في بناء مستقبل الدفاع والصناعات المتقدمة.

7