السعودية خط الدفاع الأول عن الاقتصاد العالمي؟

التحرك الأوروبي والفرنسي والبريطاني يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أمن السعودية مرتبط بأمن الملاحة والطاقة وأن اضطراب الممرات البحرية أزمة أوروبية ودولية مشتركة.
الجمعة 2026/09/25
تهديد ينبع يعني اختبار أحد أهم البدائل التي يمكن أن تلجأ إليها الرياض.

عندما اعترضت السعودية الخميس ستة صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه مناطق بينها الطائف وينبع، كانت المواجهة تدور ظاهرياً فوق الأراضي السعودية، لكنها كانت في حقيقتها تقترب من إحدى أهم العقد التي يعتمد عليها استقرار سوق الطاقة العالمي.

القيمة الإستراتيجية لينبع لا تأتي من كونها ميناءً سعودياً على البحر الأحمر فحسب، وإنما من موقعها داخل منظومة صُممت أصلاً لتقليل تعرض صادرات النفط السعودية للاختناق إذا أصبح الخليج ومضيق هرمز غير آمنين. خط شرق-غرب ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، ومن هناك يمكن تحميله للتصدير من دون المرور بمضيق هرمز. ولذلك فإن تهديد ينبع لا يعني فقط محاولة إلحاق الضرر بمنشآت داخل السعودية، بل يعني اختبار أحد أهم البدائل التي يمكن أن تلجأ إليها الرياض.

وهذا ما يجعل استهداف المنشآت المرتبطة بهذا المسار مختلفاً عن هجوم تقليدي على بنية اقتصادية. فحين حين تكون المنشأة جزءاً من مسار بديل لممر بحري عالمي مهدد أصلاً، فإن تأثيرها يمتد إلى الأسواق التي تعتمد على استمرار التدفقات. وقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 3 في المئة الخميس بعد الهجمات الحوثية على السعودية، في انعكاس سريع لمخاوف السوق من اضطراب الإمدادات.

ولهذا أيضًا يحمل تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن وزناً يتجاوز الحرب الأهلية. فالجماعة التي نشأت داخل صراع على السلطة أصبحت، بفضل موقعها الجغرافي وقدرتها الصاروخية والمسيّرة، قادرة على التأثير في منطقة تمر عبرها حركة تجارية دولية واسعة.

◄ المعادلة الحاسمة اليوم ليست من يحمي السعودية، بل قدرة المجتمع الدولي على منع تحول الخليج والبحر الأحمر واليمن إلى حزام دائم من الاختناق

والأخطر أن هذا التطور يأتي في وقت يتعرض فيه هرمز نفسه لاضطراب حاد. اجتماع الضغط على الممرين يجعل أي حادث أمني في الخليج أو البحر الأحمر أكثر قابلية للانتقال إلى أسعار الطاقة والنقل والتأمين. وهنا تتغير طبيعة المخاطر: لم تعد المشكلة مرتبطة بقدرة دولة على حماية منشآتها، وإنما بقدرة شبكة التجارة العالمية على امتصاص صدمات متزامنة في مناطق متقاربة ومترابطة اقتصادياً.

من هذا المنظور يمكن فهم التحرك الأوروبي. فقد أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن مهمة “أسبيدس” البحرية تحتاج إلى أكثر من عشرة سفن حربية، مقارنة بنحو ست سفن تعمل حالياً، محذرة من انعكاسات التهديد على المصالح الأوروبية وسلاسل الإمداد وأسعار الوقود.

أوروبا التي اعتادت النظر إلى أمن الخليج والبحر الأحمر باعتباره ملفاً تديره الولايات المتحدة، تجد نفسها أمام مصلحة مباشرة في حماية الممرات البحرية. فالسفن الأوروبية تعبر البحر الأحمر، والمصافي الأوروبية تعتمد على إمدادات الطاقة، والصناعات الأوروبية مرتبطة بسلاسل توريد تمر عبر آسيا وقناة السويس. اضطراب هذه الشبكة لا يحتاج إلى أن يصل إلى الأراضي الأوروبية حتى يصبح أزمة أوروبية.

ومن هنا جاءت الخطوة الفرنسية. إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون إرسال جنود وأنظمة رادار ودفاع جوي إلى السعودية لحماية ينبع، مع تأكيده أن المهمة تهدف إلى حماية الموقع وليس الانخراط في الحرب، يعكس انتقال حماية البنية النفطية السعودية إلى مستوى من التعاون العسكري الأوروبي المباشر.

وبريطانيا اتخذت مساراً مكملاً، بالموافقة على طلب سعودي لتقديم دعم دفاعي للتزود بالوقود جواً لفترة محدودة، مع نشر طائرة “فوييجر”. ويختلف نوع الدعم الفرنسي عن البريطاني، لكن القاسم المشترك بينهما هو أن أمن السعودية بات يُقرأ من خلال أمن الملاحة والطاقة، وليس باعتباره شأناً ثنائياً محصوراً في حدود المملكة.

وهذا يضع الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيداً. فالسعودية التي اعتمدت طويلاً على الشراكة الأمنية مع واشنطن تواجه اليوم بيئة تتعدد فيها الجبهات: إيران، هرمز، البحر الأحمر، اليمن، والمنشآت النفطية. الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأبرز في المنطقة، لكن تعدد هذه الملفات يجعل قرار فتح جبهة جديدة ضد الحوثيين أكثر ارتباطاً بحسابات أوسع من الطلب السعودي نفسه.

وفي هذه البيئة، تكتسب الشراكات الأوروبية أهمية إضافية بالنسبة إلى الرياض. فتنويع العلاقات الدفاعية لا يلغي التحالف الأميركي، لكنه يمنح السعودية أدوات أخرى عندما تتوزع المخاطر على أكثر من مسرح. وقد وسعت المملكة خلال السنوات الماضية علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع قوى مختلفة، بالتوازي مع تطوير قدراتها المحلية.

وهنا تصبح المعركة حول الممرات البحرية جزءاً من تطور أوسع في طبيعة الصراعات. لم تعد السيطرة على الأرض وحدها معيار القوة. القدرة على تعطيل طريق تجاري، أو رفع تكلفة استخدامه يمكن أن تمنح طرفاً أصغر حجماً تأثيراً يتجاوز قدرته العسكرية التقليدية. وهذا ما جعل جماعات مسلحة مثل الحوثيين قادرة على فرض نفسها في الحسابات الأمنية لدول بعيدة عن اليمن.

◄ استهداف ينبع لا يقتصر على منشآت سعودية بل يهدد بديلًا إستراتيجيًا لمضيق هرمز ما يجعل تأثيره مباشرًا على أسواق الطاقة العالمية واستقرارها

لكن خلف هذه الحسابات توجد كلفة يمنية مباشرة. فعودة القتال إلى جبهات هدأت نسبياً منذ هدنة 2022 تعني أن التجميد العسكري لم يتحول إلى تسوية سياسية. ومع اتساع المواجهات وسقوط قتلى ونزوح أعداد كبيرة من السكان، يجد اليمن نفسه مجدداً داخل صراع تتجاوز أطرافه المحلية حدود البلاد.

وهكذا تتعايش في الأزمة ثلاث طبقات مختلفة. هناك صراع يمني على السلطة والسيطرة على الأرض، وصراع إقليمي تتداخل فيه السعودية وإيران والحوثيون، ثم طبقة دولية تتعلق بالملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد. وكلما تداخلت هذه المستويات، أصبح من الصعب معالجة أحدها بمعزل عن الآخرين.

فالهجمات على ينبع لا تُقرأ في العواصم الأوروبية بوصفها حادثاً أمنياً سعودياً فحسب. ما يتعرض للخطر هو أحد المسارات التي يمكن أن تستخدمها الأسواق عندما تتعطل الطرق الأخرى. وعندما يصبح هذا المسار نفسه هدفاً، فإن هامش المناورة أمام الاقتصاد العالمي يضيق.

لهذا فإن ما يجري حول السعودية لا يمكن اختزاله في معادلة “العالم يتداعى لنصرتها”، كما لا يمكن فصله عن الحرب اليمنية بوصفه مجرد ملف أمني محلي. ينبع وهرمز وباب المندب أصبحت حلقات في منظومة واحدة، وأي اضطراب في إحداها يرفع كلفة الاضطراب في الأخرى؛ لذلك فإن التحرك الفرنسي والبريطاني والأوروبي يعكس قبل كل شيء اتساع المصالح الدولية المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة، فيما تبقى حماية المنشآت والممرات إجراءً ضرورياً لكنه مؤقت ما لم تتراجع البيئة السياسية والعسكرية التي تنتج التهديد.

المعادلة الحاسمة اليوم ليست من يحمي السعودية، بل ما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على منع تحول الخليج والبحر الأحمر واليمن إلى حزام دائم من نقاط الاختناق.

1