السعودية تعيد توازن القوى في المنطقة

السعودية أعادت صياغة التوازن الإقليمي عبر تحالفات دفاعية واقتصادية مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها الاستباقية لتصبح قوة مركزية في الشرق الأوسط الحديث.
الاثنين 2026/06/22
السعودية صانعة لمعادلة توازن قوى

الحرب التي تدور في المنطقة بين إيران وأميركا وإسرائيل تعيد توازن القوى وفق أربعة قواعد استراتيجية وأمنية وجيوسياسية واقتصادية، وهذه القواعد لا تجتمع إلا في السعودية.

يأتي ذلك مع إصرار إسرائيل على استخدام القوة المفرطة في فرض وقائع على الأرض، وتوجيه السياسات بالقوة وفق تصوراتها ومصالحها الخاصة، وهي السلوكيات العدائية التي ترفضها السعودية وتعدها مضرة بالسلم الإقليمي، خصوصًا بعدما مر الشرق الأوسط بتحولات بنيوية منذ 7 أكتوبر 2023. فقد سعت إسرائيل لتوسيع نفوذها بعدما فقدت إيران كثيرًا من قدراتها على استخدام أذرعها الخارجية، وبشكل خاص بعد خروج سوريا من محورها، ومنع قيام دولة فلسطينية. هذه التغيرات العميقة تجعل من التعاون السياسي والأمني والدفاعي بين الرياض وواشنطن عنصرًا حاسمًا في منع الانزلاق نحو فوضى طويلة في المنطقة.

لإعادة تعريف دور الرياض ومكانها وشكل التحالف مع واشنطن، وتسمية السعودية حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة من خارج الناتو، يتأسس الموقف السعودي على رؤية شاملة تنطلق من مبدأ محوري: أن الأمن لا يُصاغ بالقوة المجردة ولا بمنطق التصعيد المستدام، بل يُبنى بتوازن دقيق بين الردع السياسي والانفتاح الدبلوماسي وصناعة المصالح المشتركة التي تحمي العلاقات وتحافظ على استدامتها. ومن هذا المنطق برزت السعودية بوصفها فاعلًا إقليميًا يعيد تعريف دوره كقوة استقرار تسعى إلى إطفاء بؤر التوتر وحسمها في الوقت نفسه.

تحضرت السعودية لأي تغيرات مفاجئة قد تحصل في منطقة شديدة السيولة أمنيًا وسياسيًا، فاتجهت نحو بناء منظومة دفاعية متطورة لا تعني أنها تسعى نحو الصدام، بل لتوفير أدوات تمنع التصعيد أو الاعتداء على الأراضي السعودية أو تهديد المصالح الاقتصادية. كانت قراءتها استباقية لواقع المنطقة، خصوصًا أنها تتوقع حدوث صدام محتمل في الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

من خلال رؤية استراتيجية شاملة جمعت الرياض بين الردع السياسي والانفتاح الدبلوماسي وحولت الأزمات إلى مكاسب مثبتة مكانتها كقوة استقرار ومرجعية عربية دولية مؤثرة

وبالفعل، تم استهداف إيران في 28 شباط/فبراير 2026، فاتجهت إلى التركيز على الجغرافيات الصغيرة، واستهدفت الإمارات بنحو 50% من إجمالي استهدافات دول الخليج، فيما كان استهداف السعودية 18% رغم جغرافيتها الكبيرة. وتمتلك السعودية خبرات في اعتراض المسيرات والصواريخ، خصوصًا بعد استهداف منشآت النفط في بقيق عام 2019، حيث حدثت السعودية منظوماتها الدفاعية في عامي 2015 و2019، ثم تطوير متقدم جدًا في 2025.

واجهت السعودية الانتقالي ووقف الفوضى في جنوب اليمن في كانون الأول/ديسمبر 2025 كخطوة استباقية لهذه الحرب، واتجهت إلى دعم الصومال والسودان، فعدلت التوازن الاستراتيجي في المنطقة بعدما حجّمت النفوذ الإسرائيلي. سبقت هذه الخطوة اتفاقًا دفاعيًا مع باكستان في أيلول/سبتمبر 2025، في لحظة مشحونة إقليميًا ودوليًا. وصفت هذه الاتفاقية بالتاريخية، وتحمل أبعادًا استراتيجية عميقة، ولم تأتِ من فراغ بل جاءت امتدادًا لعلاقات تمتد لأكثر من ثمانية عقود بين البلدين، وترسل رسائل متعددة المستويات إلى الإقليم والعالم. خصوصًا وأن المنطقة تشهد عربدة في الدوحة وإبادة في غزة، ما يستوجب تضمين العلاقة السعودية–الباكستانية ضمن استراتيجيات الأمن العربي. هذه السياسة تعبر عن نهج سعودي حذر بعيد عن الانفعال، يسمح بتوزيع مصادر القوة. وترى السعودية أن التوازن الاستراتيجي لا يقتصر على مواجهة البندقية بأخرى، بل يشمل توازنًا في القوى عبر محاور متعددة. فالرادار السعودي يقرأ بعناية المهددات الإقليمية ويعيد ترتيب التحالفات وفق حسابات دقيقة.

الاتفاقية مع باكستان تضيف ضغطًا على الإدارة الأمريكية التي تخشى إعادة اصطفاف القوى في الشرق الأوسط بعيدًا عن مظلتها التقليدية، لكنها تضغط على واشنطن لتسريع اتفاقيات دفاعية وقعتها مع السعودية. وهو ما جعل إيران تتردد في استهداف السعودية على غرار دول الخليج، وفي كل مرة يتم فيها استهداف المملكة تنفي إيران مسؤوليتها وتتهم أمريكا وإسرائيل.

السعودية صانعة معادلة توازن قوى، ولن تسمح لا لإيران ولا لإسرائيل باللعب أمامها في صناعة هذه المعادلة. بل إنها أعادت توزيع الجاذبية التجارية بعد حرب إيران، حيث تركزت في السعودية وانتقلت المراكز المالية والتجارية إلى الرياض، خصوصًا بعدما أصبحت المسارات البرية والبحرية حصرية في السعودية على البحر الأحمر.

فأصبحت السعودية بديلًا بريًا وبحريًا وتجاريًا وماليًا. فأزمة مضيق هرمز شكلت تحولًا استراتيجيًا في المنطقة، أعادت تشكيل خريطة الاعتماد عليه. لم تعد السعودية تعتمد على المضيق، ووفق أحد التقارير فإن الممر البري شرق–غرب “بترولاين” لنقل النفط وتصديره من ينبع بسعة 7 ملايين برميل يوميًا، يُعد أخطر ممر أنشئ خلال المائة عام الماضية. وفي هذه الأزمة لم تتأثر السعودية كما تأثرت بقية دول الخليج.

واجهت السعودية الأزمة بحلول متعددة: لوجستية، جيوسياسية، اقتصادية، ومالية. والأهم أنها ستخرج من هذه الأزمة كقوة مركزية، وكل الدول الخليجية التي تعتمد على مضيق هرمز ستلجأ إليها للبحث عن بدائل مستقبلية. على غرار خط الأنبوب العراقي لنقل النفط عبر الأراضي السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، الذي أنشئ في الثمانينات بطاقة 1.6 مليون برميل وأُغلق عام 1990 بعد احتلال صدام حسين الكويت. ولدى السعودية خيارات أكثر عبر مد خطوط أنابيب عبر حضرموت والمهرة، وكذلك نقل النفط عبر خط أنابيب سوميد من العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير بالإسكندرية على البحر المتوسط بطول 320 كم، يمثل شريانًا استراتيجيًا بديلًا لقناة السويس لنقل نفط الخليج العربي إلى أوروبا بطاقة تتجاوز 2.5 مليون برميل يوميًا، حيث نُقل أكثر من 50–61 مليون طن من النفط الخام في الفترة 2018–2025.

بنت السعودية في الفترة الماضية، وفق رؤية المملكة 2030، بنية تحتية استراتيجية غير مرئية لأي استهداف، تمنحها ميزة تنافسية طويلة الأمد جاذبة للاستثمارات العالمية مقارنة ببقية دول الخليج التي لا تمتلك عمقًا جغرافيًا. خصوصًا بعد الأزمة التي أثبتت أن تلك الدول معرضة للاستهداف والخطر. وهو ما يفرض على السعودية إعادة توزيع الجاذبية التجارية الإقليمية. وبعد الأزمة، ظهر إجماع خليجي غير مسبوق ورسالة موحدة من المجلس الخليجي.

السعودية تتجه نحو الضغط على واشنطن كقوة مرجعية عربية–إسلامية–خليجية بل دولية في إدارة عدد من الملفات، وعلى رأسها ملف الطاقة، الشريان الاقتصادي للعالم، من أجل وقف هذه الحرب. خصوصًا بعد تدمير قوة إيران الدائمة، إذ تجاوزت إيران في هذه الحرب الخطوط الحمراء، ما يمنح السعودية شرعية سياسية لصياغة ترتيبات أمنية لمقاضاة إيران وتعويض الدول المتضررة.

السعودية بنت في الفترة الماضية، وفق رؤية المملكة 2030، بنية تحتية استراتيجية غير مرئية لأي استهداف، تمنحها ميزة تنافسية طويلة الأمد جاذبة للاستثمارات العالمية مقارنة ببقية دول الخليج

وفي 18 آذار/مارس 2026 صدر قرار أممي يدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، صوتت لصالحه 13 دولة من أصل 15 عضوًا في المجلس، بينما امتنعت روسيا والصين عن التصويت. وجاء القرار رقم 2817 الذي قدمته دول الخليج والأردن وتبنته 135 دولة، مطالبًا إيران بوقف هجماتها فورًا. وأكدت السعودية على مضامين القرار، واحتفاظها بحقها الكامل في اتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها وردع العدوان، وفق ما هو معترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

هذه الإدانة بإجماع دولي غير مسبوق، وصف القرار بالتاريخي يعكس موقفا دوليا حازما في رفض هذه الاعتداءات غير المشروعة، دليلا صارخا على انتهاك إيران للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية والأممية، وخلال مشاركة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في الاجتماع التشاوري في الرياض في 11/3/2026 بهدف التحرك الجماعي لتفادي مزيد من التدهور مع التركيز على حماية أمن الدول واستقرارها، ومنع اتساع رقعة الصراع، ودعا إيران لوقف اعتداءاتها على الدول الخليجية والعربية محذرا من أن هذا التمادي سيكون له ثمن، وأن إيران لن تكون شريكا حقيقيا لدول المنطقة، وهي تتصرف على هذا النحو العدواني، وأن الثقة معها تحطمت، خصوصا وأن سلوك إيران امتداد لنهج قائم على الابتزاز ورعاية المليشيات، بما يهدد أمن واستقرار دول الجوار، وهذا ما لا تقبله السعودية ولا دول الخليج، وعلى إيران أن تعي أن دول الخليج قادرة على الرد السياسي وغيره، ووجه وزير الخارجية السعودي رسالة لإيران بقوله آمل أن يفهموا رسالة هذا الاجتماع ويتوقفوا عن استهداف جيرانهم، ولكني أشك أن لديهم هذه الحكمة، والصبر الذي مارسته دول الخليج ليس بلا حدود والتصعيد الإيراني سيقابله تصعيد في الجهة المقابلة، سواء عبر الموقف السياسي أو غيره.

وأكد وزير الخارجية أن إيران لم تكن يوما شريكا استراتيجيا للسعودية، وكان يمكنها أن تصبح كذلك لو تخلت عن أفكار الهيمنة الإقليمية وتصدير الثورة واستخدام القوة، كانت هناك محاولات متكررة من السعودية لمد يد الأخوة للإيرانيين، وآخرها اتفاق بكين، لكن الجانب الإيراني لم يقابل هذه اليد الممدودة بمثلها.

7