السعودية تعيد تعريف قوتها

السعودية تمتلك القدرة على التفكير على مدى طويل وتمويل مشاريع ضخمة من خلال رأس المال السيادي.
الثلاثاء 2026/09/01
ما يحدث في الرياض أكبر من معرض للتقنيات الجديدة

مؤتمر “ليب 2026” لم يعد مجرد مناسبة تقنية تعرض فيها الشركات أحدث منتجاتها، ولا مجرد تجمع سنوي لعمالقة التكنولوجيا والمستثمرين.

ما يحدث في الرياض أكبر من معرض للتقنيات الجديدة. إنه محاولة لإعادة تعريف موقع السعودية في الاقتصاد العالمي، من دولة تؤدي دوراً مركزياً في توفير الطاقة التقليدية إلى دولة تريد أن تصبح أيضاً جزءاً من البنية التحتية التي ستشغّل اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

وهذا تحول يستحق القراءة بعيداً عن لغة المؤتمرات التي تميل عادة إلى المبالغة في وعود المستقبل.
الذكاء الاصطناعي لا يعيش في السحابة بالمعنى المجازي الذي تحبه شركات التكنولوجيا. إنه يعيش في مراكز بيانات ضخمة، ويحتاج إلى كهرباء هائلة، ورقائق متقدمة، وشبكات اتصال، وأمن سيبراني، ورأس مال طويل الأجل، وبيئة تنظيمية قادرة على استيعاب سرعة الابتكار. ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو السعودية أقل غرابة في دخول هذا السباق مما قد توحي به صورتها التقليدية كاقتصاد نفطي.

فالدولة التي بنت ثروتها على الطاقة تريد الآن أن تستخدم موقعها في منظومة الطاقة لبناء موقعها في منظومة الحوسبة. وهنا تكمن إحدى أكثر الأفكار طموحاً في التحول السعودي.

لم تعد الرياض تريد أن تكون مجرد مورد للوقود الذي يشغّل الاقتصاد العالمي، بل أن تصبح جزءاً من البنية التي تشغّل اقتصاده الرقمي. النفط منح المملكة نفوذاً استراتيجياً طوال عقود لأن العالم كان يحتاج إلى الطاقة. والرهان الجديد هو أن العالم سيحتاج، بصورة متزايدة، إلى الحوسبة والطاقة التي تجعلها ممكنة.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى انتقالاً من قطاع إلى قطاع، لكنه في الحقيقة محاولة لإعادة إنتاج الميزة الجيوسياسية نفسها في اقتصاد جديد.

في القرن العشرين، كانت أهمية السعودية مرتبطة قبل كل شيء بموقعها في سوق النفط العالمي. أما في القرن الحادي والعشرين، فتسعى المملكة إلى إضافة موقع آخر إلى هذه المعادلة: أن تكون مركزاً لرأس المال والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي.

دخول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مباشرة في مشروع التحول يعطي التكنولوجيا موقعاً سياسياً لا يقل أهمية عن موقعها الاقتصادي

وهذا يفسر التركيز المتزايد على مراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. فهذه القطاعات ليست مجرد فروع من قطاع التكنولوجيا، بل تمثل البنية التحتية لاقتصاد جديد ستكون فيه القدرة على معالجة البيانات وحمايتها وتشغيل النماذج الذكية ذات قيمة اقتصادية واستراتيجية متزايدة.

والميزة السعودية هنا واضحة: المال. لكن المال وحده لا يبني اقتصاداً تكنولوجياً.

يمكن لصندوق سيادي أن يمول مركز بيانات، ويمكن لشركة أن تشتري أحدث الرقائق، ويمكن للحكومة أن تعلن مليارات الدولارات من الاستثمارات. لكن التكنولوجيا لا تتحول إلى اقتصاد مستدام إلا عندما تتحول الاستثمارات إلى شركات، والشركات إلى منتجات، والمنتجات إلى أسواق، والأسواق إلى وظائف ومهارات ومؤسسات قادرة على الابتكار من دون الاعتماد الدائم على الخبرة المستوردة.

وهنا تبدأ الاختبارات الحقيقية للمشروع السعودي.

فالسعودية تستطيع شراء البنية التحتية بسرعة نسبية. لكنها لا تستطيع شراء سنوات الخبرة التي تحتاجها الجامعات والمختبرات والشركات لبناء مجتمع ابتكاري حقيقي. تستطيع جذب كبار شركات التكنولوجيا، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى خلق بيئة تسمح لشركات محلية بأن تصبح هي الأخرى منتجة للتكنولوجيا، لا مجرد مستهلك لها.

وهذا يفسر أهمية الحديث عن الشباب والمواهب الوطنية في الرؤية السعودية الجديدة.

فالتحول الاقتصادي لا ينجح إذا بقي الذكاء الاصطناعي مشروعاً تديره الدولة وتنفذه شركات عالمية بينما يظل المجتمع مستخدماً للتكنولوجيا فقط. القيمة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المواطن السعودي جزءاً من دورة إنتاج المعرفة، لا مجرد مستهلك للمنتجات التي تنتجها مراكز أخرى.

المليارات التي تُعلن في المؤتمرات مهمة، لكنها ليست المقياس الوحيد للنجاح. السؤال الأهم هو ماذا ستنتج هذه المليارات بعد خمس أو عشر سنوات؟ كم شركة ستولد؟ كم براءة اختراع ستسجل؟ كم نموذجاً ذكياً سيُطوّر؟ كم وظيفة عالية المهارة ستنشأ؟ وكم من المعرفة ستبقى داخل المملكة بدلاً من أن تكون مجرد خدمة مستوردة؟

هذه أسئلة أكثر صعوبة من إعلان حجم الاستثمار، لكنها هي التي ستحدد ما إذا كانت السعودية تبني اقتصاداً رقمياً حقيقياً أم مجرد نسخة أكثر حداثة من اقتصاد يعتمد على الإنفاق الرأسمالي.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ التقليل من أهمية ما تفعله الرياض.

فالسعودية تمتلك شيئاً لا تمتلكه كثير من الدول التي تطمح إلى دخول سباق الذكاء الاصطناعي: القدرة على التفكير على مدى طويل وتمويل مشاريع ضخمة من خلال رأس المال السيادي، إلى جانب موقع جغرافي يسمح لها بأن تكون جسراً بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وقطاع طاقة يمكن أن يمنحها ميزة مهمة في عالم تزداد فيه شهية مراكز البيانات للكهرباء. وهذه النقطة قد تصبح أكثر أهمية مع مرور الوقت.

لم تعد الرياض تريد أن تكون مجرد مورد للوقود الذي يشغّل الاقتصاد العالمي، بل أن تصبح جزءاً من البنية التي تشغّل اقتصاده الرقمي

فالذكاء الاصطناعي الذي يبدو في واجهته برنامجاً أو نموذجاً لغوياً هو في جوهره صناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة. كلما أصبحت النماذج أكثر تعقيداً، احتاج تدريبها وتشغيلها إلى قدرات حوسبة أكبر. وكلما انتشرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى مراكز بيانات جديدة. وهكذا يعود الاقتصاد الرقمي، بطريقة غير متوقعة، إلى سؤال قديم جداً: من يملك الطاقة؟

من هذه الزاوية، قد لا يكون امتلاك السعودية للنفط عبئاً ينبغي التخلص منه كي تدخل اقتصاد المستقبل، بل ميزة يمكن استخدامها للدخول إليه.

النفط كان في الماضي منتجاً نهائياً تقريباً: يُستخرج ويُباع ويولد دخلاً. أما الطاقة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي فهي جزء من منظومة أكثر تعقيداً. القيمة لا تكمن فقط في إنتاج الكهرباء، بل في ربطها بمراكز البيانات والشبكات والاتصالات والاستثمارات والبحث العلمي.

إذا نجحت السعودية في بناء هذه المنظومة، فإنها لن تكون قد انتقلت ببساطة من بيع النفط إلى الاستثمار في التكنولوجيا. ستكون قد انتقلت من بيع مورد طبيعي إلى بناء بنية تحتية للاقتصاد العالمي.
كما أن دخول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مباشرة في مشروع التحول يعطي التكنولوجيا موقعاً سياسياً لا يقل أهمية عن موقعها الاقتصادي. ففي رؤية المملكة، لا يمثل الذكاء الاصطناعي قطاعاً جديداً يضاف إلى قطاعات الاقتصاد، بل أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد نفسه.

وهذه نقطة تفسر حجم الطموح السعودي. فالتحول المطلوب ليس أن تصبح السعودية دولة لديها شركات ذكاء اصطناعي. المطلوب أن تصبح التكنولوجيا جزءاً من الدولة والاقتصاد والتعليم والصحة والخدمات والطاقة والصناعة والدفاع.

بمعنى آخر، تريد الرياض أن تجعل الذكاء الاصطناعي طبقة تحتية للاقتصاد السعودي، وجزءاً من مشروع بناء الدولة الحديثة، وليس مجرد مشروع اقتصادي.

1