"السجن الكبير": سكان الجنوب وجهاً لوجه مع إسرائيل

الانسحاب يجري فيما لم تُحسم بعد الشروط التي يفترض أن تجعل انتقال المسؤولية إلى الدولة اللبنانية ممكناً.
الأربعاء 2026/09/16
مخاوف العزلة في رميش بعد رحيل اليونيفيل

بيروت – في الطريق إلى رميش، تبدو مركبات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وكأنها آخر حركة طبيعية في منطقة أغلقتها الحرب على نفسها. خلف نقاط التفتيش الإسرائيلية، تنتشر القرى المهدمة والبيوت المهجورة، بينما تتولى الدبابات الإسرائيلية مراقبة طرق باتت صلتها ببقية لبنان تمر عبر ترتيبات عسكرية لا يملك سكانها التحكم فيها. لكن المشهد قد يتغير مع نهاية العام، عندما تبدأ قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» إنهاء عملياتها، تاركة وراءها بلدات تخشى أن تتحول عزلتها إلى واقع دائم.

في رميش، أكبر تجمع سكاني في المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، يعيش نحو ستة آلاف شخص في وضع يصفه السكان بأنه أشبه بـ«سجن كبير». لم يعد القلق مرتبطاً فقط بالقصف أو احتمال تجدد المعارك، وإنما بالسؤال الأكثر بساطة: كيف سيصل الغذاء والوقود والدواء؟ وكيف سيتمكن السكان من الوصول إلى بقية لبنان إذا غابت القوة الدولية التي كانت ترافق القوافل وتساعد على عبور نقاط التفتيش؟

بدأت المؤشرات تظهر قبل انتهاء المهمة. فقد ألغيت خلال الأسبوع الماضي قوافل كانت تحمل مساعدات وبضائع إلى رميش في اللحظات الأخيرة، فيما قال سكان إن مخزونات المنتجات الطازجة والوقود بدأت تنفد. أغلقت متاجر للخضراوات والفاكهة، بينما اقتصرت بعض المتاجر الأخرى على المواد الغذائية غير القابلة للتلف. وباتت البلدة، التي بقيت مأهولة وسط دمار واسع في القرى المحيطة، أكثر اعتماداً على ممرات إمداد تمر عبر منطقة تخضع لسيطرة إسرائيلية.

هنا تصبح اليونيفيل بالنسبة إلى السكان أكثر من قوة مراقبة لوقف إطلاق النار. فهي تمثل، في الظروف الحالية، قناة عملية للحفاظ على الصلة بين هذه البلدات والدولة اللبنانية. وتقول الأمم المتحدة إن من مهام القوة تسهيل الوصول الإنساني ومساعدة المدنيين، إلى جانب مراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.

ولهذا يبدو انسحابها أكثر تعقيداً من مجرد إغلاق قواعد عسكرية وتسليمها إلى الجيش اللبناني. فقد قرر مجلس الأمن أن ينتهي تفويض اليونيفيل في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، على أن يبدأ بعد ذلك انسحاب منظم وآمن يستمر عاماً، بهدف الوصول إلى وضع تصبح فيه الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في جنوب لبنان. كما طلب المجلس من الأمم المتحدة البحث في خيارات مستقبلية لتنفيذ القرار 1701، بما في ذلك مراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش اللبناني.

لكن المشكلة أن الانسحاب يجري فيما لم تُحسم بعد الشروط التي يفترض أن تجعل انتقال المسؤولية إلى الدولة اللبنانية ممكناً. فقرار مجلس الأمن نفسه يدعو إسرائيل إلى سحب قواتها من شمال الخط الأزرق ومن المواقع الخمسة التي تحتفظ بها داخل الأراضي اللبنانية، كما يدعو السلطات اللبنانية إلى الانتشار فيها. وبالتالي فإن مغادرة اليونيفيل قبل اكتمال هذه الترتيبات تفتح سؤالاً عن الجهة التي ستدير الواقع الأمني خلال المرحلة الانتقالية.

هل يكون انسحاب اليونيفيل خطوة نحو استعادة الدولة، أم مرحلة انتقالية يجد فيها المدنيون أنفسهم وجهاً لوجه مع واقع أمني تفرضه إسرائيل؟

إسرائيل من جهتها تقول إن وجودها في المنطقة الأمنية مرتبط بإزالة البنية العسكرية لحزب الله، وإنها لا تنوي البقاء فيها على المدى الطويل أو إقامة قواعد دائمة. لكن بالنسبة إلى سكان رميش، لا يكفي إعلان النية في الانسحاب مستقبلاً. ما يهمهم هو ما يحدث في الفترة التي تفصل بين الواقع الحالي وبين أي تسوية تسمح للجيش اللبناني باستعادة السيطرة الكاملة على المنطقة.

وتكشف تجربة رميش أن الفراغ المحتمل ليس أمنياً فقط. فاليونيفيل توفر أيضاً وجوداً دولياً في منطقة يصعب الوصول إليها، وتتيح للأمم المتحدة مراقبة التطورات والتحقق من الانتهاكات وتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني. وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن القوة تواصل حتى نهاية مهمتها مراقبة الانتهاكات على الخط الأزرق، واستخدام قنوات الاتصال مع الجانبين لمنع التصعيد وتسهيل الوصول الإنساني وحركة المدنيين.

وإذا غاب هذا الوجود، فقد يصبح جنوب لبنان أقل انفتاحاً على المراقبة الدولية، خصوصاً في المناطق التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية. وهذا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستسعى إلى تثبيت احتلال دائم، لكنه يعني أن المدنيين قد يجدون أنفسهم في منطقة تتداخل فيها السيطرة العسكرية مع غياب آلية دولية قوية للمراقبة.

وهنا تكمن المفارقة. فاليونيفيل تأسست عام 1978 بعد الاجتياح الإسرائيلي للجنوب، وكانت مهمتها الأولى مرتبطة بالتأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية واستعادة السلام والأمن ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها. وبعد حرب 2006 توسعت مهمتها لتشمل مراقبة وقف الأعمال القتالية ودعم انتشار الجيش اللبناني والمساعدة في وصول المساعدات الإنسانية.

وبعد نحو خمسة عقود، تستعد القوة للرحيل في وقت لا يزال فيه السؤال الذي أنشئت لمعالجته مطروحاً بصورة مختلفة: من يملك السلطة الفعلية على الأرض، ومن يحمي المدنيين، ومن يراقب الخط الفاصل بين لبنان وإسرائيل؟

وتحاول الأمم المتحدة تفادي هذا الفراغ من خلال البحث في صيغة لاحقة لليونيفيل. وقد عرضت خيارات تشمل استمرار بعض وظائف المراقبة والرصد والتبليغ والاتصال، مع بحث ترتيبات لدعم الجيش اللبناني ومراقبة الخط الأزرق. لكن طبيعة الوجود الذي سيحل محل القوة لم تحسم بصورة نهائية.

بالنسبة إلى رميش، تبدو هذه التفاصيل الدبلوماسية بعيدة عن المشكلة اليومية. السكان يريدون أن يعرفوا كيف ستصل البضائع إلى متاجرهم، وكيف سيذهب المرضى إلى المستشفيات، وكيف سيحافظ التجار على أعمالهم، والأهم كيف سيبقون مرتبطين ببقية لبنان. ومع كل قافلة مساعدات تُلغى، يزداد الإحساس بأن البلدة محاصرة بين حرب انتهت جزئياً وترتيبات أمنية لم تستقر بعد.

وتختصر عبارة أحد سكان البلدة «نعتبر أنفسنا نعيش في سجن كبير» المعضلة التي قد تنتج عن الانسحاب. فالسجن هنا ليس جدراناً مادية، وإنما شبكة من نقاط التفتيش والطرق المغلقة والحدود العسكرية التي تجعل الحركة اليومية مشروطة بإذن طرف آخر.

ولهذا فإن خروج اليونيفيل يضع جنوب لبنان أمام اختبار يتجاوز مستقبل قوة دولية. فإذا انسحبت القوة قبل اكتمال ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وقيام آلية بديلة للمراقبة، فقد تتحول البلدات الواقعة على تماس مع المنطقة الأمنية إلى جيوب معزولة داخل بلدها.

ويبقى السؤال الذي يلاحق سكان رميش أكبر من مصير قوافل الغذاء: هل يكون انسحاب اليونيفيل خطوة نحو استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة على الجنوب، أم أنه سيترك مرحلة انتقالية يجد فيها المدنيون أنفسهم وجهاً لوجه مع واقع أمني تفرضه إسرائيل؟

في انتظار الإجابة، تبدو رميش كأنها تقف عند باب «السجن الكبير»: لا تعرف من سيفتحه، ولا من سيضمن أن الطريق بعده سيقود فعلاً إلى لبنان.