كيف حوّلت إسرائيل علم الآثار إلى سلاح
رام الله- ظلت بساتين الزيتون الواقعة على أرض زيد أزهري، على المنحدرات المحيطة ببلدة سبسطية، ملكاً لعائلته لأجيال عديدة. وقد مكّنه الدخل الناتج عن هذه الأشجار من الالتحاق بالجامعة، كما شهدت طريق هادئة قريبة أول موعد غرامي له - والذي تم في الخفاء.
لكنه الآن على وشك فقدانها؛ فقد أصدرت السلطات الإسرائيلية في وقت سابق من هذا العام أمراً بمصادرة أكثر من 2000 دونم (200 هكتار) من الأراضي المحيطة بالقرية الواقعة في الضفة الغربية المحتلة، وذلك كجزء مما تصفه بأنه خطة لتطوير الموقع الأثري الموجود على قمة التل. وتقع أرض أزهري ضمن المنطقة المستهدفة بالمصادرة.
يقول أزهري، وهو باحث في التراث وعضو في المجلس المحلي "أشعر بما تشعر به العائلات حين تفقد أحد أبنائها. الأمر لا يقتصر على خسارة الدخل المادي؛ بل يتعلق بكون المرء جزءاً من الأرض، وبالانتماء إليها. وهذا الرابط يجري انتزاعه."
يقول مسؤولون إسرائيليون إن "قرار المصادرة -الذي جُمد بأمر من المحكمة العليا الإسرائيلية عقب طعن قدمه السكان- ضروري لتطوير سبسطية والحفاظ عليها". ويربط علماء الآثار "الموقع بمدينة (شومرون)، التي كانت عاصمة للمملكة الإسرائيلية القديمة المذكورة في الكتاب المقدس. كما تضم القلعة الأثرية (الأكروبوليس) قطعاً أثرية تعود لحقب زمنية متعددة، وتوثق الحضارات الهيلينية والرومانية والبيزنطية والإسلامية التي استوطنت المنطقة".
غير أن السكان المحليين وعلماء الآثار يرون أن قرار المصادرة -الذي يُعد أكبر عملية استيلاء على الأراضي لأغراض أثرية منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967، إذ يتجاوز بكثير حدود المواقع الأثرية في سبسطية- هو جزء من مسعى أوسع تقوده الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لاستخدام علم الآثار ذريعةً لتوسيع نطاق سيطرتها على الأراضي الفلسطينية، والتمهيد في نهاية المطاف لضمها.
يقول ألون أراد، رئيس منظمة "إيميك شافيه" الإسرائيلية التي تعمل على حماية المواقع التراثية باعتبارها أصولاً عامة ملكاً لجميع المجتمعات "هذا القرار غير مبرر؛ لا من الناحية القانونية، ولا المهنية، ولا الأخلاقية".
ويضيف "تُظهر عملية المصادرة هذه، أكثر من أي شيء آخر، كيف يتم توظيف التراث وعلم الآثار كسلاح، وكيف يجري تحويلهما إلى أداة لبرنامج ضم لا علاقة له بعلم الآثار أو التراث".
بدأت إسرائيل في مصادرة أراضٍ بالضفة الغربية لأغراض أثرية لأول مرة في ثمانينيات القرن الماضي. لكن المحللين يشيرون إلى أن الطريقة التي استخدمت بها حكومة بنيامين نتنياهو -التي يتمتع فيها المستوطنون القوميون المتطرفون بنفوذ كبير- علم الآثار لترسيخ سيطرتها على المنطقة تُعد سابقة غير مسبوقة.
ومنذ تولي الحكومة مهامها في عام 2022، استولت إسرائيل على أراضٍ في مواقع أثرية أخرى، بما في ذلك محيط "هيروديون" (جبل هيرودس) -وهو موقع يقع على قمة تل قرب القدس ويضم قصراً بناه الملك هيرودس- وفي قرية "النبي صموئيل" الفلسطينية التي تضم موقعاً يُعتقد أنه يضم ضريح النبي صموئيل. كما منحت الحكومة -من جانب واحد- وحدة الآثار التابعة لـ "الإدارة المدنية" (وهي الهيئة الإسرائيلية التي تشرف على الشؤون المدنية في أجزاء من الضفة الغربية) الحق في العمل داخل المناطق الخاضعة اسمياً لإدارة السلطة الفلسطينية؛ وذلك في إطار مجموعة أوسع من التدابير الرامية إلى توسيع صلاحيات السلطات الإسرائيلية هناك. وفي الشهر الماضي، خصصت الحكومة 113 مليون شيكل (37 مليون دولار) لتطوير 70 موقعاً أثرياً في المنطقة.
وقال يوناتان مزراحي، الذي يشارك في رئاسة وحدة تتابع التوسع الاستيطاني لصالح منظمة "السلام الآن" الحقوقية الإسرائيلية "في ظل هذه الحكومة، تحول ملف الآثار إلى أداة رئيسية لضم الضفة الغربية".
وقد فاقمت هذه التدابير من حدة العوامل التي قلبت حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية رأساً على عقب على مدار السنوات الأربع الماضية؛ إذ عمل الائتلاف الحكومي بقيادة نتنياهو على زيادة أعداد المستوطنات اليهودية في المنطقة بشكل كبير، وهي مستوطنات تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وفي الوقت نفسه، أدى تصاعد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون اليهود -الذين يمارسون أنشطتهم في ظل مناخ يكاد يضمن لهم الإفلات التام من العقاب- إلى تهجير آلاف الأشخاص من منازلهم.
يصر المسؤولون الإسرائيليون على أن الإجراءات المتعلقة بالمواقع الأثرية تهدف إلى حماية التراث في الضفة الغربية. وقد صرحت "الإدارة المدنية" بأن قرار المصادرة في سبسطية -الذي وصفته بأنه "مؤقت"- يهدف إلى "الحفاظ على الموقع وترميمه وحمايته"، متهمةً السلطة الفلسطينية بإهماله. كما ذكرت أن قرار المصادرة في "النبي صموئيل" -الذي وصفته أيضاً بأنه مؤقت- كان يهدف إلى تسهيل أعمال الترميم.
غير أن علماء الآثار يرفضون الادعاء بأن السلطات الفلسطينية أهملت سبسطية، مشيرين إلى أن معظم أجزاء الموقع تخضع للسيطرة الإسرائيلية لا الفلسطينية. كما يتهمون إسرائيل بتشويه التاريخ من خلال التركيز حصراً على التاريخ اليهودي لمواقع غالباً ما تحتوي أيضاً على آثار لحضارات أخرى متعددة تعاقبت على السكن فيها لقرون.
بالنسبة للكثيرين في سبسطية، يبدو التهديد وجودياً. فوفقاً لرئيس البلدية، محمد عازم، فإن قرار المصادرة -إلى جانب الأراضي التي صودرت بالفعل- يشمل 55 في المئة من أراضي البلدة. وتمتلك نحو 560 عائلة قطع أراضٍ مدرجة ضمن خطة الاستيلاء، وتحتوي هذه الأراضي على أكثر من 6000 شجرة زيتون؛ وهي التي طالما شكلت أحد المصادر الرئيسية للدخل في البلدة.
ويضيف عازم مشيراً إلى ثلاث مدن فلسطينية رئيسية في شمال الضفة الغربية "إسرائيل تريد تمزيق أوصال الضفة الغربية، وهي تسعى للسيطرة على سبسطية نظراً لموقعها الاستراتيجي بين نابلس وجنين وطولكرم. يتساءل جميع سكان سبسطية عما يخبئه المستقبل لبلدتهم... ونحن نشعر بقلق بالغ إزاء التداعيات المحتملة لذلك على مستقبل أطفالنا هنا".