"فضولي" أول حمار بري يولد في السعودية منذ قرن

المهر الفارسي فضولي ليس مجرد مولود جديد في محمية سعودية، بل علامة على عودة نوع نادر إلى أرض غاب عنها لأكثر من قرن.
الأربعاء 2026/09/23
حيوان نادر يعود إلى صحارى السعودية

العلا (السعودية)- وسط مساحات محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، بدأت قصة صغيرة تحمل أهمية كبيرة للحياة الفطرية في السعودية، بعدما وُلد مهر ذكر من الحمار البري الفارسي، أطلق عليه اسم “فضولي”، في حدث يمثل أول ولادة ناجحة لهذا النوع على الأراضي السعودية منذ أكثر من 100 عام.

فضولي لم يولد حديثًا كما قد يوحي الإعلان، إذ جاءت ولادته في يونيو 2025، لكن الكشف عن قصته تأخر حتى اجتاز عامه الأول، وهي المرحلة الأكثر حساسية في حياة الحمار البري، حيث لا تتجاوز معدلات بقاء المواليد خلال هذه الفترة نحو 50%.

ومع تجاوز المهر عامه الأول بصحة جيدة ونشاط واضح، أصبح ظهوره علامة مهمة في مشروع طويل لاستعادة أنواع برية اختفت من أجزاء واسعة من الجزيرة العربية، وتحويل المحميات إلى بيئات قادرة على احتضان أجيال جديدة من الحيوانات التي كانت جزءًا من طبيعة المنطقة.

الحمار البري الفارسي، المعروف أيضًا بالحمار البري الآسيوي أو “الأوناغر”، ينتمي إلى عائلة الخيليات، ويتميز بقدرته الكبيرة على التحمل والسرعة، ويمكنه الوصول إلى نحو 80 كيلومترًا في الساعة. ويُعد من أقدم أفراد هذه العائلة، إذ تعود أصوله التطورية إلى ملايين السنين.

قصة فضولي تختصر في تفاصيلها رحلة طويلة من الغياب إلى العودة؛ حيوان كان جزءًا من المشهد الطبيعي للجزيرة العربية، ثم اختفى لعقود، قبل أن تبدأ محاولات استعادته من جديد

ولادة فضولي ترتبط مباشرة ببرنامج “إعادة الحياة الفطرية للجزيرة العربية”، الذي يستهدف إعادة 23 نوعًا من الحيوانات والنباتات البرية إلى موائلها التاريخية. وكان الحمار البري من الأنواع التي غابت عن المنطقة لأكثر من قرن نتيجة عوامل عدة، من بينها الصيد وفقدان الموائل الطبيعية.

البداية جاءت في أبريل 2024، عندما وصلت إلى المحمية سبعة حمر برية من الأردن، بينها خمس إناث وذكران، بعد رحلة برية امتدت لنحو 935 كيلومترًا. وكان الهدف تأسيس مجموعة قادرة على التأقلم والتكاثر ضمن بيئة مناسبة، تمهيدًا لاستعادة وجود هذا النوع في المنطقة.

رحلة إعادة التوطين لم تكن سهلة، فقد شهدت المحمية ولادات لم تكتمل بنجاح، وهو ما يعكس طبيعة العمل المعقد في برامج إعادة الحيوانات إلى بيئاتها الطبيعية، حيث تحتاج كل مرحلة إلى مراقبة دقيقة وقدرة على التعامل مع الظروف الصحية والبيئية المتغيرة.

أما فضولي، فاستطاع تجاوز المرحلة الأكثر خطورة، ليمنح القائمين على المشروع مؤشرًا جديدًا على قدرة القطيع على الاستقرار والتكاثر. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية مع وجود خطط لولادات جديدة خلال الشتاء المقبل.

ولا تتوقف أهمية القصة عند حدود المحمية، فالحمار البري الفارسي يُعد من الأنواع النادرة عالميًا، إذ تشير البيانات المنشورة إلى بقاء أقل من 600 فرد منه في البرية، فيما رُفع تصنيف حالته في عام 2025 إلى «مهدد بالانقراض بشدة».

ويرتبط الحمار البري أيضًا بذاكرة الجزيرة العربية الثقافية؛ فقد حضر في الشعر العربي القديم بوصفه رمزًا للقوة والانطلاق والمراوغة، وورد ذكره في عشرات القصائد، وهو ما يمنح عودته إلى البيئة السعودية بعد عقود طويلة بعدًا يتجاوز الجانب البيئي وحده.

ومن المفارقات اللافتة أن المهر الذي يحمل اسم “فضولي” أصبح في عامه الأول أحد أبرز المؤشرات على نجاح عملية إعادة التوطين، بعدما انتقلت القصة من مجرد نقل مجموعة من الحيوانات إلى تأسيس قطيع قادر على التكاثر داخل المملكة.

وتضم المجموعة الموجودة حاليًا في المحمية خمس إناث وثلاثة ذكور، بينما تخضع أنثى جديدة للحجر الصحي تمهيدًا لانضمامها إلى القطيع قادمة من الأردن، ضمن خطة تستهدف تعزيز التنوع الجيني وإنشاء مجموعتين منفصلتين للتكاثر.

ويعتمد نجاح هذه المشاريع على بناء مجموعات مستقرة تستطيع الاستمرار على المدى الطويل، وليس مجرد إطلاق الحيوانات في البرية. لذلك تمثل كل ولادة ناجحة خطوة إضافية نحو تكوين أعداد قادرة على النمو بصورة طبيعية والحفاظ على التنوع الوراثي للنوع.

قصة فضولي تختصر في تفاصيلها رحلة طويلة من الغياب إلى العودة؛ حيوان كان جزءًا من المشهد الطبيعي للجزيرة العربية، ثم اختفى لعقود، قبل أن تبدأ محاولات استعادته من جديد، ويأتي أول مولود ناجح في السعودية ليمنح هذه الجهود وجهًا صغيرًا وحكاية يمكن متابعتها مع مرور السنوات.

وبينما يستعد القائمون على المحمية لمراحل جديدة من برنامج إعادة الحياة الفطرية، يبدو فضولي أكثر من مجرد مهر صغير في قطيع نادر؛ فهو يمثل جيلًا جديدًا من الحيوانات التي ولدت على أرض السعودية بعد عودة نوع غاب عن صحاريها لأكثر من قرن.

◄ فضولي لم يولد حديثًا كما قد يوحي الإعلان، إذ جاءت ولادته في يونيو 2025، لكن الكشف عن قصته تأخر حتى اجتاز عامه الأول
◄ فضولي لم يولد حديثًا كما قد يوحي الإعلان، إذ جاءت ولادته في يونيو 2025، لكن الكشف عن قصته تأخر حتى اجتاز عامه الأول