رعب الترحيل يسيطر على السوريين في ألمانيا

الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا القلق سيتحول إلى موجة عودة فعلية، أم سيبقى حالة من الترقب والتوتر المستمر داخل واحدة من أكبر الجاليات السورية في أوروبا.
الثلاثاء 2026/09/22
عائلات بنت مستقبلها في ألمانيا

برلين- يخيم القلق الشديد على أوساط الجالية السورية في ألمانيا بعد تقارير إعلامية ألمانية كشفت عن خطط حكومية واسعة النطاق لمراجعة وسحب وضع الحماية من عشرات أو مئات الآلاف من اللاجئين السوريين.

ويعتزم وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت توجيه المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (بامف) هذا الخريف بإطلاق إجراءات مراجعة منهجية على نطاق واسع.

يأتي هذا التوجه في أعقاب تغير الوضع الأمني في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، حيث تعتبر الحكومة الألمانية أن الحرب الأهلية انتهت ولم تعد هناك حاجة عامة للحماية. يعيش في ألمانيا حالياً نحو 916 ألف إلى 1.16 مليون سوري، منهم حوالي 250 ألفاً حصلوا على الجنسية الألمانية. أما الباقون، فيحمل نحو 545 إلى 557 ألفاً وضع حماية معترف به (إما كلاجئين بموجب اتفاقية جنيف أو حماية فرعية). ومن بين هؤلاء، يتلقى نحو 450 ألفاً مساعدات اجتماعية أساسية، أي ما يقارب نصف الحاصلين على الحماية.

تركز الخطط الحكومية في المرحلة الأولى على فئة محددة: الشباب الرجال غير المتزوجين الذين يعيشون على المساعدات الاجتماعية ولا يعملون. وقال ألكسندر تروم، المتحدث باسم سياسة الداخلية في كتلة الاتحاد المسيحي في البرلمان الاتحادي «يجب أن تبدأ مراجعة سحب الحماية بهؤلاء الذين يعتمدون على الدولة». أما العاملون في مهن مثل الأطباء أو الممرضين، فيمكنهم التحويل إلى تصريح إقامة على أساس العمل.

بالتوازي، تخطط الحكومة لتعزيز برامج العودة الطوعية بزيادة الحوافز المالية، التي تبلغ حالياً ألف يورو لكل بالغ، معتبرة أن العودة الطوعية أرخص من الترحيل القسري.

تشير الأرقام الرسمية إلى تسارع وتيرة المراجعات بالفعل. في النصف الأول من عام 2026، انتهت 23.2% من أصل 8320 مراجعة بسحب أو إلغاء وضع الحماية، مقارنة بـ3.7% فقط في عام 2025 و3.1% في 2024. وارتفعت النسبة تدريجياً خلال الأشهر: 17% في أبريل، 30% في مايو، و57% في يونيو في بعض الفترات. ومع ذلك، يؤكد خبراء القانون مثل دانيال تيم من جامعة كونستانس أن الإجراءات لن تكون جماعية عشوائية، بل يجب فحص كل حالة على حدة.

يبلغ عدد السوريين الملزمين حالياً بالمغادرة نحو 11 إلى 14.5 ألفاً، منهم أكثر من 11 ألفاً يحملون «دولدونغ» (تصريح إقامة مؤقتة معلقة بسبب استحالة الترحيل). أما الترحيلات الفعلية، فظلت نادرة جداً: أربع حالات فقط لمرتكبي جرائم بين ديسمبر 2025 ويناير 2026، ثم توقفت بسبب رفض السلطات السورية إصدار وثائق سفر بديلة. وحتى مايو 2026، عاد طوعاً من ألمانيا عدد محدود جداً مقارنة بمليون ونصف مليون عادوا من دول الجوار.

ويعبر السوريون عن مخاوف عميقة. يقول خبراء مثل كونستانتين هروشكا إن الكثيرين بنوا حياة مستقرة هنا، ويخشون الآن فقدان كل شيء.

وتشير تقارير إلى أن بعض السوريين بدأوا يزورون سوريا سراً أو يفكرون في العودة الطوعية، بينما يحذر آخرون من أن الوضع في سوريا لا يزال غير مستقر، مع وجود تهديدات لجماعات معينة وصعوبات اقتصادية.

هذه المخاوف ليست مجرد رد فعل عاطفي عابر، بل تعكس واقعاً معيشياً معقداً يعيشه مئات الآلاف من السوريين في ألمانيا منذ أكثر من عقد.

ويؤكد كونستانتين هروشكا، أستاذ القانون الاجتماعي في الجامعة الإنجيلية للعلوم التطبيقية في فرايبورغ وخبير بارز في قانون اللجوء، أن الجالية السورية بنت وجوداً متجذراً: أطفال نشأوا في المدارس الألمانية، ومهن اكتسبت في قطاعات الصحة والرعاية والتجارة والخدمات، وشقق استأجرت أو اشتريت بعد سنوات من الادخار. الآن، مع خطط مراجعة أوضاع الحماية على نطاق واسع، يشعر الكثيرون بأن ما بنوه قد ينهار بين ليلة وضحاها.

ويقول هروشكا إن الخوف من «فقدان كل شيء» يطال حتى من لديهم وظائف مستقرة، لأن سحب وضع الحماية قد يفتح الباب أمام إجراءات أخرى تؤثر على الإقامة والعمل ولم شمل الأسرة.

تصريح المستشار فريدريش ميرتس في مارس 2026، خلال زيارة الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع إلى برلين، أشعل هذه الموجة بقوة. قال ميرتس إن «في المنظور الطويل للسنوات الثلاث المقبلة... ينبغي أن يعود حوالي 80% من السوريين الموجودين حالياً في ألمانيا إلى وطنهم».

وانتشر الرقم بسرعة في وسائل التواصل ووسائل الإعلام العربية والألمانية، فأثار هلعاً واسعاً داخل الجالية. لكن المستشار أوضح في اليوم التالي أن الرقم جاء من الرئيس السوري نفسه، وأن ألمانيا «أخذت علماً به» وهي مدركة لحجم المهمة.

ورغم التوضيح، بقي الأثر النفسي قائماً، خاصة أن الحكومة الائتلافية (الاتحاد المسيحي والحزب الاشتراكي) تؤكد في برنامجها على استئناف الترحيلات بدءاً بالمجرمين، ثم توسيع نطاق المراجعات لتشمل فئات أوسع مثل الشباب العاطلين عن العمل الذين يعتمدون على المساعدات الاجتماعية.

وفي ظل هذا الضغط، بدأت بعض السلوكيات تتغير. تقارير إعلامية ألمانية، منها تحقيقات في صحيفة «فيلت»، تتحدث عن سوريين يسافرون سراً إلى سوريا عبر لبنان أو تركيا لزيارة الأهل أو استكشاف الوضع، خوفاً من أن تؤثر الزيارة الرسمية على وضعهم القانوني في ألمانيا.

وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد طلبات العودة الطوعية المدعومة حكومياً، رغم أن الأرقام لا تزال متواضعة نسبياً: بضعة آلاف فقط منذ سقوط الأسد مقارنة بمئات الآلاف الموجودين. بعض العائدين يصفون تجربة العودة بالصعبة، ويذكرون صعوبات في الاندماج من جديد، وارتفاع أسعار الوقود، ونقص الخدمات، بل إن بعضهم أعرب عن رغبته في العودة إلى ألمانيا مرة أخرى عبر تأشيرات عمل.

من جهة أخرى، يحذر ناشطون وخبراء من أن الوضع في سوريا تحت الحكم الانتقالي لا يزال هشاً. رغم انخفاض حدة العنف العام مقارنة بسنوات الحرب، إلا أن تقارير منظمات حقوقية ومراقبين محليين تشير إلى احتجاجات متكررة ضد سياسات الحكومة الجديدة، خاصة بعد رفع أسعار الوقود، وإلى توترات طائفية أو محلية في بعض المناطق. كما تبقى مخاوف الأقليات قائمة، إضافة إلى تحديات اقتصادية هائلة في إعادة الإعمار، وبطالة مرتفعة، ودمار واسع في البنية التحتية.