الزراعة في مواجهة المناخ: الانبعاثات تأتي من الطعام

المفارقة الكبرى التي يسلط عليها التقرير الضوء هي أن هذه الانبعاثات الهائلة تحدث في وقت يفتقر فيه المليارات من البشر إلى غذاء صحي ومتوازن.
السبت 2025/10/04
أزمة مزدوجة تهدد صحة الإنسان والكوكب

بوتسدام (ألمانيا) - في خضم السباق العالمي نحو تقليل الانبعاثات والحد من الاحترار المناخي، يبرز تحد خفي لكنه بالغ التأثير: أنظمة إنتاج الغذاء. فبينما تتركز الأنظار على قطاع الطاقة والنقل والصناعة، يواصل قطاع الغذاء إسهامه الصامت في تفاقم الأزمة البيئية، دون أن يحظى بالاهتمام الكافي من السياسات المناخية العالمية.

في تقرير دولي صدر مؤخرا عن لجنة “إيت – لانسيت”، وهي هيئة علمية مشتركة بين منظمة “إيت” غير الحكومية ودورية “ذا لانسيت” العلمية، حذر الخبراء من أن أنظمة إنتاج الغذاء الحالية مسؤولة عن نحو 30 في المئة من إجمالي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. هذا الرقم الصادم يضع الغذاء في قلب الأزمة المناخية، ويكشف عن خلل بنيوي في طريقة تعامل البشرية مع مواردها الغذائية.

والمفارقة الكبرى التي يسلط عليها التقرير الضوء هي أن هذه الانبعاثات الهائلة تحدث في وقت يفتقر فيه المليارات من البشر إلى غذاء صحي ومتوازن، فبينما تُنتج الأرض كميات ضخمة من اللحوم والسكريات والدهون، يعاني الملايين من سوء التغذية، في مشهد يجمع بين التخمة والحرمان، وبين الإفراط في الإنتاج وسوء التوزيع.

ويؤكد التقرير أنه، حتى لو نجحت البشرية في التحول الكامل إلى الطاقة النظيفة، فإن أنظمة الغذاء وحدها كفيلة بإفشال هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، وهو الحد الذي تسعى اتفاقيات المناخ إلى الالتزام به لتجنب الكوارث البيئية الكبرى.

ححح

وفي مواجهة هذا التحدي، يقترح التقرير ما يُعرف بـ”النظام الغذائي للصحة الكوكبية”، وهو نموذج غذائي مرن يهدف إلى تحقيق التوازن بين صحة الإنسان وسلامة البيئة. هذا النظام لا يفرض نمطا غذائيا موحدا، بل يقدم إطارا عاما يمكن تكييفه حسب الثقافات والعادات المحلية، ويقوم على الإكثار من تناول الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات، واستهلاك معتدل للبيض، والسمك، ولحوم الدواجن، والتقليل من اللحوم الحمراء، وخاصة لحوم المجترات مثل الأبقار والأغنام والماعز.

ويشير التقرير إلى أن تبني هذا النظام عالميا يمكن أن ينقذ نحو 15 مليون شخص سنويا من الوفاة المبكرة الناتجة عن أمراض مرتبطة بالغذاء، مثل أمراض القلب والسكري والسرطان.

ومن بين أكثر العناصر الغذائية إثارة للقلق، تأتي لحوم المجترات، ليس فقط بسبب ارتباطها بأمراض مزمنة، بل لأنها تُنتج كميات ضخمة من غاز الميثان أثناء عملية الهضم. هذا الغاز يُعد من أقوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري، ويشكل نحو 53 في المئة من الانبعاثات غير المرتبطة بثاني أكسيد الكربون في القطاع الزراعي.

وبحسب التقرير، فإن تقليص استهلاك لحوم المجترات يمكن أن يخفض انبعاثات قطاع الغذاء بنسبة تصل إلى 15 في المئة، وهو رقم كبير في سياق الجهود المناخية.

ويشير الخبراء إلى أن الأنظمة الغذائية الحالية تفتقر غالبا إلى العناصر الصحية، بينما تميل إلى الإفراط في استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان والدهون والسكريات والأطعمة المصنعة. هذا النمط لا يضر بالصحة فقط، بل يُفاقم من الضغط البيئي على الأرض، ويُسهم في تدهور التنوع البيولوجي.

لكن التقرير لا يدعو إلى فرض نمط غذائي صارم، بل يؤكد أن “النظام الغذائي للصحة الكوكبية” يتميز بالمرونة، ويتوافق مع مختلف الثقافات والتقاليد والتفضيلات الفردية، مما يجعله قابلا للتطبيق عالميا دون صدام ثقافي.

ولا يقتصر التحول نحو نظام غذائي أكثر استدامة على تغيير ما نأكله، بل يتطلب إعادة هيكلة كاملة لطرق إنتاج الغذاء. فبعض القطاعات يجب أن تنكمش، مثل إنتاج لحوم المجترات الذي ينبغي تقليصه بنحو الثلث، بينما يجب التوسع في قطاعات أخرى، مثل إنتاج الفواكه والخضراوات والمكسرات، والتي يوصي التقرير بزيادتها بمقدار الثلثين مقارنة بمستويات الإنتاج في عام 2020.

كما يشمل الحل تقليل فقد الغذاء وهدره عبر سلاسل التوريد، ودعم ممارسات زراعية مستدامة، مثل تقنيات الزراعة التي تقلل التدخل في التربة، وتُحسن من إنتاجية الأرض دون الإضرار بالنظم البيئية.

خه

ويدعو التقرير إلى ضخ استثمارات غير مسبوقة في هذه المجالات، مؤكدا أن بناء نظام غذائي محايد مناخيا ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية. فالغذاء اليوم يعد أكبر عامل منفرد في تجاوز الحدود البيئية للكوكب، والتي تشمل إلى جانب تغير المناخ، اضطرابات دورات النيتروجين والفوسفور، وتحمض المحيطات، وتدهور الأراضي.

ويقول يوهان روكشتروم، مدير معهد بوتسدام الألماني والرئيس المشارك للجنة، إن التقرير “يقدم أوضح خارطة طريق حتى الآن لتغذية سكان العالم المتزايدين دون تجاوز الحيز الآمن الذي تتيحه حدود الكوكب”.

ولم يغفل التقرير الجانب الاجتماعي، بل شدد على ضرورة ضمان أجور عادلة وظروف عمل آمنة لجميع العاملين في قطاع الغذاء، وتعزيز مشاركة المزارعين الصغار والشعوب الأصلية والنساء والفئات المهمشة في عمليات صنع القرار. فأي تحول غذائي لا يأخذ في الاعتبار العدالة الاجتماعية، سيظل ناقصا، وقد يفاقم من التفاوتات بدلا من حلها.

وفي زمن تتسارع فيه الكوارث المناخية، وتزداد فيه أعداد الجياع والمرضى، يبدو أن إصلاح أنظمة الغذاء لم يعد خيارا، بل ضرورة. فالغذاء ليس مجرد مسألة صحية، بل هو قضية مناخية، بيئية، واجتماعية، تتطلب تضافر الجهود من الحكومات والمجتمعات والأفراد.

الطريق نحو كوكب صحي يبدأ من طبق الطعام، ومن قرار بسيط: أن نأكل بوعي، وننتج بمسؤولية، ونستهلك بعدالة.

10