الرباط وأبوظبي.. رؤية مشتركة لمستقبل عربي أكثر استقرارا

المغرب والإمارات يُثبتان أن التضامن العربي لا يشترط الجوار الجغرافي ولا التجانس الثقافي التام، بل يشترط التطابق في القيم وتلاقي المصالح وثقة لا تُبنى بالكلمات بل بالمواقف.
الخميس 2026/06/04
لحظة مشبعة بالدلالات

حين وصف البلاغ الرسمي الصادر عن الديوان الملكي المغربي الزيارة الخاصة التي يقوم بها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى “بلده الثاني المملكة المغربية”، لم تكن تلك مجرد مجاملة دبلوماسية مألوفة في قاموس البروتوكول، بل كانت خلاصة مكثفة لما أنتجه عقدان كاملان من التضامن الصامت، والمواقف المشتركة في اللحظات الحرجة، والاستثمار المتبادل في مشاريع البناء والتنمية. في تلك الجملة القصيرة يقيم تاريخ علاقة أثبتت أن الرباط وأبوظبي تصنعان نوعا مختلفا من التحالف العربي، تحالفا لا تمليه صدفة الجوار الجغرافي، ولا تسيّره حسابات اللحظة العابرة.

اللقاء الذي جمع الملك محمد السادس بالشيخ محمد بن زايد في مقر إقامة الأخير بالرباط مساء الثلاثاء الثاني من حزيران/يونيو 2026 شكّل فرصة للتباحث حول القضايا الدولية والإقليمية، لاسيما تلك التي تهم الخليج والشرق الأوسط. توصيف رسمي موجز يستدعي قراءته في سياقه الأوسع لفهم ما يعنيه حقا. المنطقة تمر بلحظة إعادة تشكيل حادة: حرب على إيران خلّفت تداعياتها الأمنية والاقتصادية، ومضيق هرمز لا يزال يُلقي بظلاله على أسواق الطاقة العالمية، وخريطة التحالفات يعاد رسمها بوتيرة لم تشهدها المنطقة منذ سنوات. في خضم كل هذا، كان زعيمان من طرفين متباعدين جغرافيا يجلسان في الرباط ليُعيدا تأكيد موقفهما المشترك من الإقليم ومن مسار المرحلة، وهو في حد ذاته حدث يحمل دلالة تتجاوز البروتوكول.

الاجتماع لم يكن بروتوكوليا فقط، بل رمزا لرؤية مشتركة تتجاوز الظرفية وتؤكد أن التنسيق المغربي – الإماراتي ركيزة لصياغة مستقبل عربي قائم على الاستقرار والتكامل

العمود الفقري لهذه العلاقة هو التضامن في لحظات الأزمة، وهو اختبار لا تجتازه إلا الشراكات الحقيقية. ملف الصحراء المغربية نموذج حاضر لهذا الاختبار: الإمارات أكدت دعمها لوحدة المغرب الترابية في المحافل الدولية مرات عدة، ليس بالخطاب وحده بل بالتصويت والمساندة الفعلية حين كانت اللحظة تستدعي الوضوح لا الغموض الدبلوماسي. وحين تعرضت الإمارات لهجمات إيرانية في مطلع هذا العام، أدان المغرب بحزم واضح ما وصفه بالعدوان على دولة شقيقة، مؤكدا أن أمن الخليج لا ينفصل عن الأمن العربي المشترك. موقف لم يأتِ اضطرارا، بل نابعا من مفهوم متجذر في السياسة الخارجية المغربية يرى أن التهديد الذي يطال دولة خليجية يطال المنظومة العربية بأسرها.

هذا التضامن لم يكن يوما معزولا عن الحسابات الإستراتيجية الأعمق. على صعيد الهندسة التفاوضية للمرحلة الراهنة، شددت الإمارات على أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران يجب أن يعالج المخاوف الأمنية لدول الخليج، وأن يتجنب خلق بيئة أكثر خطورة في المنطقة. وهو مبدأ تُشاركه الرباط في جوهره، إذ يدرك المسؤولون المغاربة أن الهدنات المبنية على توازن الضغوط لا على معالجة الأسباب تُنتج حروبا أطول وأشد تعقيدا مما سبقتها. الخبرة الإقليمية، من لبنان إلى اليمن إلى العراق، تُعلّم هذا الدرس بوضوح لا يقبل التأويل.

لكن ما يمنح هذه الشراكة صلابتها البنيوية ويجعلها مقاومة لتقلبات المشهد السياسي هو التكامل الاقتصادي الذي يربط البلدين بشبكة مصالح تتجاوز القرارات الظرفية. الاستثمارات الإماراتية في المغرب تمتد عبر قطاعات متعددة – السياحة والعقارات والطاقة المتجددة والبنية التحتية والتقنية – في مشاريع طبعت بصمتها على الساحل الأطلسي وضفاف البحر المتوسط، وفي شراكات طاقة شمسية تُعزز رؤية المغرب لأن يُصبح رائدا إقليميا في الطاقة النظيفة.

ما يميّز هذا التعاون الاقتصادي عن نظيره مع بعض الشركاء الآخرين هو غياب الشروط التعجيزية أو التوجيهات التنموية المفروضة، إذ يأتي الاستثمار الإماراتي بروح التعاون، يعزز الأولويات الوطنية المغربية ولا يتعارض معها. وفي المقابل، يجد المستثمر الإماراتي في المغرب استقرارا سياسيا ومؤسسيا وبيئة أعمال متطورة وموقعا جغرافيا يجعله بوابة إستراتيجية نحو أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا في آن معا. تقاطع مصالح لا يُفرض من الخارج بل ينبثق من منطق التكامل الاقتصادي الذي ينتج شبكة من الاعتماد المتبادل ترسّخ العلاقة وتجعل الاستقرار مصلحة مشتركة قبل أن يكون التزاما أخلاقيا.

في منطقة تفيض بالتصريحات وتشحّ بالأفعال، يظل لقاء كهذا دليلا عمليا على أن الشراكة الحقيقية ممكنة حين تُبنى بهدوء، وتصان بانسجام، وتُوجَّه بحكمة

هذا المنطق الاقتصادي يحوّل التحالف السياسي من إعلان نوايا قابل للتعديل عند تغيّر الظروف إلى بنية مؤسسية متشابكة تجعل أي تراجع مكلفا لكلا الطرفين. والأرقام التي تتراكم في ملفات الاستثمار هي في نهاية المطاف الوثيقة الأصدق تعبيرا عن عمق العلاقة من أي بيان ختامي لقمة.

الدلالة الأوسع لهذه الشراكة تتجاوز الثنائي المغربي – الإماراتي لتطرح تساؤلا أعمق حول ما يمكن أن تكون عليه العلاقات العربية حين تُبنى بشكل مختلف. المبدأ الجوهري الذي ترسيه أبوظبي بوضوح – “لا يمكن أن يكون دور أي دولة في الإقليم على حساب الأمن والاستقرار والازدهار المشترك” – هو مبدأ يرتّب مسؤوليات على الجميع ويحدد معيارا للسلوك الإقليمي المقبول والمرفوض. وهو معيار ينطوي في ذاته على نقد صامت لنمط من السلوك الإقليمي يقدّم مصالح الهيمنة على حساب الاستقرار المشترك.

المغرب والإمارات يثبتان بتجربتهما المتراكمة أن التضامن العربي الفعلي لا يشترط الجوار الجغرافي ولا التجانس الثقافي التام، بل يشترط التطابق في القيم وتلاقي المصالح وثقة لا تُبنى بالكلمات بل بالمواقف في اللحظات الصعبة. وهذا بالضبط ما أنتجته سنوات من التنسيق المغربي – الإماراتي: ثقة متبادلة تجعل القائد لا يتردد في وصف مملكة على الأطلسي بأنها “بلده الثاني”.

في لحظة يتشكّل فيها النظام الإقليمي من جديد، ويعاد فيها رسم خرائط التحالفات في ضوء تسويات لم تُكتمل وأزمات لم تُحسم، يقف لقاء الرباط شاهدا على أن ثمة نمطا مختلفا من بناء العلاقات العربية، نمطا يُلزم بالمبادئ لأن ذلك يخدم المصلحة، لا لأن البروتوكول يُوجبه.

اللقاء الأخير في الرباط يمكن قراءته كرسالة مزدوجة: رسالة طمأنة داخلية لشعبي البلدين بأن استقرارهما محمي بتحالف متين، ورسالة خارجية للعالم بأن العرب قادرون على صياغة شراكات ناجحة تتجاوز الانقسامات وتبني مستقبلا قائما على التعاون والازدهار.

في منطقة تفيض بالتصريحات وتشحّ بالأفعال، يظل لقاء كهذا دليلا عمليا على أن الشراكة الحقيقية ممكنة حين تُبنى بهدوء، وتصان بانسجام، وتُوجَّه بحكمة.

1