الدبلوماسية الروحية والقوة الناعمة الدينية تعززان مكانة المغرب في أفريقيا

مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ليست مجرد جهاز ديني، بل أداة استراتيجية تتقاطع فيها الوظائف الروحية مع الرهانات السياسية.
الاثنين 2026/03/02
خطاب ديني متزن

الرباط- أكدت دراسة تحليلية بمجلة “شؤون استراتيجية” تحت عنوان “القوة الناعمة للمغرب في أفريقيا جنوب الصحراء: قراءة في أدوار مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة”، أن الدبلوماسية الدينية المغربية تخطّت دورها التقليدي، لتتحول إلى وسيط حضاري فعّال لنسج علاقات متوازنة مع شعوب أفريقيا جنوب الصحراء.

وأوضحت الدراسة أن هذه الدبلوماسية الدينية تتجسد في تأهيل أئمة أفارقة داخل المملكة، وبناء مساجد بدول القارة، واستضافة علماء خلال رمضان، في سياق زيادة اهتمام الرباط بالقارة اقتصاديا وسياسيا، ما يجعل الجانب الروحي حاضرا بقوة لتعزيز الروابط بين الرباط وباقي دول القارة.

كما تكشف كيف أصبحت المرجعية المالكية الأشعرية وسيلة ناعمة لمواجهة التطرف وترسيخ الأمن الروحي في القارة، راصدة أن المغرب، من خلال مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، يقدم نموذجا دامجا بين الشرعية الرمزية والذكاء الاستراتيجي، إلى جانب آليات عمل المؤسسة التي تأسست عام 2015 كخيار استراتيجي استباقي لمكافحة الإرهاب الديني، ومن أبرز هذه الأدوات تكوين الأئمة والمرشدين من خلال “تأهيل الكوادر الأفريقية” حسب المذهب المالكي لضمان “وحدة المرجعية”.

خالد التوزاني: المغرب أطلق مبادرات رائدة كاستقبال الطلاب الأفارقة وتكوين الأئمة والمرشدين والقيمين الدينيين

وفي يونيو 2015، أعلن العاهل المغربي الملك محمد السادس إنشاء مؤسسة العلماء المغاربة بهدف “صد التيارات الفكرية والعقدية المتطرفة، وحرصا على حماية الوحدة الروحية للشعوب الأفريقية من النزاعات والتيارات والأفكار التضليلية”، قبل أن ينصب مجلسها الأعلى في 15 يونيو 2016.

وترى الدراسة أن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ليست مجرد جهاز ديني، بل أداة استراتيجية تتقاطع فيها الوظائف الروحية مع الرهانات السياسية لإعادة رسم تموقع المغرب كشريك تنموي ومؤطر ثقافي، إلى جانب تطرقها إلى الأنشطة العلمية العابرة للحدود، مثل الندوة العلمية في أوغندا (فبراير 2024) التي بحثت قضايا الأمن الروحي بمشاركة واسعة من علماء القارة، فضلا عن دور الإعلام الديني الموجه عبر إطلاق برامج إذاعية (مثل البرنامج الإذاعي الأسبوعي في النيجر) لتبسيط مفاهيم الإسلام المعتدل للجمهور العام.

وأفاد خالد التوزاني، الأستاذ الباحث ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، بأن “الدبلوماسية الروحية للمغرب قائمة الذات ولها عمق اجتماعي وديني بأفريقيا، حيث كان المغرب عبر التاريخ بوابة أفريقيا، مع جهود في حفظ الأمن الروحي من خلال نشر الإسلام بطرق سلمية تمثلت في حسن أخلاق التجار المغاربة وفي انتشار الطرق الصوفية المغربية في دول أفريقية، ثم رحلات الحج التي كانت تمر من أهم مدن المغرب، ورعاية سلاطين المغرب لشؤون الأفارقة، وبقي هذا الارتباط الروحي متواصلا مع الملك محمد السادس، وزاد قوة ورسوخا في السنوات الأخيرة بفضل المبادرات الملكية”.

وأضاف لـ”العرب” أن “قوة الدبلوماسية الروحية التي جمعت المغرب بأفريقيا في عهد الملك محمد السادس، تجددت بإطلاق مبادرات رائدة؛ كإنشاء مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة وخلق فروع لها في دول أفريقية عديدة، إلى جانب استقبال آلاف الطلاب الأفارقة في الجامعات المغربية للدراسة، وأيضا تكوين الأئمة والمرشدين والقيمين الدينيين الأفارقة، وكذلك دعوة العلماء الأفارقة لحضور الدروس الحسنية الرمضانية وتقديم بعض الدروس في حضرة الملك”.

طالب برادة: المغرب يستند إلى نموذج ديني متجذر تاريخيا، يقوم على الإسلام السني وفق المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني

وأكد الدبلوماسي طالب برادة أن المغرب يستند إلى نموذج ديني متجذر تاريخيا، يقوم على الإسلام السني وفق المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني. ويُعرف هذا النموذج بتوازنه واعتداله، ما يمنح المملكة مصداقية خاصة داخل السياق الأفريقي، الذي يتسم بتعدد المرجعيات الدينية وبالتحديات المرتبطة بظاهرة التطرف، وتُتيح هذه الشرعية الروحية للمغرب ممارسة تأثير غير قسري، يعتمد أساساً على بناء الثقة، ونقل المعرفة الدينية، وتقاسم القيم المشتركة، بعيداً عن منطق الصراع أو الهيمنة.

ورصدت الدراسة تحديات بروز قوى إقليمية ودولية جديدة وتصاعد التيارات السلفية والمجموعات المتطرفة التي تحاول استقطاب الشباب في البيئات الهشة. كما نبهت الدراسة إلى الإرث الكولونيالي، إذ مازالت بصمات الاستعمار تؤثر على توجيه السياسات الدينية لبعض الدول، ما قد يخلق ترددًا في الانفتاح على النموذج المغربي، إذا لم يتم ربط المبادرات الروحية بتقدّمٍ اقتصادي وتنموي حقيقي.

وتجمع المغرب بالدول الأفريقية جنوب الصحراء علاقات تاريخية قوية تشمل مختلف أوجه التعاون، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ودينيا.

وحسب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، فإن المملكة أطلقت مشاريع في القارة الأفريقية من أجل بناء مساجد ومعاهد دينية، وقالت في تقرير سابق إن المغرب أطلق أعمال بناء مرافق مسجد محمد السادس بالعاصمة التشادية نجامينا بتكلفة قدرها 19 مليون درهم (1.9 مليون دولار)، ويواصل تشييد مسجد بشنقيط الموريتانية بـ1.6 مليون درهم (2.16 مليون دولار) خلال 2024، كما تستكمل الوزارة بناء المركز الثقافي محمد السادس بالعاصمة التشادية بتكلفة 88 مليون درهم (8.8 مليون دولار).

وتوصي الدراسة بضرورة بلورة نظرية مغاربية خاصة للقوة الناعمة الدينية، تنفتح على المقاربات السوسيولوجية لفهم أدق للعلاقات الدولية في المجال الأفريقي، مع تمكين المرأة الأفريقية في مجالات الإرشاد الديني، إذ تعتبرها عنصرًا محوريًا في حماية الأسرة من الفكر المتطرف واستدامة الأمن الروحي، مع دمج البعد الديني في مسارات التنمية، حيث لا يُنظر للدين كتعاليم أخلاقية معزولة، بل كرافعة للفعل التنموي تتماشى مع متطلبات الدولة الحديثة.

2