الدار البيضاء تستعد لاحتضان أكبر مصنع أفريقي لتحويل النفايات إلى كهرباء

المشروع نموذج قاري في تحويل النفايات من عبء بيئي ومالي إلى مصدر للطاقة.
الأربعاء 2026/08/05
المشروع يعد أحد أبرز مشاريع الاقتصاد الدائري في المملكة

الرباط- يستعد المغرب لإطلاق أول منشأة متكاملة لتحويل النفايات إلى طاقة في منطقة الدار البيضاء الكبرى، في مشروع يعد أحد أكبر مشاريع تحويل النفايات إلى كهرباء في أفريقيا، إذ ستعالج المحطة نحو 1.5 مليون طن من النفايات البلدية سنويا، وتنتج ما يكفي من الكهرباء لتزويد ما يقرب من مليون شخص بالطاقة.

وسيُنفذ المشروع باستثمار يناهز 1.5 مليار دولار، ضمن عقد امتياز يمتد 33.5 عاما، من خلال تحالف يضم شركة ناريفا المغربية، وشركة كانديفيا إنوفا، والشركة اليابانية إيتوتشو.

وستكون المحطة ثاني منشأة من نوعها في أفريقيا، وستعتمد تقنيات متقدمة لتحويل النفايات الصلبة إلى كهرباء عبر استرداد الطاقة، بما يسهم في تقليص الانبعاثات الناتجة عن مطرح مديونة، أكبر مكب للنفايات في المغرب، وتعزيز أمن الطاقة في الدار البيضاء.

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة كانديفيا إنوفا، برونو-فريديريك بودوان، في تصريحات لرويترز، أن أعمال البناء ستبدأ فور استكمال ترتيبات التمويل، التي تشمل القروض وبيع حصص من الملكية، والمتوقع الانتهاء منها خلال الربع الرابع من العام الجاري.

وأضاف أن المحطة، التي ستتولى شركة سوماجيك المغربية تنفيذها، ستستغرق نحو ثلاث سنوات ونصف السنة لإنجازها، موضحا أن معالجة النفايات وإنتاج الكهرباء قد يبدآن قبل اكتمال أعمال البناء بنحو ستة إلى عشرة أشهر، على أن يبدأ التشغيل الكامل للمحطة في منتصف عام 2030.

وأوضحت شركة كانديفيا إنوفا، في بيان اطلعت عليه “العرب”، أنها وقعت عقود شراء الكهرباء مع الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء – سطات، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، في إطار استراتيجية المغرب الرامية إلى تحسين تدبير النفايات، وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء، وتعزيز الاستثمارات في الطاقة النظيفة.

المشروع يهدف إلى الحد من انبعاثات غاز الميثان والغازات المسببة للاحتباس الحراري، وتقليص الاعتماد على طمر النفايات، وتحويلها إلى مصدر لإنتاج الطاقة

ويمثل المشروع أحد أبرز مشاريع الاقتصاد الدائري في المملكة، إذ يهدف إلى الحد من انبعاثات غاز الميثان والغازات المسببة للاحتباس الحراري، وتقليص الاعتماد على طمر النفايات، وتحويلها إلى مصدر لإنتاج الطاقة، بما ينعكس إيجابا على الأداء البيئي للدار البيضاء ويخفض تكاليف تدبير النفايات على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، أكدت رئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء نبيلة الرميلي أن مركز طمر وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة لها، الذي يعد من أهم المشاريع الهيكلية في المدينة، سيدخل حيز الخدمة ابتداء من أكتوبر المقبل، وسيمكن من معالجة النفايات وفق أحدث المعايير الصناعية، مع إنتاج الكهرباء المخصصة للإنارة العمومية، معتبرة أن المشروع يشكل سابقة على المستوى الأفريقي.

وأضافت أن المدينة ستنتقل من نموذج “المطرح” التقليدي إلى “مصنع” متكامل يعتمد أحدث التقنيات الصناعية، مؤكدة أن المشروع جاء ثمرة مفاوضات امتدت أشهرا على المستويات الوطنية والجهوية، ويحظى بدعم مؤسساتي وهيكل تمويلي يعتمد بدرجة كبيرة على استثمارات القطاع الخاص، بما يعكس ثقة المستثمرين في جدواه الاقتصادية.

ويأتي المشروع ضمن رؤية المغرب لتطوير الاقتصاد الدائري وتعزيز أمنه الطاقي، بالتوازي مع التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، بما يرسخ مكانة المملكة كإحدى أبرز الدول الأفريقية المستثمرة في الطاقات النظيفة وحلول الاستدامة البيئية.

ومن المنتظر أن يسهم المشروع في إحداث تحول جذري في منظومة تدبير النفايات بالدار البيضاء، من خلال رفع معدل تثمين النفايات إلى نحو 80 في المئة، وتقليص الاعتماد على الطمر، عبر الجمع بين معالجة النفايات وإدارة المطرح وإنتاج الكهرباء في منظومة متكاملة.

وستبلغ القدرة الإنتاجية للمحطة 126 ميغاواط من الكهرباء، تضاف إليها 50 ميغاواط من الطاقة الشمسية و4 ميغاواط من الكهرباء المولدة من الغاز الحيوي المنبعث من مطرح النفايات، فيما يتوقع أن يصل إنتاجها السنوي إلى نحو تيراواط/ساعة واحد، مع مساهمة كبيرة في خفض انبعاثات غازات الدفيئة.

ومن المتوقع أن يوفر المشروع نحو 140 وظيفة دائمة بعد دخوله مرحلة التشغيل، إضافة إلى أكثر من 1500 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مرحلة البناء، حيث ستتولى شركة كانديفيا إنوفا أعمال الهندسة والتوريد والبناء، إلى جانب تقديم الدعم التشغيلي والصيانة طويلة الأمد، فضلا عن المساهمة في تمويل المشروع.

وأكدت الرميلي أن المشروع لا يمثل مجرد استثمار بيئي، بل نموذجا اقتصاديا مستداما يحول النفايات من عبء مالي إلى مورد اقتصادي، عبر تحقيق توازن بين كلفة معالجة نحو أربعة آلاف طن من النفايات يوميا والعوائد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية المنتظرة، بما يضمن تحقيق إيرادات مستدامة تعود بالنفع على المدينة وسكانها.

وفي حال التزم المشروع بجدوله الزمني، فإنه لن يمثل مجرد إضافة جديدة إلى البنية التحتية البيئية في المغرب، بل قد يشكل نموذجا قاريا في تحويل النفايات من عبء بيئي ومالي إلى مورد اقتصادي ومصدر للطاقة. كما يعكس توجه المملكة نحو ترسيخ الاقتصاد الدائري وربط سياسات تدبير النفايات بأهداف الأمن الطاقي وخفض الانبعاثات، بما ينسجم مع طموحاتها في تعزيز موقعها الإقليمي في مجالي الطاقة النظيفة والتنمية المستدامة.