الخليج والولايات المتحدة: من يحمي من؟
لأكثر من أربعة عقود، قامت المعادلة الأمنية في الخليج على افتراض بسيط: الولايات المتحدة موجودة، ولذلك فإن الخطر، مهما كان حجمه، يمكن احتواؤه. ولم يكن مطلوباً من دول الخليج أن تمتلك كل عناصر القوة بنفسها، ما دامت القوة الأميركية قادرة على الوصول إليها عند الحاجة.
لكن الحرب مع إيران غيّرت شيئاً مهماً في هذه المعادلة، وإن لم تُسقطها.
فالقوات الأميركية ما زالت أقوى قوة عسكرية في المنطقة، والولايات المتحدة ما زالت الشريك الأمني الأهم لمعظم دول الخليج. لكن الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على دول خليجية كشفت في الوقت نفسه حقيقة أقل راحة: المظلة الأميركية تستطيع تقليل الخطر، لكنها لا تستطيع إلغاءه.
فالولايات المتحدة تستطيع اعتراض الصواريخ، وتوفير الإنذار المبكر، وتحريك الطائرات والسفن، وحماية طرق الملاحة. لكنها لا تستطيع أن تمنع إيران من امتلاك ترسانة صاروخية ومسيّرة قادرة على إغراق الدفاعات، ولا أن تكون في كل مكان في الوقت نفسه.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كانت واشنطن لا تزال ضرورية، لكنها ليست كافية، فما الذي ينبغي أن يفعله الخليج؟
الجواب ليس الانفصال عن الولايات المتحدة. ذلك سيكون قراءة خاطئة للدرس الذي قدمته الحرب. الدرس الأكثر واقعية هو أن الخليج يحتاج إلى أن يصبح شريكاً أمنياً أكثر استقلالاً داخل التحالف الأميركي، لا بديلاً عنه. وهذا هو الاتجاه الأكثر منطقية.
فالمشكلة الخليجية ليست نقصاً في شراء الأسلحة. دول المنطقة تنفق مبالغ ضخمة على الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والسفن والمراقبة. المشكلة هي أن امتلاك المعدات لا يساوي بالضرورة امتلاك منظومة دفاع. الصاروخ الذي يطير فوق ست دول لا يحترم الحدود السياسية بينها، ولذلك فإن الرادار الذي يراه في دولة ينبغي أن يستطيع تحذير الدولة الأخرى، والبيانات التي تجمعها طائرة أو قمر صناعي يجب أن تصل بسرعة إلى مركز العمليات الذي يستطيع التصرف بناء عليها.
بعبارة أخرى، المطلوب ليس المزيد من الحديد، بل المزيد من الشبكات.
الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات كشفت أن المظلة الأميركية تقلل الخطر لكنها لا تلغيه ما يفرض على الخليج بناء منظومة دفاعية مشتركة متعددة الطبقات
وهذا تحديداً هو المجال الذي يمكن أن يتغير فيه الأمن الخليجي خلال السنوات المقبلة. حتى مفهوم الردع نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف.
في الماضي، كان الردع يعني في جزء كبير منه أن تعرف إيران أن مهاجمة دولة خليجية ستستدعي القوة الأميركية. أما اليوم، فإن الردع الأكثر مصداقية سيكون أن تعرف أن الهجوم سيواجه منظومة متعددة الطبقات: دفاعاً وطنياً، واستجابة خليجية، ودعماً أميركياً، وربما شراكات دولية أخرى. كل طبقة تضيف تكلفة إلى الحساب الإيراني.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تصبح أقل أهمية. ربما العكس هو الصحيح.
فالولايات المتحدة تمتلك ما يصعب على أي قوة خليجية منفردة أن توفره: شبكة الأقمار الصناعية والاستخبارات، والقدرات البحرية والجوية بعيدة المدى، والخبرة العملياتية، وقواعد الانتشار، والقدرة على دمج المعلومات على نطاق واسع. ومن الصعب تصور منظومة أمن خليجية فعالة في المستقبل المنظور من دون هذه القدرات.
لكن الفرق بين التحالف والاعتماد المطلق أن التحالف يفترض أن لدى الطرفين شيئاً يقدمانه.
إذا كان الخليج يريد علاقة أكثر استدامة مع واشنطن، فعليه أن ينتقل من موقع المستهلك للأمن إلى موقع المنتج له أيضاً. وهذا قد يكون أهم درس في الحرب الحالية.
مع تزايد تكلفة العمليات العسكرية الأميركية، وتداخل أولويات واشنطن بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، لم يعد من الواقعي افتراض أن الولايات المتحدة ستظل قادرة أو راغبة في تحمل كامل العبء الأمني لمنطقة غنية وحيوية بحجم الخليج إلى الأبد. وليس هذا بالضرورة نتيجة لانحسار أميركي؛ إنه نتيجة لتغير طبيعة النظام الدولي نفسه.
واشنطن تريد شركاء أكثر قدرة. والخليج يريد ضمانات أكثر استقراراً. والمصلحة المشتركة قد تكون في تقليص الاعتماد الأحادي لا في إنهائه.
هناك سبب آخر يجعل تنويع الشراكات منطقياً.
الخليج لم يعد اقتصاداً إقليمياً معزولاً، بل أصبح عقدة في شبكة عالمية تمتد من الطاقة إلى التكنولوجيا والتمويل وسلاسل الإمداد. الصين هي الشريك التجاري الأهم لعدد من دول المنطقة، والهند أصبحت لاعباً اقتصادياً واستراتيجياً متزايد الأهمية، فيما تحتفظ أوروبا بمصالح مباشرة في الطاقة والتجارة والأمن البحري. لذلك فإن تنويع العلاقات الأمنية لا ينبغي أن يعني البحث عن “أميركا بديلة”، بل بناء شبكة مصالح تجعل أمن الخليج قضية دولية متعددة الأطراف.
التحالف مع واشنطن يظل أساسياً لكن الاستقرار يتطلب أن يصبح الخليج منتجاً للأمن لا مستهلكاً فقط عبر شبكات دفاع إقليمية وشراكات دولية متوازنة
وهنا تحديداً ينبغي الحذر من فكرة شائعة لكنها مضللة: أن الخليج يستطيع ببساطة أن يستبدل واشنطن ببكين أو موسكو أو أي قوة أخرى.
لا توجد قوة واحدة تقدم ما تقدمه الولايات المتحدة في كل المجالات. الصين شريك اقتصادي ضخم لكنها لا تقدم حتى الآن المظلة الأمنية الأميركية. روسيا تمتلك قدرات عسكرية مهمة لكنها ليست بديلاً عن شبكة الولايات المتحدة العالمية. وأوروبا تملك مصالح كبيرة في أمن الطاقة والملاحة، لكنها لا تشكل قوة عسكرية موحدة قادرة على سد الفراغ الأميركي.
الأفضل، إذن، ليس استبدال مظلة بمظلة، بل بناء سقف متعدد الأعمدة.
قد يكون هذا أكثر تعقيداً، لكنه أيضاً أكثر أماناً.
والأهم أن الخليج نفسه لم يعد كما كان قبل عقدين. دوله تمتلك اليوم قدرات مالية وتكنولوجية وعسكرية أكبر، وخبرة دبلوماسية أوسع، وعلاقات دولية أكثر تنوعاً. ولذلك فإن السؤال لم يعد ما إذا كان بإمكانها أن تحمي نفسها بالكامل؛ فهذا هدف غير واقعي لأي دولة صغيرة أو متوسطة في منطقة شديدة التوتر. السؤال هو مقدار المسؤولية الأمنية التي تستطيع تحملها بنفسها، ومقدار ما تحتاجه من الحلفاء، وكيف تنسق الاثنين.
لقد أظهرت الهجمات الإيرانية في 2026 أن الحدود بين «الأمن الأميركي» و«الأمن الخليجي» أصبحت أقل وضوحاً. القاعدة الأميركية تقع داخل دولة خليجية. والمنشأة النفطية جزء من الاقتصاد العالمي. والمجال الجوي لدولة واحدة يتصل بمجال جيرانها. والهجوم على سفينة تجارية قد يتحول خلال ساعات إلى أزمة في أسعار الطاقة في آسيا وأوروبا.
لهذا فإن أمن الخليج لم يعد مسألة محلية ولا حتى أميركية فقط. إنه جزء من أمن النظام الاقتصادي العالمي.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة يجب ألا يقود إلى الاطمئنان الزائد. فوجود مصالح دولية في الخليج لا يعني أن العالم سيحمي الخليج تلقائياً. الدول تتحرك وفق مصالحها، والحلفاء يحددون أولوياتهم، والحروب الطويلة تغير حسابات الرأي العام