الحكومة والبنك الدولي: الاقتصاد المغربي يرسخ صموده ويعزز آفاق النمو
الرباط- أجمعت الحكومة المغربية والبنك الدولي على أن الاقتصاد الوطني يواصل إظهار قدرة ملحوظة على الصمود والتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية، مستفيداً من استقرار المؤشرات الماكرو-اقتصادية، واستمرار الاستثمار العمومي، والإصلاحات الهيكلية التي عززت جاذبية المملكة للاستثمار، مع بقاء عدد من التحديات المرتبطة بالمياه والمناخ وسوق الشغل والطاقة.
وأكدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، خلال عرض قدمته أمام مجلس الحكومة حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2026 وإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 والبرمجة الميزانياتية للفترة 2027-2029، أن الحكومة اعتمدت مقاربة استباقية ومرنة مكنت من الحد من تداعيات الأزمات المتلاحقة على القدرة الشرائية للمواطنين والنشاط الاقتصادي، مع الحفاظ على التوازنات المالية والاقتصادية الكبرى.
وأوضحت الوزيرة أن هذه المقاربة ساهمت في تعبئة موارد مالية إضافية، وتحسين مردودية النظام الجبائي، والتحكم في عجز الميزانية، إلى جانب مواصلة تمويل برامج الدولة الاجتماعية والحفاظ على مستوى مرتفع من الاستثمار العمومي، بما عزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات الخارجية.
وتتوافق هذه المؤشرات مع تقييم البنك الدولي، الذي أكد على لسان نائب رئيسه لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، عثمان ديون، أن آفاق النمو الاقتصادي للمغرب على المدى المتوسط تظل قوية، مع توقع بلوغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 4.3 في المئة.
وأوضح ديون أن المغرب يحقق أقوى دورة نمو اقتصادي منذ أكثر من عقد، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، والتي قد تؤثر على النمو بنحو 0.8 نقطة مئوية خلال السنة الجارية. وأضاف أن الاستثمار سيظل المحرك الرئيسي للنمو خلال سنة 2026، مع توقع ارتفاع نفقات الاستثمار بنسبة 11.2 في المائة، مدفوعة بمشاريع البنية التحتية الكبرى والاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030.
وأشار المسؤول الدولي إلى أنه، على المدى المتوسط، سيصبح الاستهلاك الخاص أكثر مساهمة في دعم الطلب الداخلي، مع توقع نمو يفوق 4 في المائة، مستفيداً من تراجع التضخم، وتحسن ثقة المستهلكين، وانتعاش قطاعات واعدة، في مقدمتها الفلاحة والسياحة والصادرات المعدنية.
وفي السياق ذاته، أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأن الاقتصاد المغربي واصل منحاه التصاعدي خلال الفصل الأول من سنة 2026، محققاً نمواً بلغ 4.6 في المائة على أساس سنوي، مقابل 4.4 في المائة خلال الفصل السابق، مدعوماً أساساً بتعافي القطاع الفلاحي ومتانة الأنشطة الخدماتية، رغم تباطؤ أداء الأنشطة الصناعية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، حذر البنك الدولي من استمرار عدد من التحديات الهيكلية، أبرزها ندرة الموارد المائية، والتغيرات المناخية، وهشاشة سوق الشغل، وارتفاع تكلفة واردات الطاقة، إضافة إلى بعض المخاطر المرتبطة بالشراكات بين القطاعين العام والخاص وعمليات التفويت وإعادة التأجير.
كما شدد عثمان ديون على أهمية التحول الرقمي باعتباره رافعة أساسية لتعزيز الإنتاجية، مؤكداً أن الاستفادة الكاملة من التقنيات الرقمية يمكن أن ترفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد المغربي بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة.
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي إدريس الفينة أن صمود الاقتصاد المغربي يستند بالأساس إلى الاستقرار الماكرو-اقتصادي والمؤسساتي، مشيراً إلى أن المملكة نجحت خلال السنوات الأخيرة في امتصاص صدمات متتالية، من بينها تداعيات جائحة كورونا، والجفاف، وارتفاع أسعار الطاقة والتضخم العالمي، وهو ما عزز ثقة المستثمرين وكرس جاذبية الاقتصاد الوطني.
وفي الإطار نفسه، أشاد البنك الدولي بالتقدم الذي أحرزه المغرب في مجال تدبير المالية العمومية، مستنداً إلى نتائج تقييم الإنفاق العام والمساءلة المالية (PEFA) لسنة 2024، والتي أظهرت تحسناً في موثوقية الميزانية، وصرامة أكبر في تنفيذها، إلى جانب إدماج متزايد لقضايا النوع الاجتماعي والمناخ في البرمجة المالية.
ويعكس الإطار الجديد للشراكة القطرية بين البنك الدولي والمغرب للفترة 2026-2035 هذه الرؤية، إذ يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل تحفيز القطاع الخاص لخلق فرص الشغل، وتعزيز الرأسمال البشري، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة. ويهدف الإطار إلى المساهمة في إحداث أكثر من 1.7 مليون منصب شغل إضافي بحلول سنة 2035، عبر إصلاحات هيكلية لتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع الولوج إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب تقليص الفوارق المجالية من خلال تطوير البنيات التحتية وشبكات النقل والخدمات الرقمية والطاقة.