التاريخ يصنع أيضا في الشقق الخاصة
يشكّل التفاعل بين الأدب والتاريخ مجالًا خصبًا للتأمل في تحولات الإنسان والمجتمع، حيث تتجاوز الكتابة السردية حدود التخييل لتلامس عمق الواقع. ومن خلال هذا التداخل، تغدو الرواية فضاءً لإعادة بناء الذاكرة واستنطاق المسكوت عنه، بما يتيح فهمًا أكثر تركيبًا للزمن وتجلياته المختلفة.
انتظم مؤخرا لقاءٌ للاحتفاء بالثلاثية الروائية لنزار بن سعد، وذلك في مقر اتحاد الكتّاب التونسيين الكائن بشارع باريس في تونس العاصمة، بمشاركة عدد من الكتّاب والجامعيين، من بينهم الرئيس الجديد للاتحاد الأكاديمي محمد سعد برغل، والأكاديمي المتميّز منصور مهني، والأساتذة سامي حشلاف، وأحمد حيزم الذي تكلّم نيابة عن المؤرّخ عادل بن يوسف الذي كان يشارك في ندوة سبعينية الاستقلال التونسي المنعقدة في الحمّامات تحت إشراف المعهد العالي للحركة الوطنية.
ونزار بن سعد جامعي مختصّ في أدب الأنوار، أي أدب القرن الثامن عشر، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، حيث يشرف على مخبر “مدرسة وآداب” الذي عُرف خلال السنوات الأخيرة بتنظيم ندوات وأيام دراسية ثرية أفضت إلى نشر العديد من الحوليات والأعمال الجماعية والدراسات والأطروحات في الأدب الفرنسي والعربي والتاريخ واللغة الإنجليزية.
التاريخ بصيغة المؤنث
الأديب يختصر مشروعه في ثلاث كلمات: الجمال، القوة، والغطرسة، كما لو كانت فصولا ثلاثة من مأساة إغريقية
اليوم يُعتبر نزار بن سعد صاحب تجربة إبداعية فريدة من نوعها، فهو صاحب ثلاثية روائية صدرت عن دار KA للنشر لصاحبها الأديب هشام قاسم، وهي حسب تاريخ صدورها: “للا قمر: المصير المضطرب لحورية من حريم القصر” (2019)؛ “مصير، الماجدة: امرأة ساحرة في كواليس التاريخ” (2021)، “ليلى الطرابلسي أو إمبراطورية الأوهام” الذي رأى النور خلال هذه الأيام.
هناك كتّاب يختارون الخيال هروبًا من الواقع، وهناك من يتخذونه وسيلة لفهمه على نحو أعمق. وينتمي نزار بن سعد إلى هذه الفئة الثانية؛ أولئك المستكشفين العنيدين الذين يرفضون الحواجز بين المعرفة التاريخية والخيال الروائي.
بصفته أستاذًا ومتخصصًا في عصر الأنوار الفرنسية، كان بإمكانه الاكتفاء بالأرشيف والتواريخ والمعاهدات، لكنه اختار طريقًا آخر: طريق “السيرة الروائية”، وهو شكل أدبي ثري وجريء يتيح الاقتراب من الحقيقة الإنسانية حيث تلوذ الوثائق الرسمية بالصمت.
في الحوار الذي خصّنا به في المجلة الناطقة بالفرنسية “سوفل إينيدي”، يكشف نزار بن سعد عن طموحه: أن يروي تاريخ تونس في القرن العشرين من خلال ثلاث نساء. ليست ثلاث شخصيات عابرة، بل ثلاثة تجليات للسلطة، وثلاث طرق للعيش داخل التاريخ بالمعنى الكبير للكلمة.
هكذا يختصر الأديب مشروعه في ثلاث كلمات: الجمال، القوة، والغطرسة، كما لو كانت فصولًا ثلاثة من مأساة إغريقية. تفتتح للا قمر المشهد، ممثلة عالمًا قديمًا يجمع بين الأناقة والأفول. تليها وسيلة بن عمار، صورة لحداثة فاتحة، لقوة متقنة ومشحذة. ثم تأتي ليلى الطرابلسي، الحلقة الأخيرة من هذه الثلاثية: تجسيدًا للإفراط، للصعود الصاعق والسقوط المدوي.
يكتب عنها: “مرآة مكبِّرة لمرحلة ظنّت أنها قادرة على ملء الفراغ بالتراكم”. عبارة تختزل الكثير. فالتاريخ عند نزار بن سعد لا يقتصر على الخطب الرسمية وتواريخ الانقلابات، بل يُصنع أيضًا في الشقق الخاصة، وفي حسابات الزواج، وفي النظرات المتبادلة داخل حميمية السلطة.
في “ليلى الطرابلسي أو إمبراطورية الأوهام”، يبلغ النص ذروة تعقيده. فالشخصية تفلت من الأنماط السائدة. هي في آنٍ سندريلا عصرية – حلاقة متواضعة تتزوج الأمير، وليدي ماكبث زوجة طموحة تدفع بزوجها أو برجلها نحو القمة.
هي ضحية وفاعلة في آن. نتاج نظام فاسد، وقوة تغيّره من الداخل. ومن خلالها تُروى حكاية أمة بأكملها: تونس “المفتونة، المخدوعة، ثم المخذولة”. تتحول ليلى الطرابلسي إلى مجاز، وتغدو سيرتها الشخصية صدى لسيرة وطن بأسره.
الكتابة بمشرط دقيق
لكن كيف تُكتب مثل هذه الحكايات؟ ينطلق نزار بن سعد من الوثيقة، بطبيعة الحال. فالأرشيف المتعلق ببن علي حاضر: أصوله المتواضعة، مسيرته في المؤسسات العسكرية، وتحالفاته السياسية المحكمة. غير أن الروائي سرعان ما يتجاوز ما يعجز عنه المؤرخ، فيفتح أبواب الملفات المصنفة سرية.
إنه يتخيل العواطف، والحسابات الداخلية، والجراح الخفية – تلك المناطق المعتمة التي تختبئ فيها الحقيقة الإنسانية. وعلى طريقة الأديب والمؤرخ الفرنسي جول ميشليه، الذي كان يسعى إلى “جعل الموتى يتكلمون”، يعمل على إحياء التاريخ وجعله ملموسًا نابضًا. وكما فعل بيار ميشون في رائعة “حيوات ضئيلة”، يستكشف التوتر الدرامي بين المصير الفردي والتاريخ الكبير، تلك القوى الخفية التي تعبر الوجود حتى في قلب السلطة.
السلطة بوصفها مسرحا
في العمق، يقدّم لنا نزار بن سعد تأملًا في ماهية السلطة نفسها. فهو يراها مسرحًا: بناءً من مظاهر ورموز وسرديات نصنعها، ثم ننتهي إلى تصديقها. فعنوان روايته – إمبراطورية الأوهام – يقول كل شيء. فالسلطة تتغذى من السراب. وما يبدو صلبًا قد ينهار، وما يُخيَّل أنه نجاح ليس إلا دخانًا. حتى المصير نفسه يغدو هشًا، مهددًا دومًا بتطرّفه وسعيه إلى ما هو أقوى وأبعد وأغنى.
وتخيّم على العمل فكرة “الهيبريس”، أي الغطرسة، تلك الفكرة العزيزة على الإغريق القدماء: نزوع الإنسان – والأنظمة – إلى الإفراط، وإلى الاعتقاد بأن الحظ سيدوم إلى الأبد… إلى أن يأتي السقوط المحتوم.
يذكّرنا نزار بن سعد بأن التاريخ ليس فقط ما يُحفظ في الأرشيف، بل هو أيضًا ما يتكوّن من الصمت والرغبات والمخاوف والأوهام، وبكل ما يستطيع الأدب التقاطه حين يعجز فعل التأريخ التقليدي.
ومن خلال وضع هذه الشخصيات النسائية في قلب السرد، يمنحنا مفتاحًا لفهم السياسة بطريقة مغايرة: لا عبر الخطابات الرسمية، بل عبر حميمية السلطة، وكواليسها، وأسرارها العائلية.
وهكذا يمتد عمله في سياق تساؤلات كبار المفكرين – أمثال فيلسوف الأنوار وصاحب الموسوعة ديدرو، وتابعيه ومن بينهم جول ميشليه وبيار ميشون – ولكن في إطار تونس المعاصرة. إنه يبرهن على أن الرواية يمكن أن تكون أداة للتفكير في التاريخ، لإعادة منحه بُعده الإنساني.
وبهذه الطريقة، تبدو كتابة التاريخ عند نزار بن سعد ليست مجرد سرد لما كان، بل مساءلة لما يتقاطع في كل مسار إنساني من واقع ورغبة ووهم – تلك المنطقة الملتبسة التي تُصنع فيها الحياة حقًا.