البطون الخاوية لا تُقنعها الأيديولوجيا… ما نشهده في إيران مثال حي

حين ينهار الاقتصاد يصبح الشارع غير قابل للضبط مهما كانت قوة الأجهزة الأمنية… وما لم تفعله الثورات قد يفعله التضخم، وما لم تنجزه المعارضة قد ينجزه الجوع.
السبت 2026/01/03
ما يحدث في إيران نموذج قابل للتكرار

على مدى العقدين الماضيين، واجهت أنظمة عديدة في المنطقة والعالم موجات احتجاجية عارمة، بعضها اندلع في إطار ما سُمّي بالربيع العربي، وبعضها الآخر جاء نتيجة أزمات داخلية متراكمة. الكثير من هذه الأنظمة نجت من السقوط عبر أدوات القمع المباشر، أو عبر التجييش الأيديولوجي والديني والقومي، أو عبر شراء الولاءات بالمال والوظائف. بدا وكأنها أحكمت قبضتها على الشارع، وأغلقت الباب أمام أي محاولة لتغيير جذري. لكن هذه السيطرة لم تعالج أصل الأزمة، بل أجلتها. واليوم، يطلّ عامل جديد أكثر خطورة: الانهيار الاقتصادي، الذي لا يمكن إخضاعه بالقوة ولا إسكات أثره بالشعارات.

حين اندلعت الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، بدا أن الشارع قادر على فرض إرادته. لكن أنظمة أخرى، مثل إيران وبعض الدول العربية، استطاعت أن تسيطر على موجات الاحتجاج عبر أدوات أمنية صارمة، أو عبر خطاب أيديولوجي يربط بقاء النظام ببقاء الهوية أو الدين أو الوطن. بدا وكأن هذه الأنظمة نجت من العاصفة، وأنها قادرة على الاستمرار رغم الغضب الشعبي. غير أن هذه النجاة كانت مؤقتة، لأنها لم تعالج جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي فجّرت الاحتجاجات في المقام الأول.

الاقتصاد المنهار لا يمكن إخضاعه بالرصاص ولا بالدعاية. حين تتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وحين تنهار العملة، وتتصاعد معدلات البطالة، وتفشل الحكومات في توفير الخدمات الأساسية، يصبح الشارع غير قابل للسيطرة. الجوع لا يُسكت، والبطون الخاوية لا تُقنعها الأيديولوجيا. ما نشهده اليوم في إيران مثال حي: فقد بدأت الاحتجاجات من تجار البازار الكبير في طهران احتجاجًا على انهيار العملة وغلاء المعيشة، وسرعان ما امتدت إلى مدن أخرى، وأغلقت محلات تجارية بالكامل. خلال أيام قليلة، دخلت الاحتجاجات يومها الخامس، وسقط قتلى في عدة مدن، بعضها في مناطق اللور غرب البلاد. هذه الموجة هي الأكبر منذ احتجاجات مهسا أميني عام 2022، لكنها هذه المرة مدفوعة بانهيار اقتصادي شامل، لا بملف اجتماعي أو سياسي محدد.

◄ الأنظمة التي نجت من الانتفاضات عبر القمع أو الأيديولوجيا تواجه اليوم خصمًا لا يُقمع ولا يُسكت: الاقتصاد المنهار. الفجوة الاقتصادية آخذة في الاتساع، والسيطرة على الشارع ستصبح شبه مستحيلة

في خضم هذه الأحداث، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتهديد مباشر لإيران، معلنًا أن الولايات المتحدة “جاهزة للتدخل إذا أطلقت السلطات النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم”، مضيفًا أن واشنطن على أهبة الاستعداد للتحرك، هذا التصريح يعكس أن الأزمة الاقتصادية في إيران لم تعد شأنًا داخليّا فقط، بل تحولت إلى ملف دولي يهدد استقرار المنطقة، ويضع النظام الإيراني أمام ضغوط خارجية غير مسبوقة. ترامب ناقش أيضًا مع نتنياهو إمكانية توجيه ضربة جديدة لإيران في عام 2026 لمنعها من إعادة بناء قدراتها النووية، ما يعني أن الاحتجاجات الاقتصادية قد تتقاطع مع ملفات أمنية وعسكرية أكبر.

الحالة الإيرانية ليست استثناءً، بل نموذج قابل للتكرار. دول عديدة في المنطقة تعاني من أزمات اقتصادية مزمنة: تضخم، بطالة، فساد، تراجع الاستثمارات، وانهيار البنية التحتية. هذه الأزمات قد لا تُترجم فورًا إلى احتجاجات سياسية، لكنها تخلق بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة. السيطرة الأمنية قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تمنعه. وحين ينهار الاقتصاد، يصبح الشارع غير قابل للضبط، مهما كانت قوة الأجهزة الأمنية. ما لم تفعله الثورات، قد يفعله التضخم. وما لم تنجزه المعارضة، قد ينجزه الجوع.

الانهيار الاقتصادي لا يهدد فقط الاستقرار المالي، بل يهدد النسيج الاجتماعي والسياسي. حين تجوع الشعوب، تنهار الولاءات التقليدية، وتفقد الأيديولوجيا قدرتها على الإقناع. الطبقات الوسطى، التي كانت في السابق صمام أمان، تتحول إلى وقود للاحتجاجات حين تفقد قدرتها على العيش الكريم. الطبقات الفقيرة، التي كانت تُخضعها المساعدات والبرامج الاجتماعية، تخرج إلى الشارع حين تفقد هذه المساعدات قيمتها أمام التضخم. في هذه اللحظة، يصبح النظام أمام معضلة لا يمكن حلها بالقوة: إما أن يصلح الاقتصاد، أو أن يواجه انهيارًا سياسيّا واجتماعيّا.

إذا استمرت الأزمات الاقتصادية في التفاقم، فإننا سنشهد موجات جديدة من الاحتجاجات في دول عديدة. هذه الموجات قد تكون أكثر عنفًا من سابقاتها، لأنها تنطلق من حاجة وجودية لا من مطلب سياسي. الجوع لا يقبل التفاوض، والانهيار الاقتصادي لا يمكن تأجيله. الأنظمة التي تظن أن السيطرة الأمنية كافية ستكتشف أن الاقتصاد أقوى من السلاح، وأن الشعوب الجائعة لا يمكن إخضاعها بالقوة. في المقابل، هناك فرصة للإصلاح: إذا أدركت هذه الأنظمة أن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحقق دون استقرار اقتصادي، فقد تبدأ في إصلاحات جدية. لكن هذا يتطلب إرادة سياسية وشجاعة، وهو ما يبدو غائبًا في كثير من الحالات.

ما عجزت عنه القوة في إخضاع الشعوب، سيتكفل به الانهيار الاقتصادي. الأنظمة التي نجت من الانتفاضات عبر القمع أو الأيديولوجيا تواجه اليوم خصمًا لا يُقمع ولا يُسكت: الاقتصاد المنهار. الفجوة الاقتصادية آخذة في الاتساع، والسيطرة على الشارع ستصبح شبه مستحيلة. الأيديولوجيا لن تنفع لحماية شعوب جائعة، والقوة لن تنجح في إخضاع بطون خاوية. ما نشهده في إيران اليوم سنشهده في دول أخرى غدًا. الدرس واضح: الاستقرار السياسي لا يمكن أن يُبنى على القمع، بل على العدالة الاقتصادية. ومن لا يفهم هذا الدرس، سيكتشف أن الاقتصاد أقوى من السلاح، وأن الشعوب الجائعة لا تُهزم.

1