البصرة تفقد إزميلها في برلين.. رحيل "سادن البرونز" العراقي مكي حسين
بغداد- نعى الوسط الثقافي والتشكيلي العراقي، ببالغ الأسى، رحيل النحات العراقي البارز مكي حسين، الذي وافاه الأجل في مقر إقامته بألمانيا. وبرحيله تنطوي صفحة مضيئة من تاريخ النحت العراقي المعاصر، حيث غادرنا الفنان الذي حمل تراب البصرة في روحه وصاغه برونزا وشكلا في بلاد الاغتراب.
في لحظة فارقة ومؤلمة من تاريخ التشكيل العراقي، تلقت الأوساط الفنية نبأ رحيله في ألمانيا، البلاد التي احتضنت موهبته منذ عام 1979. وبرحيله يفقد العراق واحدا من جيل العمالقة الذين صاغوا بوعيهم الفني ملامح الحداثة النحتية، محولين الغربة إلى مختبر جمالي لترسيخ الهوية الوطنية.
ولد الراحل في قلب البصرة عام 1947، تلك المدينة التي منحت مخيلته فيضاً من الحكايات والظلال. تخرج في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1967، ليبدأ مسيرة حافلة بالعطاء، شارك خلالها في أهم معارض وزارة الثقافة ونقابة الفنانين وجمعية التشكيليين العراقيين، وكان حاضرا حضوراً فاعلاً في المشهد التشكيلي حتى قرر الاغتراب عام 1979 متوجهاً إلى ألمانيا، ليواصل هناك رحلة إثبات الذات الفنية العراقية في المحافل الدولية.
◄ مكي استطاع أن ينقل "“الروح العراقية" من المحلية الضيقة إلى العالمية الرحبة
لا يمكن قراءة تجربة مكي حسين بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها الفن العراقي في ستينات وسبعينات القرن الماضي، إن انتماءه إلى “جماعة الرؤيا الجديدة” لم يكن مجرد انضمام تنظيمي، بل كان انحيازاً جمالياً لخطاب يمزج بين الحداثة العالمية والهوية المحلية، وهو الخطاب الذي حاول مكي حسين ترسيخه عبر تطويع الخامة وتحويلها إلى كائن يتنفس.
كان مكي حسين أحد الأعمدة الذين ساهموا في تأسيس “مصهر بغداد”، وهذه المحطة ليست تقنية فحسب، بل هي جوهرية في فهم فلسفته؛ فالتعامل مع المعادن المنصهرة يتطلب صبراً جميلاً، وقدرة على تطويع “النار” لتتحول إلى “نور” في هيئة تمثال. لقد نجح مكي في نقل تقنيات الصهر العراقية العريقة إلى فضاءات معاصرة، جاعلاً من السطح البرونزي مساحة غنية بالملمس الذي يوحي بالقدم والرسوخ.
في أعماله ثمة حوار دائم بين “الكتلة” و”الفراغ”، فمنذ بداياته في البصرة تأثر مكي بالبيئة المائية والنخيل والظلال الممتدة، وهو ما انعكس على استطالة شخوصه ومنحوتاته. إن فن مكي حسين لا يبحث عن المحاكاة الفوتوغرافية للواقع، بل يبحث عن “الجوهر التعبيري”، وشخوصه غالباً ما تبدو في حالة انتظار أو تأمل، وكأنها تحمل ثقل التاريخ العراقي على أكتافها.
◄ فنان لا يبحث عن محاكاة للواقع، بل عن "الجوهر التعبيري"، وشخوصه غالبا في حالة انتظار أو تأمل
بعد انتقاله إلى ألمانيا عام 1979، لم يذب مكي في الفن الغربي تماما بل استثمر الدقة الألمانية في التنفيذ ليصقل هويته العراقية؛ فصار إزميله أكثر حدة، ورؤيته أكثر اختزالاً. تحولت المنحوتة عنده إلى رمز، حيث تخلص من الزوائد التزيينية ليركز على قوة الحركة وتوازن الكتلة.
بصفته عضواً في جماعة الرؤيا الجديدة، كان مكي يؤمن بأن الفن وسيلة للتغيير وليس مجرد ترف. تظهر في أعماله مسحة من الحزن النبيل، وهو حزن يشبه حزن السياب في شعره. المنحوتة عند مكي حسين هي قصيدة بصرية، تروي قصة الاغتراب والبحث عن الجذور. لقد استطاع أن يحول البرونز الصامت إلى صرخة خافتة، تعبر عن ضياع الإنسان في عالم متسارع، مع الحفاظ على مسحة من الأمل تشع من توازن الخطوط وانسيابيتها.
رحل مكي حسين جسداً في ألمانيا، لكنه بقي في تاريخ الفن العراقي كأحد الرموز الشامخة. إن مساهمته في تأسيس “مصهر بغداد”، ونشاطه الدؤوب في الاغتراب، جعلا منه جسراً ثقافياً يربط بين ضفتين. أعماله اليوم هي شهادة على قدرة الفنان العراقي على تطويع المحن وتحويل الغربة إلى طاقة إبداعية خلاقة. لقد كان مكي حسين “نحات الصمت البليغ”، حيث تتكلم الكتلة حين يصمت الجميع.
نظراً لطبيعة أعماله التي توزعت بين العراق وألمانيا، تميزت مسيرته بمجموعة من المحطات الإبداعية:
منحوتات البرونز (المجموعة البغدادية): تميزت بالتصاقها بالأرض والواقع العراقي، حيث ركز على الشخصيات الكادحة والرموز الشعبية.
أعمال “جماعة الرؤيا الجديدة”: وهي الأعمال التي عرضت في سبعينات القرن الماضي، واتسمت بالتمرد على الأشكال التقليدية والبحث عن “رؤية” فلسفية أعمق للمادة.
النصب الميدانية في ألمانيا: أنجز الراحل عدة أعمال ونصب في الفضاءات العامة بمدن ألمانية، ركز فيها على حوار الحضارات والتجريد التعبيري.
تكوينات “مصهر بغداد”: وهي القطع التي كانت نتاجاً لتأسيسه المصهر، حيث برع في تقنيات صب البرونز بأساليب مبتكرة تمزج بين الخشونة والنعومة.
وعند تأمل منجزه الفني، نجد أننا أمام تجربة “نحتية/ فلسفية” بامتياز. لقد استطاع مكي أن ينقل “الروح العراقية” من المحلية الضيقة إلى العالمية الرحبة. في منحوتاته تظهر الكتلة رصينة ومحملة بالرموز التاريخية (السومرية والآشورية)، لكنها في الوقت ذاته تتحاور مع الفراغ بأسلوب حداثوي تأثر ببيئته الألمانية المتأخرة.
تتسم أعماله بـ”الاختزال التعبيري”، فهو لا يرهق المنحوتة بالتفاصيل، بل يمنحها حرية الحركة والانسياب. إن استخدامه للبرونز تحديدا يعكس رغبته في منح أعماله صفة “الخلود”؛ فالبرونز عند مكي حسين هو مرادف للصمود في وجه الزمن والاغتراب.
رحل مكي حسين وبقي صدى إزميله يتردد في قاعات العرض البغدادية والبرلينية على حد سواء. إن تجربته تظل درسا في كيفية حفاظ الفنان على جذوره البصراوية رغم عقود الغربة، وكيف يمكن للنحت أن يكون لغة إنسانية عابرة للحدود. وداعا مكي حسين، نم قرير العين، فمنحوتاتك ستبقى تحرس ذاكرة الوطن وتؤرخ لشموخ المبدع العراقي.
