الآباء البيض مدرسة مسيحية منسية في تاريخ تونس الحديث

سامية النابلي: سلسلة "تونس التعددية" تدرس آثار الأقليات في تونس.
الأربعاء 2025/09/10
إضاءة على أقلية منسية في تونس

غالبا ما يتم إنكار دور الأقليات العرقية والدينية في تونس، إذ ينحصر تاريخ البلاد في التاريخ الإسلامي أو ما قبله القرطاجي أو الروماني، بينما يتم إغفال فئات كثيرة أخرى كان لها دور بارز في تاريخ تونس، مثل اليهود والمسيحيين. هؤلاء الأخيرين كانوا محور دراسة الباحثة التونسية سامية النابلي التي كان لـ”العرب” معها هذا الحوار، لتناول مشروعها البحثي.

وفق دار النشر سانتيانا التي تنشر سلسلة “تونس التعددية”، فإنه كثيرا ما يتم نقل ماضي المجتمعات وحضاراتها المتعاقبة بالاعتماد على سردية وطنية مبسطة يتم اختزال عناصرها وتزويقها لتكون معروفة وعادة ما يتم ذلك باسم وحدة المصير. وهكذا يتجلى التاريخ في شكل مسلسل أحادي يقوم على الملاحم والبطولات المتتالية لأفراد المجموعة السكانية المهيمنة التي تصبح العمود الأساسي لهوية وطنية واحدة وأزلية.

وتبين الدراسات، وفق بيان الدار، أن مثل هذه السرديات كثيرا ما تقوم على نسيان الآخر المختلف من حيث العرق أو الدين أو الأقلي عددا وهي تنفي وجوده وتحتقر إسهامه في الذاكرة الجماعية. وانطلاقا من هذه الاعتبارات تطمح سلسلة “تونس التعددية” التي تم بعثها ضمن دار النشر سانتيانا، حديثة النشأة، إلى تشجيع البحوث والدراسات التي طرحت على نفسها رصد واكتشاف وتجميع مخلفات المجموعات الاثنية والدينية التي كان لها حضور في تاريخ البلاد التونسية.

سلسلة "تونس التعددية" تهدفُ إلى دراسة جميع آثار المعاشر والأقليات العرقية والدينية التي عاشت في تونس

تسعى سلسلة “تونس التعددية” لتجاوز النظرة الأحادية التي كثيرا ما تجعل من المكون العربي الإسلامي، على أهميته، الركن الوحيد للهوية التونسية واضعة طي النسيان عددا من الجماعات الإثنية والدينية، في حين أن آثارها ومخلفاتها المادية واللامادية لا تزال ماثلة للعيان في مجالات الحياة اليومية المختلفة.

وفي هذا الصدد وتعريفا بجزء هام من تاريخ تونس قدمت الدار ضمن سلسلتها عملا بحثيا مميزا للأكاديمية سامية النابلي، وهي دكتورة في التاريخ المعاصر وعضوة في مخبر أبحاث حول التراث التعددي لتونس بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، وكانت مسؤولة عن الأرشيف التاريخي لأبرشية تونس.

ويمثل البحث نسخة منقحة من أطروحتها للدكتوراه تحت عنوان “الآباء البيض في تونس”، قدم لها العميد الأسبق لكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة الأستاذ الحبيب القزدغلي، عن دار سانتيانا للنشر، ضمن سلسلة “تونس التعددية”.

الأقليات في تونس

تكيف تاريخي مع الواقع
تكيف تاريخي مع الواقع

في أبحاثها الخاصة بالماجستير والدكتوراه تناولت الوجود المسيحي في تونس. تبرر هذا الاهتمام في حوارها مع “العرب” قائلة “تناولتُ في بحث الماجستير شخصية الكاردينال لافيجري، مؤسس الآباء البيض والأخوات البيض. كان موضوع البحث ‘أعمال الكاردينال لافيجري في تونس (1875 – 1891)’. اقترح علي هذا الموضوع الأستاذ الراحل حسين رؤوف حمزة. أشرف على المشروع في البداية، واستمر تحت إشراف الأستاذة لطيفة لخضر.”

وتضيف “خلال أبحاثي للماجستير وزياراتي المستمرة لمعهد الآداب العربية بتونس ومكتبة أبرشية تونس، أتيحت لي فرصة الحوار مع آباء بيض مثل مارك ليونارد والراحل جان فونتين حول شخصية الكاردينال لافيجري وأرشيف الآباء البيض في روما. لذا، أثار موضوع الآباء البيض اهتمامي بشدة، فقررتُ تخصيص أطروحة تعتني بهذه المدرسة المسيحية في تونس. عرضتُ الموضوع على الأستاذ الحبيب القزدغلي (المهتم بتاريخ الأقليات الدينية)، فوافق بصدر رحب.”

سلسلة "تونس التعددية" تطمح إلى تشجيع البحوث والدراسات التي طرحت على نفسها رصد واكتشاف وتجميع مخلفات المجموعات الاثنية والدينية
سلسلة "تونس التعددية" تطمح إلى تشجيع البحوث والدراسات التي طرحت على نفسها رصد واكتشاف وتجميع مخلفات المجموعات الاثنية والدينية

وكتب العميد الحبيب القزدغلي عن أبحاثها في هذا الكتاب يقول “في الأجزاء الثلاثة التي تُشكلُ دراستها المخصصة للآباء البيض في تونس، تُتابعُ سامية النابلي مراحل تحول الجماعة المسيحية وتكيفها التدريجي مع الواقع التونسي لتصبح إحدى ركائز الثقافة التونسية من خلال مؤسستين صمدتا أمام ويلات الزمن، وهما: الحفاظ على إحدى أغنى المكتبات المتخصصة في تونس، وإصدار مجلة ذات محتوى أكاديمي مشهود له، نستعد للاحتفال بالذكرى التسعين لإصدارها.”

بانتقالنا الآن من الأطروحة إلى الدراسة، نسأل النابلي هل يمكنها شرح هذه العملية والاختلافات الناجمة عنها؟ لتجيبنا “يُمكنُ اعتبار الأطروحة بمثابة دراسةً مونوغرافية، إذ تعتمدُ فقط على وجود الآباء البيض في تونس. وأقصدُ هنا بالمونوغرافية الدراسات التي تهتم بأشخاص أو جماعات وبالتالي أعمالهم وأنشطتهم والمهام التي يوكلونها لأنفسهم. كما أجريتُ بعض التنقيحات ليحظى هذا العمل باهتمام جمهور أوسع. تطلبت مراجعة مخطوطة رسالة الدكتوراه تقليص حجمها، وإعادة هيكلة محتواها، وحذف التفاصيل الأقل أهمية، أو تلك التي لا تهم إلا المختصين من القراء.”

نُشر عمل الباحثة ضمن سلسلة “تونس التعددية”، التي يشرف عليها الأستاذ الحبيب القزدغلي في دار سانتيانا للنشر. حول هذه السلسلة التي أصدرت مجموعة هامة من الكتب، وعن بعض أعمال زملائها، وكيف تتكامل هذه المشاريع المختلفة، التي رأت النور حتى الآن، مع بعضها البعض، تقول الباحثة التونسية “كما هو مكتوب على الغلاف الخلفي لكل كتاب في هذه السلسلة: تهدفُ سلسلة ‘تونس التعددية’ إلى دراسة جميع آثار المعاشر والأقليات العرقية والدينية التي عاشت في تونس. وتأملُ السلسلة أن تكون مساحة للتفاعل والتبادل، من خلال نشر كتب تستحضر ماضي تونس التعددي، من خلال إفساح المجال لسرديات الذكريات والأبحاث التاريخية التي أنتجها باحثون تونسيون، بالإضافة إلى مؤلفين وشهود عيان عايشوا تونس أو تربطهم صلة بمن عاشوا فيها.”

هكذا إذن، صدرت ستة كتب ضمن هذه السلسلة، كما تقول، وهي “اليهود إخواننا في الوطن” للأستاذ الحبيب القزدغلي، و”إيطاليو حلق الوادي” لزميلها جمال الدين العويني، و”أحبار اليهود في البلاد التونسية” (باللغة العربية) لزميلتها سماح المطوي، و”اللاجئون الإسبان في تونس” للأستاذ بشير اليزيدي، و”الجالية اليونانية في تونس” لمؤلفها أنطونيس أ. كلديوس، بالإضافة إلى كتابها “الآباء البيض في تونس”. ستة عناوين، ستة إسهامات لمعرفة الذاكرة التعددية لتونس. ويجري حاليا نشر أعمال أخرى تتناولُ تاريخ الأقليات السوداء والأمازيغ.

البحث العلمي

سامية النابلي: موضوع الآباء البيض أثار اهتمامي بشدة فقررتُ تخصيص أطروحة تعتني بهذه المدرسة المسيحية في تونس
سامية النابلي: موضوع الآباء البيض أثار اهتمامي بشدة فقررتُ تخصيص أطروحة تعتني بهذه المدرسة المسيحية في تونس 

تُهدي النابلي كتابها لذكرى والدتها ولذكرى الأب جان فونتين (1936 – 2021). تسألها “العرب” هل يمكنها إخبارنا المزيد عنهما؟ تقول “لا يوجد إنسان أهم من الأم، وإليها نهدي ثمار جهودنا. من جانبه، ساعدني الأب جان فونتين كثيرًا في أبحاثي. فقدتُ والدتي في 29 مارس 2021، وتوفي الأب فونتين في 2 مايو 2021. كلاهما من ضحايا جائحة كوفيد – 19. كان الأب جان فونتين من أهم العارفين بالأدب التونسي باللغتين العربية والفرنسية. كتب أعمالا مهمة عن الأدب التونسي وأرخ له كما لم يفعل ذلك أحد. على كل قارئ تونسي التعرف على كتاباته وأبحاثه والنهل منها لمواصلة المشوار.”

بصفتها مسؤولة سابقة عن الأرشيف التاريخي لأبرشية تونس، تخبرنا الباحثة عما يجعله فريدا وقيما مقارنةً بالأرشيفات الأخرى في البلاد، تقول “هذا الأرشيف يتمتع بأهمية خاصة لأنه ملك لأبرشية تونس. يُمكن للباحثين الذين يعملون على المسائل الدينية والوجود المسيحي الاطلاع عليها والاشتغال انطلاقا من مراجعها القيمة.”

أما عن مشاريعها الحالية وإن كانت ستواصل بحثها بنفس الشغف، فتقول “أنا حاليا باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه. الرسالة العلمية ليست سوى خطوة تمهيدية في البحث العلمي. درجة الدكتوراه هي المدخل إلى أن تصبح باحثًا مؤهلًا. نعم، يجب على كل باحث جدي المواصلة بنفس الزخم والشغف.”

تطرح “العرب” على سامية النابلي أسئلة أكثر شخصية، للتعرف عليها بشكل أفضل: لو خُيرت أن تبدئي من جديد، ما الخيارات التي ستتخذينها؟ لو خُيرت أن تتجسدي أو تُعيدي تجسيد نفسك في كلمة أو شجرة أو حيوان، فأي منها ستكونين في كل مرة؟ وأخيرًا، لو طُلب منك ترجمة نص واحد عن الآباء البيض أو الوجود المسيحي في تونس إلى لغات أخرى، مثل العربية، فأي منها ستختارين ولماذا؟

تجيبنا “لو خُيرتُ أن أبدأ من جديد، لما استطعتُ تغيير هويتي أو معتقداتي. أنا سعيدة بحياتي وبشخصيتي. لو خُيرتُ أن أبدأ من جديد؟ ربما أكونُ طبيبة بيطرية. أود كثيرا أن أشارك في مجال رعاية الحيوان. لو خُيرتُ أن أتجسد أو أُعيد تجسيد نفسي في كلمة واحدة، لكانت ‘المُثابرة’. لو كنتُ شجرةً، لكنتُ ياسمينًا بلونه ورائحته الآسرة. لو كنتُ حيوانًا، لكنتُ قطةً، لطيفةً ومسالمةً، لكن شقية عندما يقع إزعاجها. لدي قطتان جميلتان، ‘سمارة’ عمرها سنتان، و’بسبوسة’ عمرها ثلاثة أشهر. لو تُرجم نصٌ واحدٌ عن الآباء البيض أو الوجود المسيحي في تونس إلى لغاتٍ أخرى، لقلتُ: نسخةً عربيةً أو إنجليزيةً من عملي الشخصي. لِمَ لا.”

12