استراتيجية الردع السعودية الشاملة

من عاصفة الحزم إلى اتفاق بكين أعادت السعودية صياغة معادلة الردع محققة حضورًا عالميًا ومؤكدة قدرتها على هندسة التوازن ومواجهة التحديات الجيوسياسية.
السبت 2026/06/06
تنوع الشركاء والتوجه بالمنطقة نحو سياسة "صفر مشاكل"

تعتمد استراتيجية الردع السعودية الشاملة على مزيج متكامل من القوة العسكرية الإستراتيجية والدبلوماسية النشطة والاعتماد المتبادل اقتصاديًا. وترتكز عقيدتها الدفاعية على إدارة التهديد، وتحقيق التوازن الاستراتيجي، والانتقال من منطق رد الفعل إلى مفهوم صناعة الردع وصناعة الفعل، لفرض الأمن الإقليمي.

انتقلت السعودية من الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية إلى تطوير قدرات ردع ذاتية ومستقلة، إلى جانب عقد شراكات دفاعية متقدمة لتعزيز الردع الممتد. فقد أدركت أن الاعتماد الكلي في كل أزمة على تدخل القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة لم يعد خيارًا مضمونًا، بل أصبح مكلفًا كما حدث في تجربة احتلال العراق للكويت. لذلك لم تسمح لإيران باحتلال البحرين عام 2011، وأرسلت جيشها بشكل استباقي إلى هناك، مانعةً تكرار سيناريو الكويت واستدعاء قوات أجنبية مكلفة لتحرير البحرين. كما أبرمت اتفاقًا دفاعيًا مع باكستان أعاد صياغة معادلة ردعية جديدة في المنطقة ومتغيراتها.

تستند الفلسفة الإستراتيجية السعودية إلى ربط أمن الطاقة العالمي بالمصالح السيادية، عبر تفعيل خطوط أنابيب بديلة وموانئ بديلة تكسر حاجز تهديد غلق المضايق، خصوصًا وأنها تشرف على مضيقين وقناة السويس القابلة للتهديد والغلق وقت الحروب والأزمات. هذا النهج شل قدرات الخصم، ومكّن السعودية من ضبط النفس وامتصاص الضربات الإيرانية دون الانجرار إلى تصعيد غير محسوب، وفي الوقت نفسه تأمين الإمدادات العالمية من الطاقة. يُسمى ذلك بالردع الهادئ والدبلوماسية الاستباقية، التي تحجم تأثير الفواعل وتخلق بيئة إقليمية مستقرة تُدار فيها الصراعات بحنكة سياسية.

طورت السعودية دورها من قوة ردع إلى صياغة هندسة التوازن الاستراتيجي، خصوصًا بعد التغير الكبير الذي أصاب المشهد العام للمنطقة عقب احتلال العراق، الذي وضعها أمام تحديات كبرى. فقد مكن الاحتلال إيران من ملء الفراغ الأمني والسياسي، وتوظيف جماعات ومليشيات مسلحة لخدمة سياساتها في المنطقة، وتحويل الشيعة من جماعات دينية واجتماعية إلى أحزاب وحركات سياسية وعسكرية تخدم أجندتها الطائفية. هذه الأدوات يمكن تحريكها لمواجهة أي مشروع سياسي وأمني يحفظ أمن المنطقة العربية والخليجية، مستثمرةً التردد والفشل الذي اعترى السياسات الأمريكية، خصوصًا في فترة أوباما، ولا سيما اعتراف أمريكا بالنووي الإيراني في أبريل 2015، وهو ما اعتبرته السعودية تحديًا لا يمكن القبول به. دفعها ذلك إلى المواجهة المباشرة مع وكلاء إيران في اليمن عبر “عاصفة الحزم” في 21 أبريل 2015، وكذلك تشكيل التحالف الإسلامي ضد الإرهاب في 15 ديسمبر 2015، ثم عقد القمة العربية الإسلامية الأمريكية في 20 مايو 2017 لتحقيق التوازن مع إيران.

ما أقلق الولايات المتحدة أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في 15 آذار/مارس 2018، شبّه المرشد الإيراني بأدولف هتلر الجديد الذي أراد التوسع في أوروبا، وقال إن السعودية قادرة على الحصول على النووي إذا فعلت إيران الشيء نفسه. وفي مقابلة مع قناة CBS الأميركية أكد أن السعودية لا تريد الحصول على أي قنبلة نووية، لكن إذا طورت إيران قنبلة نووية فستحذو السعودية حذوها في أسرع وقت ممكن. وأشار إلى أن إيران ليست منافسًا للسعودية، فجيشها ليس ضمن الجيوش الخمسة الأوائل في العالم الإسلامي، فضلًا عن أن الاقتصاد السعودي أكبر من الاقتصاد الإيراني، وإيران بعيدة عن أن تكون مساوية للسعودية. منذ ذلك الوقت أخذ الصراع أبعادًا أمنية وعسكرية واستخباراتية أوسع على جميع المستويات، وأصبحت قوة الردع السعودية حاضرة لا تحتاج إلى استعراض أو اختبار.

بحثت السعودية عن بدائل لأميركا التي تلعب على الصراع في المنطقة باعتباره استراتيجية لسياساتها الخارجية، فلجأت إلى التهدئة مع إيران، خصوصًا بعدما وجدت في بكين ضامنًا لهذه التهدئة في 10 مارس 2023، وهو ما شكل زلزالًا سياسيًا بدخول الصين إلى المنطقة. رأت واشنطن في ذلك تحولًا جيوسياسيًا أضعف نفوذها التقليدي في الشرق الأوسط وأربك حسابات إسرائيل الأمنية والسياسية تجاه طهران. وقد انعكس الاتفاق على واشنطن وإسرائيل بتراجع النفوذ والهيمنة، وبروز قدرة الصين على لعب دور الوسيط الدبلوماسي وحلحلة الأزمات في منطقة لطالما كانت تحت النفوذ الأميركي الحصري.

استراتيجية الردع السعودية الشاملة تمزج بين القوة العسكرية والدبلوماسية النشطة وأمن الطاقة لتنتقل من رد الفعل إلى صناعة الفعل وفرض التوازن الإقليمي المستدام

اعتبر مراقبون ذلك تراجعًا لمكانة واشنطن كقوة في الشرق الأوسط، وتغيرًا في ديناميكيات التحالفات التي عكست تنوع الشركاء وتوجه المنطقة نحو سياسة “صفر مشاكل”. لكن واشنطن رأت أن الاتفاق جاء على حساب مصالحها وسياساتها القائمة على عزل طهران، فيما عزز الاتفاق مصالح الصين الاقتصادية وطمأنها على إمدادات الطاقة نظرًا لاستيرادها النفط من كلا البلدين. كما تسبب الاتفاق في انهيار خيار التحالف الإقليمي وتقويض المصالح الإسرائيلية لبناء جبهة عربية موحدة تقودها واشنطن وتل أبيب لعزل إيران وضربها، مما أدى إلى تعقيد مسار التطبيع. وهكذا تحولت المواجهة من كونها بين السعودية وإيران إلى مواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وهو ما اعتُبر نجاحًا للدبلوماسية السعودية فائقة الدهاء.

قدّم قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر إحاطة رسمية أمام لجان الكونغرس بشأن استراتيجية محاصرة إيران وإضعاف قدراتها العسكرية. وأوضح أن العمليات دمرت نحو 90% من القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية المتخصصة في الطائرات المسيّرة والصواريخ والسفن البحرية، وأن طهران فقدت قدرتها على شن هجمات واسعة، وأن مضيق هرمز بات أكثر أمنًا.

يمثل انهيار إيران نقطة تحول تاريخية في موازين القوى الإقليمية، إذ لم تعد قادرة على بسط نفوذها العسكري خارج حدودها، وهو ما كان يهدد استقرار المنطقة والمصالح الأمريكية بشكل مباشر. وتحديدًا، بات حزب الله اللبناني وحركة حماس والحوثيون معزولين تمامًا عن إمدادات الأسلحة والدعم العسكري الإيراني، وتم تقويض قوة هذه المليشيات، وحُرمت طهران من استخدام وكلائها كأدوات ضغط ميدانية.

حدد كوبر خلال إحاطته أمام مجلس الشيوخ ثلاث أولويات استراتيجية للقيادة المركزية في المرحلة الراهنة: الدفاع عن الولايات المتحدة، وردع إيران، إلى جانب الحفاظ على موقع القوة الأمريكية في مواجهة التحدي الصيني. وهدف الولايات المتحدة ما بعد الحرب الإيرانية هو دمج الحلفاء والشركاء في منظومة واحدة، بما يدعم الجهود الدبلوماسية ويزود البيت الأبيض ووزارة الدفاع بخيارات استراتيجية متنوعة.

وحذّر كوبر من أنه إذا اختارت طهران الانتقام بدلًا من ضبط النفس، فإن ذلك يفرض على القوات الأمريكية القدرة على تعديل انتشارها خلال وقت قصير جدًا لمواجهة أي طارئ. ومن المؤكد أن القوات الأمريكية حققت أبعد من الصراع مع إيران، إذ فرضت هيمنتها على الممرات والطاقة المتجهة إلى الصين والعالم، فيما إيران، رغم مكانتها الجغرافية، فقدت مخالبها وأصبحت دولة هشة لا تملك سوى سلاح الابتزاز الإقليمي.

دخلت المنطقة مرحلة إعادة صياغة معادلة جديدة، لا بد أن تمر عبر جغرافيا جديدة، كما بعد سوريا، وبعد انتهاء الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان. وهناك بروز لتحالفات جديدة تقودها السعودية، مثل تعاونها مع تركيا لمنع بناء شبكات إرهابية وانفصالية، أي منع عودة الإرهاب بشكل مفاجئ يرسم شبكة فوضى جديدة تسعى إسرائيل لاستغلالها لرسم خريطتها الكبرى. وفي المحصلة، يقلّ الاعتماد على التدخل العسكري الأمريكي، ويتحول إلى شراكات أمنية متنوعة مع أمريكا أو غيرها.

منذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، أعادت الولايات المتحدة تقييم سياستها الخارجية للثلاثين أو الأربعين سنة القادمة. تقرير نشره معهد واشنطن وقدّم لمجلس الشيوخ الأمريكي أشار إلى احتمال وجود فخاخ جيوسياسية في مناطق حيوية لصالح الولايات المتحدة، خصوصًا بعدما تم نقل قيادات من داعش كانت في سجون سورية وعراقية إلى مناطق في أفريقيا وأماكن متفرقة من العالم لرسم سيناريوهات جديدة تخدم مصالح أمريكية ضد مصالح صينية أو روسية أو غيرها. أي أن الولايات المتحدة تعيد تدوير هيمنتها وتبحث عن فرص نادرة لإعادة تشكيل المنطقة وفق استراتيجياتها.

لكن السعودية تمتلك الأضواء والمنافسة العالمية، وتتبنى استراتيجية الردع الشاملة، وتدرك ان التردد الأمريكي يحتاج إلى تأمين شامل من القوى السياسية والأمنية بديلا عن التردد الأمريكي، ستكون أمريكا شريكا امنيا، مع التوجه نحو صناعة محاور مع دول عديدة كصناعة محور دفاعي مع باكستان النووية، ومع غيرها، بل إن انهيار إيران سيصب في صالح السعودية في تعزيز الشراكة مع الصين التي تبحث عن موطئ قدم في الممرات التي تحاول أمريكا إزاحتها، فكل قطب يبحث عن مصالحه، والسعودية هي الأيقونة التي تلجأ إليها الأقطاب والقوى الأخرى.

7