احتفاء عراقي برحلة أمجد توفيق بين أروقة السرد وصخب الصحافة
في أجواء مفعمة بعبق الحرف وذاكرة الإبداع، شهدت العاصمة بغداد، المتوجة بلقب “مدينة الإبداع الأدبي” من قبل اليونسكو، أمسية ثقافية استثنائية، حيث استضافت “منصة إبداع” بالتعاون مع “مكتبة أطراس” الثقافية، القاص والروائي العراقي القدير أمجد توفيق، في جلسة حوارية سبرت أغوار مسيرته الحافلة بين عوالم السرد، الصحافة، والنقد، والمسؤوليات الإدارية.
أدار الحوار الذي جرى منذ أيام قليلة، الدكتور سعد التميمي، وسط حضور نخبوي من الأدباء، المثقفين، والأكاديميين مشكلين بذلك مشهدا احتفاليا يليق بقامة أدبية قدمت الكثير للمكتبة العراقية والعربية.
استهل أمجد توفيق حديثه بالعودة إلى الجذور، متحدثا بإسهاب عن بداياته الصحفية والأدبية، وكيف تشكلت ملامح تجربته الأولى في بيئة كانت تضج بالأسئلة الوجودية والجمالية. ولم يقتصر الحوار على الجانب الإبداعي المحض، بل عرج على التحدي الأكبر في مسيرته وهو المزاوجة بين الموهبة والمسؤولية الإدارية.
سلطت الجلسة الضوء على المحطات القيادية التي شغلها توفيق، مؤكدة أنه لم يكن مديرا تقليديا، بل كان صانعا للجمال في كل منصب تولاه. ومن أبرز تلك المحطات: مجلة “الطليعة الأدبية”، حيث ساهم في تشكيل وعي جيل كامل من القراء والكتاب عبر رئاسته لتحريرها، ومجلة “فنون” الأسبوعية التي شهدت في عهده نقلة نوعية في الطرح والمحتوى البصري والثقافي.
شغل منصب مدير الثقافة الجماهيرية في بغداد، وتولى مناصب قيادية في قنوات فضائية، منها مدير الأخبار في قناة البغدادية، والمدير العام لقناة الرشيد الفضائية، فضلا المناصب الرسمية الأخرى، التي استثمرها لبناء مسيرة ثقافية ملموسة، تركت أثرا باقيا في سجل النشاطات الموثقة حتى يومنا هذا.
شهد الحوار مداخلات عميقة حول تقنيات السرد عند توفيق، وكيف استطاع أن ينقل روح الصحافة المباشرة والذكية إلى لغة الرواية، دون أن يفقد النص أدبيته. كما ناقش الحاضرون الرؤى النقدية التي واكبت أعماله، معتبرين أن تجربته تمثل نموذجاً للمثقف العضوي الذي لم ينفصل يوما عن واقعه الاجتماعي والسياسي. وأوضح توفيق “إن الإدارة بالنسبة للمبدع ليست قيدا، بل هي مختبر لاختبار القدرة على التغيير وترك بصمة تتجاوز حدود الورق”.
اختتمت الجلسة بتأكيد الحاضرين على أهمية هذه اللقاءات التي تعيد لبغداد بريقها كحاضنة للإبداع. وقد أثنى الجمهور على الدور الذي تلعبه “منصة إبداع” و”مكتبة أطراس” في مد الجسور بين الأجيال الثقافية، وتسليط الضوء على الرموز التي لم تتوقف عن العطاء رغم كل التحديات.
وفي نهاية الحوار، فُتح باب المداخلات والأسئلة، مما حول الجلسة إلى ورشة نقدية مصغرة احتفت بالتجربة “التوفيقية” في الكتابة والحياة. ويُعد أمجد توفيق واحدا من أبرز أعمدة السرد العراقي المعاصر، وجسرا إبداعيا يربط بين جيل السبعينات والجيل الحالي.
ولد في مدينة الموصل، ونشأ في بيئة ثقافية حفزت لديه الميل الفطري للحكاية منذ الصغر. وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في الإعلام، وهو التخصص الذي صقل مهاراته الأدبية ومنحه زاوية رؤية واقعية للأحداث.
أبرز مؤلفاته الإبداعية: الروايات: “برج المطر” عام 2000، وتعتبر من العلامات الفارقة في مسيرته، وتتناول ذكريات الطفولة في القرى والمدن الصغيرة. “قلعة تارا”، عام 2000، وهي رواية تغوص في التاريخ والمكان بأسلوب رمزي مشوق. ورواية “طفولة جبل”، عام 2002، وهو عمل سردي يربط بين نشأة الإنسان وقسوة وشموخ الجغرافيا. و”الساخر العظيم”، وهي رواية ضخمة (أكثر من 600 صفحة) نالت اهتماما نقديا واسعا، واعتبرت نقلة نوعية في تقنيات السرد العربي. و”زمن الأرجوان”، عام 2024، وهي من أحدث أعماله، وتتناول التحولات السياسية والاجتماعية في العراق بعد عام 2003 وصولا إلى حراك تشرين. و”الظلال الطويلة”، وهي رواية فلسفية تبحث في أزمات الإنسان المعاصر.

أما المجموعات القصصية فنذكر منها “الثلج.. الثلج” عام 1974، مجموعته القصصية الأولى التي أعلنت عن ولادة موهبة سردية لافتة. و”الجبل الأبيض” عام 1977، و”الخطأ الذهبي” عام 2020.
كما أصدر كتاب “القصة”، بالاشتراك مع الكاتبة لطفية الدليمي، عام 1978. وكتاب “نحل القلم عسل الثقافة”، وهو كتاب يجمع رؤاه النقدية والثقافية.
ومن أهم السمات الفنية لمنجزه الأدبي، هي لغة النجار، حيث يؤمن أمجد توفيق بأن الكاتب يجب أن يتقن “صنعة اللغة” تماما كما يتقن النجار مهنته، لذا نجد جمله رصينة ومنحوتة بدقة. كما ترتكز أعماله على تاريخ الوجع والجمال في العراق، مع ابتعاد عن السرد الأسطوري لصالح الواقعية الذكية.
ونجح أمجد توفيق في تحويل تجربته في الصحافة إلى أداة لتوثيق التحولات المجتمعية داخل نصوصه الروائية. وقد صدرت عدة كتب نقدية ورسائل ماجستير ودكتوراه تناولت تجربته الأدبية، منها كتاب “نهر بين قرنين” للناقد حمدي الحديثي.