اثنا عشر برجًا بحثًا عن المعنى
تتكشف تجربة الفنانة راميا ماهود أحمد في أعمالها اللونية كتجربة بصرية لا تكتفي بالوقوف عند سطح المرئي، بل تغوص في الطبقات العميقة للذاكرة والرمز والأسطورة. إنها تجربة تستمد روحها من التعبيرية الرمزية والواقعية التعبيرية ذات البعد الشرقي والفلكلوري، لكنها لا تستنسخ الموروث ولا تستعيره تزيينًا.
تتصدر المرأة في لوحات راميا المشهد الكلي بوصفها مركز الكونين الفلسفي والتعبيري، وأيقونة تختزل الوجود والتاريخ والأنوثة السامية. لا تظهر الأنثى هنا كجسد عابر يستهلكه النظر، بل كذاكرة حية، وكطقس متكرر، وكأسطورة يعاد نسجها بريشة لا تخاف اللون، ولا تخشى المباشرة، ولا تتردد في وضع الأسئلة الكبرى على سطح القماش.
معالجات أسطورية وفلكية
تبدأ الرؤية من معالجات أسطورية وفلكية صريحة، حيث تتجلى المرأة في هيئة قدّيسة تحمل الكرة الأرضية في كفها، أو تحتضن كرات الأبراج ومكامن الطاقة الكونية، محاطة بهالات من الذهبي ورموز فلكية معتقة تعيد قراءة الميثولوجيا القديمة وخرائط السماء الأولى.
لا يقدم الحمل والدلو والحوت في لوحاتها كأبراج للتنجيم الشعبي، بل كعلامات وجودية، كأزمنة نفسية، كمدارات داخلية يدور فيها الإنسان بحثًا عن معنى. تستحيل الأنثى عند راميا واهبة للحياة، شريانة للماء المتدفق من الجرار الترابية، أو كائنًا أسطوريًا كـ«عروس البحر» تربط بين أعماق الأرض وطبقات السماء بخيط غير مرئي من الحنين.
يمنحها اللون الذهبي والتشكيلات التزيينية والرموز الحضرية طابعًا أيقونيًا يستدعي المخطوطات القديمة وأنفاس الفن الرافديني، فتتحول الشخوص إلى كائنات غير زمنية. تقف فوق ألسنة النار أحيانًا، وتتدفق مع مياه الأزرق واللازوردي أحيانًا أخرى، في فضاء لا يعترف بالتقويم ولا بالحدود الجغرافية، فضاء تصبح فيه اللوحة نافذة على أزلية لا تشيخ.
وعلى الضفة الأخرى من التجربة نفسها، تلتفت الفنانة بحدة وحنان في آن واحد نحو الحياة اليومية والذاكرة الشعبية، تطل المرأة المحلية برداء أخضر أو بنفسجي وهي تحمل أواني المائدة الشعبية، وتحيط بها الفوانيس والأهلة وأجواء رمضانية حميمة تشبه رائحة البيت القديم.
تبرز خلفها الشناشيل والنوافذ الملونة، وتحتضن ديكًا بريش متعدد الألوان كرمز للصحوة والولاء والبيئة العراقية الشفافة التي لم تنقطع رغم كل ما مر بها. في هذا المزج الدقيق بين الأيقوني واليومي، يتجلى شغف راميا بإبراز البعد الاجتماعي والروحاني للمرأة المعاصرة والتقليدية معًا.
لا تفصل بين القداسة واليومي، ولا بين الأسطورة والمطبخ، بل تضعهما في إطار واحد تقول فيه إن البطولة قد تكون في حمل جرة ماء كما هي في حمل كوكب. ويبقى ما يميز هذا المزج هو الحفاظ على نقاء الخطوط ووضوح المساحات اللونية التي تتسم بالجرأة والمباشرة التعبيرية، فلا ضبابية زائدة ولا غموض للغموض.
وتدخل لوحات راميا في منعطف آخر يلامس السريالية والتعبير الحزين الشفاف. نراها ترسم الأنثى تتنفس عبر حوض سمك زجاجي وصنبور ماء مغلق، أو ترتبط بأغلال وقيد حديدي، بينما تحمل الفرشاة والريشة بجوار قط رمادي صامت يراقب. هذه الصور ليست ديكورًا بصريًا، بل إشارة مباشرة إلى المكابدة الفنية، إلى قيد الذات في سبيل التعبير، إلى ذلك الثمن الباهظ الذي يدفعه الفنان كي يبقى صوته مسموعًا وسط ضجيج العالم.
كما تتجلى العلاقات الإنسانية والثنائيات في معالجات استعادية ذكية تدمج بين دافنشي والموناليزا في إطار واحد يحتضن التفاحة الحمراء أو الخضراء وقلوب العاطفة النابضة، إلى جانب مشهديات العزلة والانتظار تحت ضوء مصباح أصفر باهت وخلف الشرفات المغلقة التي لا يطل منها أحد.
دراما لونية
في هذه الأعمال لا تقدم راميا حكاية واحدة، بل تفتح الباب أمام تعدد القراءات، فكل رمز يمكن أن يكون مفتاحًا، وكل لون يمكن أن يكون سؤالًا. قوة البناء التشكيلي في هذه الأعمال تعتمد على أمرين أساسيين: الخطوط الخارجية الحاسمة التي تحدد الشكل والموقف معًا، والتباين الحاد بين المساحات الساخنة والباردة.
هذا التباين لا يخدم الجانب الجمالي فقط، بل يخلق دراما لونية تجعل كل لوحة مسرحية خاصة، ذات حضور يفرك تماسك الصمت ويفتح أفقًا للتأويل التأملي والجمالي. فاللون عند راميا لا يوصف، بل يفعل، والخط لا يرسم الحدود فقط، بل يعلن عن موقف. وحين يلتقي الذهبي بالكحلي، أو الأخضر بالبنفسجي، أو الأحمر بالأزرق، لا يحدث تصادم، بل حوار، حوار بين طاقات متضادة تحاول أن تصل إلى هدنة داخل اللوحة.
وتقول الفنانة عن معرضها الأخير «سيدة الكوكب»: «هو تحية حب ووفاء لروح والدي الراحل الفنان الرائد ماهود أحمد، وتحقيق لحلم جمعنا يومًا: أن يلتقي عالمه الفني بعالمي في فضاء واحد. غاب الجسد، لكن روحه بقيت حاضرة في اللون والخط والظل، ومن إرثه وفلسفته الفنية أمضي بلغتي البصرية الخاصة لأصنع جسرًا بين جيلين وتجربتين وروح لا يطالها الغياب. عبر عوالم الأبراج الإثني عشر، تتحول كل لوحة إلى ملاذ صغير للروح المتعبة وحكاية عن الإنسان وتقلباته، عن العتمة والتحول والأمل».
«سيدة الكوكب» إيمان راسخ بأن الفن يحمل ما تعجز الأيام عن محوه، وأن النور مهما طال الظلام يولد دائمًا من جديد، وتضيف: «آخر ثلاث صور رسمتها عام 2021، كنا متفقين (أنا ووالدي) على إقامة معرض مشترك عن الأبراج: الجدي والدلو والحوت. بقية الأبراج موجودة أيضًا، لكنها لم تُنشر كلها.. وهكذا يكتمل المشهد».
فتاة خرجت من معطف أبويها الفنيين، لا لتكررهما حرفيًا، بل لتصنع من دفئهما ثوبًا جديدًا، ثوبًا يليق بامرأة تحمل الكوكب في كف، وتحمل في القلب ذاكرة بيت ومدينة وسماء.
الفن يهزم النسيان
كان الفن جزءًا من تكوين راميا ماهود أحمد منذ ولادتها، (والدتها الفنانة وسماء الأغا)، فقد نشأت في بيت لم تكن فيه الفرشاة نشاطًا جانبيًا ولا اللون هواية عابرة تقتل بها الفراغ. كان البيت مدرسة أولى في الثقافة والفكر والفلسفة، محيطًا لم يفصل الفن عن الحياة، بل جعله لغة للحوار اليومي وأداة لفهم الإنسان والعالم. ومن هذا المناخ تشكل وعيها البصري مبكرًا، قبل أن تصقل مع السنوات لغتها الخاصة ورؤيتها المستقلة، وتبدأ مشاركاتها في المعارض منذ عام 2007.
لكن رحلة راميا لم تقف عند حدود المرسم. تخصصت بدراسة عليا في العلاج النفسي العصبي للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، واشتغلت لسنوات على العلاج بالفن والرسم مع الأطفال. وهذا المسار المهني أضاف إلى رؤيتها الفنية بعدًا حاسمًا، بعدًا يرتبط بالعالم الداخلي للإنسان، بالمشاعر التي لا تجد طريقها إلى الكلمات، وبوسائل التعبير غير اللفظية التي تصبح فيها الضربة اللونية اعترافًا، والصمت على اللوحة حكاية كاملة.
حين ترسم طفلًا لا يستطيع التعبير، تتعلم كيف يرسم الصمت، وكيف يتحدث اللون بدل اللسان. وهذا ما يفسر لماذا تبدو لوحاتها مشحونة بطاقة وجدانية عالية، ولماذا تختار الرمز لا كزخرفة، بل كضرورة لغوية بديلة.
تجمع أعمال راميا بين الواقعية والسريالية الرمزية، وتتخذ من الرمز لغة بصرية للإشارة إلى موضوع أو حالة إنسانية أو قضية اجتماعية. لا تتناثر الرموز اعتباطًا على السطح، بل تتجمع داخل مشهد واحد على سطح الكانفاس لتشكل سردًا بصريًا متكاملًا تتقاطع فيه الحقيقة مع الخيال، والواقع مع العالم الداخلي للإنسان. هكذا تصبح اللوحة قابلة لأكثر من قراءة، ويغدو الرمز جزءًا من الحكاية لا زخرفة ملحقة بها.
المرأة التي تحمل الأرض ليست مجرد صورة، بل سؤال عن المسؤولية، والمرأة المحاطة بالأبراج ليست ديكورًا فلكيًا، بل تأمل في المصير، والمرأة خلف النافذة ليست مشهدًا يوميًا، بل استعارة عن الانتظار والترقب.
قدمت راميا معرضها الشخصي الأول «فنانة من بلاد العجائب» عام 2024، ثم عادت بمعرضها الثاني «سيدة الكوكب» عام 2026، وكأنه استكمال لدائرة بدأت بالدهشة وانتهت بالكون. ومنذ عام 2007 شاركت في معارض وفعاليات محلية ودولية في الولايات المتحدة والأردن والعراق والكويت والإمارات، منها «العراق 100» للملصق الدولي في بغداد عام 2024، و«معرض العراق» في بغداد عام 2023، إلى جانب حضور فني وثقافي لافت في عمّان وبغداد والكويت ودبي. وفي عام 2024 دخلت إحدى جدارياتها مجموعة متحف دوت في أمريكا، وهو اعتراف مؤسسي بأهمية لغتها البصرية. وفي 2025 أسهمت في فعالية «باب إلى العالم: الأزياء العالمية» بصفتها المصمم الفني والمنتج للمحتوى المرئي للمتحف، ما كشف عن قدرتها على الانتقال من سطح اللوحة إلى فضاء العرض الكلي دون أن تفقد بصمتها أو تذوب في إطار جماعي.
أعمال الفنانة تجمع بين الواقعية والسريالية الرمزية، وتتخذ من الرمز لغة بصرية للإشارة إلى موضوع أو حالة إنسانية أو قضية اجتماعية
تستكشف أعمال راميا العلاقة الشائكة بين الإنسان والذاكرة والخيال والعالم النفسي، وتبحث من خلال اللون والرمز عن المساحات التي تعجز الكلمات عن بلوغها، عن تلك المناطق الرمادية بين الحلم واليقظة، بين الفردي والجمعي، بين ما نعرفه عن أنفسنا وما ننكره. فاللوحة عندها ليست مشهدًا بصريًا فحسب، بل مساحة تحمل فكرة وحالة وحكاية إنسانية. يلتقي فيها المرئي بما هو خفي، والواقع بالحلم، والذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية لمدينة وشعب.
وقد اقتُنيت أعمال لها ضمن مجموعات خاصة في الولايات المتحدة والعراق والأردن والإمارات والكويت وكندا ولبنان والمملكة العربية السعودية، وهذا الانتشار لا يعكس فقط قيمة سوقية، بل يعكس حاجة متزايدة إلى فن يتحدث بلغة إنسانية عابرة للحدود، فن لا يبيع جمالًا سطحيًا، بل يطرح أسئلة وجودية.
في النهاية، تقف راميا ماهود أحمد في مكان خاص داخل المشهد التشكيلي العراقي والعربي. هي ليست امتدادًا حرفيًا لإرث والدها، ولا قطيعة معه، هي جسر، جسر بين جيلين، بين الداخل والخارج، بين ما نراه بأعيننا وما نشعر به ولا نستطيع تسميته.
من معطف والديها خرجت بثوبها الخاص، ثوب مرصع بالنجوم وبالشناشيل، بالذهب وبالطين، بالأسطورة وبالمطبخ. ثوب يليق بـ«سيدة الكوكب» التي تؤمن أن الفن وحده قادر على أن يهزم النسيان، وأن يعيد للمرأة مكانتها كمركز للعالم، لا كخلفية له.



