إزميل الرافدين يُطوّع العصر مختصرا الغربة والزمن

أنامل عراقية تنحت الإنسان مستنطقةً مخاوفه وآماله المعاصرة
الأربعاء 2025/12/24
نجتمع لنكتشف إبداعات فناني العراق

بغداد – في تظاهرة جمالية تعيد لبغداد ألقها الفني، احتضنت قاعة جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين (المركز العام) المعرض السنوي للنحت العراقي المعاصر لعام 2025. وقد شهد الافتتاح حضوراً لافتاً من النخب الثقافية والوسائل الإعلامية، ليتحول المعرض إلى ملتقى فكري يجمع بين عراقة التاريخ وتطلعات الحداثة.

بمشاركة ثمانين نحاتاً، نجح المعرض في تقديم بانوراما بصرية تختزل مسافات الغربة والزمن؛ حيث تلاحمت أعمال فناني الداخل مع إبداعات المغتربين في وحدة موضوعية وجمالية لافتة. وفي تصريح له، أكد رئيس الجمعية الفنان سعد العاني على رمزية هذا التجمع قائلاً: "حرصنا على أن يضم هذا الحدث المبدعين في الوطن والمهجر، ليعزف كل منهم أنشودته الإبداعية على المعدن والحجر، امتداداً لأجدادهم السومريين الذين جعلوا النحت لغةً تروي حكاية الإنسان العراقي".

لا يمكن قراءة معرض النحت العراقي لهذا العام بمعزل عن التراكم التاريخي لـ "مدرسة بغداد للنحت"؛ فالمشاركة الواسعة لـ 80 نحاتاً لم تكن مجرد حشد عددي، بل كانت استعراضاً لمرونة النحات العراقي في تطويع الخامات القاسية لتحاكي قضايا إنسانية شديدة الحساسية.

برز في المعرض تباين ممتع بين "وقار التجربة" لدى الرواد و"جرأة التجريب" لدى الشباب؛ فبينما حافظ البعض على تقاليد النحت الكلاسيكي في البرونز، اتجه آخرون نحو تركيبات معاصرة تستنطق الفولاذ، الخشب، والمواد المركبة. هذا التنوع لم يشتت الهوية العامة للمعرض، بل عزز فكرة أن النحت العراقي "كائن حي" يتطور باستمرار ولا يتجمد عند قوالب جاهزة.

وطغت ثيمة "الإنسان" على معظم الأعمال، لكنها لم تكن مجرد محاكاة شكلية للجسد، بل كانت استنطاقاً للمخاوف والآمال المعاصرة. لقد نجح النحاتون في تحويل الكتلة الصمّاء إلى فضاءات تعبيرية تتحدث عن "الاغتراب" الذي تجسد في أعمال المغتربين التي مالت إلى التجريد الرمزي والحنين، وعن "الهوية" من خلال استلهام الرموز الرافدينية وإعادة صياغتها برؤية حداثية، وعن "الوجودية" عبر التلاعب بالظل والضوء وتفريغ الكتلة، مما منح المنحوتات خفة بصرية رغم ثقل مادتها.

إن إشراك فناني المهجر منح المعرض نَفَسًا عالمياً، حيث امتزجت التقنيات الغربية المكتسبة بالروح الشرقية المتجذرة، مما خلق لغة بصرية عابرة للحدود. ويثبت معرض النحت 2025 أن الإزميل العراقي ما زال يمتلك سلطة المعنى؛ فقد تحولت القاعة إلى مختبر فكري أثبت فيه الفنان العراقي قدرته على صياغة "أنشودة إبداعية" تمزج عراقة الماضي بتكنولوجيا العصر، مؤكداً أن النحت ليس مجرد تشكيل في الفراغ، بل هو تدوين تاريخي بلسان الجمال.

ختاماً، إن محتويات المعرض ومساراته الإبداعية بحاجة إلى دراسات نقدية مستقلة، سنقف عندها لاحقاً بشيء من التفصيل والتحليل.