أمال هدازي تكشف حمولة الهمس ودلالاته في ديوان "همس الخطيئة"

مفهوم الهمس يحتل حيزا وجدانيا يشكل الجانب الخفي الذي تفوقت الشاعرة في كشف المستور عن مقوماته وخلفياته.
الخميس 2026/05/21
تطلع إلى آفاق شعرية أرحب

كثيرة هي تمثلاتنا لمفهوم الهمس، في ارتباطه بلحظات حميمية خلال إيقاع زمني يرتبط بظلمة الليل وسكونه، بالهدوء الذي يفسح المجال لبوادر الإلهام، بخفوت الصوت الذي لا يكاد يبرح زوايا البيت، بالارتياح الذي ينتابنا ونحن نمارس طقوس الهمس في عزلتنا ووحدتنا رغم وحشة الأمكنة، نطاوع أنفسنا مكرهين لنساير إيقاعات الهمس، حيث يلتهمنا شعور عارم بالانتشاء في مسعى حقيقي لتحقيق مبدأ اللذة، طالما أن الأجواء باعثة على تفاعل المشاعر الحميمية، والحوارات المشوقة التي تدفعنا إلى خفض منسوب الصوت، وكأننا نخال أن ينتقل البوح إلى الآخر، الذي لا يعدو أن يكون مجرد فراغات وبياضات تؤثث المجال الذي يحتضن أجواء الهمس.

“همس الخطيئة” عنوان لديوان شعري للمبدعة والشاعرة المغربية أمال هدازي يحيل على الكثير من التشويق والإثارة، حيث مفهوم الهمس يحتل حيزا وجدانيا يشكل الجانب الخفي الذي تفوقت الشاعرة في كشف المستور عن مقوماته وخلفياته، عن دوافعه والتباساته، وربطت بشكل متجانس ومتناغم إلى أبعد الحدود بين مفهوم الهمس كهاجس اضطراري، وبين الخطيئة كفعل مقترف دال على واقعة تدخل ضمن دائرة الطابوهات الخارجة عن المألوف من البنية التقليدية.

وفي سياق الهمسات الممزوجة بفعل الخطيئة أبدعت الشاعرة أمال هدازي في سرد نصوصها بلغة انسيابية رصينة وازنة، تستند إلى مخيال منفتح على إيحاءات متباينة، تجعل الصور الشعرية تتراءى كأنها لوحات تشكيلية ماتعة، تسافر بالقارئ إلى أزمنة وأمكنة موغلة في الرومانسية والقلق الوجودي، وتشعره بالتماهي مع تلك التوليفات والتشكيلات اللغوية حد الانصهار مع فصولها المشوقة والمثيرة.

رحلة وجدانية تأخذ من كل محطة شحنة تمنح القارئ متعة التوصيف
رحلة وجدانية تأخذ من كل محطة شحنة تمنح القارئ متعة التوصيف

ولعل اللافت للانتباه عناوين النصوص الشعرية التي تختزل في حمولتها احتفالية الصور البلاغية المدهشة، وتمنحها نفسا عميقا يستحضر سحر موضوعات عميقة الدلالات بمكنوناتها المنفلتة والعابرة للهواجس ويرتل كلمات موزونة فصيحة وباعثة على الاستئناس، بتأويلاتها والتهام حروفها بهدف الوصول إلى نشوة القراءة، التي تستهويك لاستكمال النصوص والانتقال إلى أخرى بحثا عن الذات، ورغبة في التمازج والتلاقح مع عوالم المبدعة أمال هدازي وطريقة تصريفها لتلك الصور الشعرية والنصوص المبهرة، وذلك وفق تمثلات تجعل القارئ يعيش رحلة سفر وجدانية.

إنها رحلة وجدانية تأخذ من كل محطة شحنة تمنح القارئ متعة التوصيف، وتغريه لاستكمال جولات الترحال عبر النصوص، تارة على شاكلة الغضب وتارة على نحو العبث، مرورا بالغياب، وخواطر الليل، والشوق ومعزوفات المطر، وفوضى الحواس، وعندما يتكلم الصمت.

يشار إلى أن “ريبيرتوار” الشاعرة أمال هدازي حافل بالعطاء المتسم بالعمق الإبداعي والأدبي في أسمى تجلياته، وتمتلك آليات الكتابة والحكي والسرد بشكل محكم ومدهش، وتنقل القارئ عبر رحلات مكوكية، يكتشف من خلالها ذاته وسيكولوجيته، التي قد تشكل في أحايين كثيرة متنفسا وجدانيا وفضاءات أرحب للتماهي مع مخيال الشاعرة، ومحاولة إسقاط أجزاء من تلك الفصول على الذات المنبهرة حد التلاشي.

ويضم رصيد الشاعرة والمبدعة أمال هدازي المتنامي والمتزايد، دواوين شعرية صادرة باللغة العربية منها: “همس الخطيئة” و”هذيل الغمام” و”فصول من عشق” و”حرف ونصف معنى”، إلى جانب دواوين أخرى باللغتين الفرنسية والإسبانية، سبق لها أن شاركت في العديد من المحافل الأدبية سواء داخل أرض الوطن أو خارجه.

تسعى جادة إلى إغناء مسارها الإبداعي بالمزيد من الدواوين الشعرية والكتابات الإبداعية، وذلك وفق منسوب أدبي يستمد قوته مما تمتلكه المبدعة أمال هدازي من تراكم معرفي ولغوي وحس إستيطيقي، وملكات إبداعية يمتزج فيها الأدب بالفن، وعشق الحياة والرومانسية والحس الإنساني والقيم الراقية.

وتعتبر الهدازي أن “الشعر هو رهان المستقبل، من النفق إلى الأفق هو موعد الإنسان للتصالح مع ذاته وترميم من التشظي هو فعل بناء للوجود، إنه الصدق المطلق مع الذات وانتساب للإنسانية هو فعل مقاومة للخراب وسفر نحو الاكتمال في زمن الأعطاب”.

9